” الخماسية” تذهب في اتجاهات كارثية

دبلوماسية الاصفار.. لماذا لم ينجح العالم في إيقاف حرب السودان؟
خالد عمر يوسف: لن نشارك في حوار لايكون نتيجته إيقاف الحرب
دبلوماسي افريقي: بريطانيا والنرويج يتحملان مسؤولية انحراف الرباعيىة
صحافي عربي: شعب ممزق وبلد محطم والعالم يتفرج
فريق أفق جديد
ما يقارب الأربعة أعوام مضت على اندلاع الحرب في السودان، تبدلت خلالها خرائط السيطرة، وتغيرت موازين القوة، وتآكلت مؤسسات الدولة، واتسعت دائرة النزوح واللجوء، بينما ظل المسار الدبلوماسي يتحرك بكثافة لافتة من دون أن يقترب، بالقدر الكافي، من هدفه المركزي: إيقاف الحرب
أكثر من 150 ألف قتيل، وملايين اللاجئين والنازحين، ونحو 8 ملايين طفل خارج المدارس، وخسائر اقتصادية تتجاوز 154 مليار دولار. وراء هذه الأرقام بلد يتآكل من الداخل، ومجتمع تتقطع أوصاله، واقتصاد يفقد قدرته على البقاء. ومع ذلك، فإن المأساة السودانية لم تعد فقط في استمرار القتال، وإنما في أن الحرب باتت، بالنسبة إلى أطراف دولية وإقليمية عديدة، أزمة ينبغي احتواؤها وإدارتها أكثر من كونها حرباً يجب إنهاؤها.
صحافي عربي عاد أخيراً من الخرطوم، بعد جولة شملت عدداً من الولايات، قال لـ«أفق جديد» إن ما رآه «بلد محطم وشعب ممزق». ثم خلص إلى انطباع أكثر قسوة: العالم، في تقديره، لا يعمل على إنهاء الأزمة بقدر ما يعمل على إدارتها، وإنه لا ينجح حتى في إدارتها بصورة جيدة.
هذا الحكم قد يبدو للوهلة الأولى قاسياً، لكنه يجد ما يسنده في مسار الدبلوماسية الدولية خلال السنوات الثلاث الماضية. فقد شهد السودان وفرة غير مسبوقة من المبادرات والوسطاء والمؤتمرات: جدة، والاتحاد الأفريقي، وإيغاد، والأمم المتحدة، وباريس، وجنيف، ولندن، والرباعية، وبرلين، ثم الخماسية. وبين هذه المحطات تحرك مبعوثون أمريكيون وأوروبيون وأفارقة وعرب، وتبدلت صيغ التفاوض أكثر من مرة لكن الحصيلة ” الحرب لاتزال مستمرة” تفرخ أزمة وتنتج مأساة..
وفرة الوساطات
المشكلة الأولى في الاستجابة الدولية أنها بدأت، منذ وقت مبكر، تعاني من فائض في الوسطاء ونقص في مركز الثقل.
في مايو 2023، دخلت الولايات المتحدة والسعودية بثقلهما إلى المشهد عبر محادثات جدة. وكان اختيار جدة منطقياً في ذلك الوقت؛ فالرياض تملك قنوات اتصال مؤثرة مع طرفي الحرب، وواشنطن تملك أدوات ضغط سياسية واقتصادية لا يستهان بها، أنتج المسار «إعلان الالتزام بحماية المدنيين»، ثم جرى التوصل إلى هدن وترتيبات إنسانية متكررة. لكن الاتفاقات لم تصمد
وهنا ظهرت مبكراً مشكلة ستلازم كل المسارات اللاحقة: الوسيط يستطيع أن يحصل على توقيع، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يحصل على التزام
فالجيش والدعم السريع لم يدخلا التفاوض من الموقع نفسه، ولم يكن أي منهما مستعداً للتعامل مع وقف النار باعتباره غاية بحد ذاته. كان كل طرف ينظر إليه باعتباره استراحة يمكن أن يستثمرها لإعادة التموضع أو تحسين موقعه العسكري
وبذلك أصبح وقف إطلاق النار جزءاً من الحساب العسكري، لا مدخلاً للخروج منه
الاتحاد الأفريقي وإيغاد
في المقابل، حاول الاتحاد الأفريقي أن يقدم تصوراً أكثر شمولاً، يقوم على وقف القتال وحماية المدنيين ثم الانتقال إلى عملية سياسية، وكانت هذه الرؤية، من حيث المبدأ، أكثر اقتراباً من طبيعة الأزمة السودانية، لأن الحرب لم تبدأ في فراغ سياسي، بل كانت نتيجة مباشرة لانهيار المسار الانتقالي والصراع على مستقبل الدولة وموقع المؤسسة العسكرية في السياسة،
لكن الاتحاد الأفريقي افتقر إلى أدوات تنفيذية حقيقية
وفي الوقت نفسه، تحركت إيغاد في اتجاه التوسط بين البرهان وحميدتي، وطرحت لقاءً مباشراً بين الرجلين.
غير أن تعدد المسارات لم ينتج ضغطاً تراكمياً على طرفي الحرب، بل أوجد في بعض الأحيان تنافساً بين الوسطاء أنفسهم، أو أتاح لكل طرف اختيار المنبر الذي يراه أكثر ملاءمة لموقفه،
وهنا كان الخطأ الاستراتيجي: السلام يحتاج إلى مركز تفاوض واحد، بينما السودان حصل على عدة مراكز تفاوض متنافسة
الأمم المتحدة..
حدود القوة الدولية
لم تكن الأمم المتحدة أكثر حظاً في اختبار السودان. فالمنظمة الدولية تمتلك الشرعية الدولية الأوسع، لكنها لا تستطيع تحويل هذه الشرعية إلى نفوذ سياسي فعال ما لم يتوافر قدر من التوافق داخل مجلس الأمن، وهو ما ظل صعباً في ظل الاستقطاب الدولي الحاد. وبعد أشهر قليلة من اندلاع الحرب، استقال فولكر بيرتس في سبتمبر 2023، ثم أغلقت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان «يونيتامس» أبوابها في فبراير 2024، في تطور بدا شديد الدلالة على تراجع قدرة المجتمع الدولي على التأثير المباشر في مسار الأحداث. فقد كان المجتمع الدولي، قبل الحرب، يحاول عبر البعثة الأممية دعم الانتقال السياسي ومساعدة السودانيين على بناء مؤسسات الدولة، لكنه وجد نفسه بعد اندلاعها عاجزاً حتى عن الاحتفاظ بأداته السياسية داخل البلاد. ومع انحسار الدور السياسي للبعثة، اتجه الحضور الأممي بصورة أكبر إلى المجال الإنساني، وهو دور لا يمكن التقليل من أهميته بالنظر إلى حجم الكارثة، لكنه يظل عاجزاً عن الإجابة عن السؤال المركزي: كيف تتوقف الحرب؟
ولعل المسار الأمريكي يقدم الصورة الأوضح لتطور الدبلوماسية الدولية تجاه السودان، ليس فقط بسبب الوزن السياسي والاقتصادي للولايات المتحدة، وإنما لأن واشنطن كانت الدولة الغربية الأكثر حضوراً في محاولات وقف القتال. بدأ التحرك الأمريكي في المرحلة الأولى عبر المبعوث دونالد بوث، ثم انتقل إلى مسار جدة الذي جمع الولايات المتحدة والسعودية في محاولة مبكرة لانتزاع وقف للقتال وترتيبات لحماية المدنيين. غير أن جدة، رغم أهميتها بوصفها أول منصة تفاوضية رئيسية بين الجيش والدعم السريع، كشفت منذ البداية الفارق بين قدرة الوسيط على جمع الأطراف وقدرته على إلزامها بما تتعهد به. انهارت الهدن، واستمرت الحرب، وتحول «إعلان جدة» تدريجياً إلى مرجعية سياسية وإنسانية أكثر منه آلية تنفيذية قادرة على وقف القتال.
وفي فبراير 2024، عيّنت واشنطن توم بيرييلو مبعوثاً خاصاً للسودان، في محاولة لإعادة تنشيط الدبلوماسية الأمريكية بعد أن بدأت الحرب تتخذ طابعاً أكثر تعقيداً. ولم يتحرك بيرييلو باعتباره مبعوثاً يكتفي بالاتصالات مع طرفي النزاع، وإنما وسع دائرة تحركه لتشمل أوغندا وإثيوبيا وجيبوتي وكينيا ومصر والسعودية والإمارات، في إشارة إلى إدراك أمريكي متزايد بأن الحرب السودانية لا يمكن فصلها عن محيطها الإقليمي. فالدعم العسكري والمالي والسياسي الذي تتلقاه أطراف الحرب من الخارج، وشبكات السلاح والذهب والمصالح المتشابكة عبر الحدود، جعلت من الصعب التعامل مع الصراع باعتباره مواجهة سودانية داخلية خالصة. وحين دفعت واشنطن في أغسطس 2024 نحو مفاوضات جنيف، كانت تحاول الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة إطلاق مسار تفاوضي مباشر، لكن جنيف كشفت بدورها حدود النفوذ الأمريكي؛ إذ استطاعت واشنطن أن تحدد المنصة وتوجه الدعوة، لكنها لم تستطع أن تفرض على طرف الحرب المشاركة بالشروط التي أرادتها، لأن الحساب العسكري ظل بالنسبة إلى المتحاربين أكثر تأثيراً من الحساب الدبلوماسي. وهنا ظهرت المعضلة التي سترافق السياسة الأمريكية لاحقاً: واشنطن تملك النفوذ، لكنها لم تحول هذا النفوذ إلى ضغط كافٍ لتغيير حسابات الحرب.
تحركات بولس
غير أن المرحلة الأكثر أهمية في تطور التحرك الأمريكي جاءت مع مسعد بولس، الذي لم يتعامل مع الملف باعتباره مجرد مهمة تفاوضية بين الجيش والدعم السريع، وإنما حاول إعادة تعريف طبيعة المشكلة نفسها. وبولس، بحكم موقعه كمبعوث رئاسي أمريكي إلى أفريقيا، امتلك هامش حركة مختلفاً عن المبعوثين السابقين، واستطاع أن يتعامل مع السودان ضمن شبكة علاقاته الإقليمية والدولية الأوسع، لا باعتباره ملفاً منفصلاً عن صراعات المنطقة. ومنذ دخوله بقوة على خط الملف السوداني، تحرك بولس بين العواصم المؤثرة، واجتمع مع مسؤولين في مصر والسعودية والإمارات وتركيا وغيرها، وسعى إلى بناء تفاهم حول ضرورة وقف الحرب ووقف تدفق السلاح والدعم الخارجي، كما حاول دفع الأطراف الإقليمية إلى استخدام نفوذها على طرفي النزاع بدلاً من الاكتفاء بإدارة تناقضاتها الخاصة.
تكمن أهمية بولس، بحسب ما افاد به قيادي رفيع في تحالف صمود ” افق جديد” ، في أنه نقل السؤال الأمريكي من «كيف نقنع البرهان وحميدتي؟» إلى سؤال أكثر واقعية: «كيف نضغط على من يستطيع التأثير في البرهان وحميدتي؟». وهذا التحول ليس تفصيلاً في مسار الوساطة، بل يعكس إدراكاً متأخراً لحقيقة ظلت الحرب تؤكدها طوال سنواتها الثلاث: القرار العسكري السوداني لم يعد يُصنع داخل السودان وحده. فكلما طال أمد الحرب، ازدادت صلاتها بشبكات إقليمية ودولية، وأصبح استمرار القتال مرتبطاً بدرجات مختلفة بمصالح دول تملك القدرة على التسليح والتمويل والتأثير السياسي. ومن هنا جاء اهتمام بولس بمسار الرباعية التي ضمت الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، والتي تحولت إلى واحدة من أبرز أدوات الضغط السياسي الأمريكية على أطراف الحرب وداعميها، وطرحت تصوراً يقوم على هدنة إنسانية تتبعها عملية سياسية. وكان هذا المسار محاولة لنقل مركز الثقل من مائدة التفاوض بين المتحاربين إلى دائرة أوسع تضم الدول التي تملك مفاتيح التأثير عليهم، ويمضي السياسي الرفيع قائلا : (لم يكن تحرك بولس محصوراً في الجانب التفاوضي، بل ارتبط أيضاً بمحاولة اختبار مدى استعداد القوى الإقليمية لتحمل مسؤولية إنهاء الحرب).
واشنطن، في هذه المرحلة، أصبحت أكثر وضوحاً في القول إن أي تسوية لن تنجح إذا استمر تدفق السلاح، وإن وقف إطلاق النار لا يمكن أن يكون اتفاقاً مؤقتاً بين قائدين عسكريين بينما تستمر البيئة الخارجية التي تغذي الحرب. كما حاول بولس الدفع باتجاه مسار سياسي يفتح المجال أمام المدنيين، بدلاً من اختزال التسوية في صفقة عسكرية تعيد إنتاج الأزمة التي سبقت الحرب. ومن هذه الزاوية، فإن تجربة بولس تبدو مختلفة عن تجارب المبعوثين الأمريكيين السابقين، ليس بالضرورة لأن نتائجها كانت حاسمة، وإنما لأنها اقتربت أكثر من تشخيص البنية الحقيقية للنزاع: حرب داخلية تغذيها شبكة من المصالح الخارجية، ولا يمكن إيقافها من دون التعامل مع الشبكة نفسها.
ومع ذلك، فإن التحول في المقاربة الأمريكية لم يحقق حتى الآن الاختراق المطلوب. فقد ظل التناقض قائماً بين ما تريده واشنطن وما تستطيع فرضه، وبين ما تعلنه الدول الإقليمية وما تفعله في الواقع. وهذا يقود إلى واحدة من أهم نتائج تجربة مسعد بولس: أن مشكلة السودان لم تعد في نقص الاتصالات، وإنما في قدرة الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى على تحويل اتصالاتها إلى ضغوط متزامنة، وعلى جعل كلفة استمرار الحرب بالنسبة إلى أطرافها وداعميها أعلى من كلفة التسوية. وبذلك يصبح بولس، رغم أهمية تحركات المبعوثين السابقين، الحلقة الأهم في تطور السياسة الأمريكية تجاه السودان، لأنه جاء في مرحلة انتقلت فيها واشنطن من محاولة الوساطة بين المتحاربين إلى محاولة التأثير في البيئة التي تجعل الحرب ممكنة.
وفي موازاة التحرك الأمريكي، عقد المجتمع الدولي سلسلة من المؤتمرات في باريس ولندن وبرلين، حققت نجاحاً واضحاً في إبقاء السودان داخل دائرة الاهتمام الدولي، وحشد التمويل الإنساني، وبناء قدر من التوافق حول وحدة السودان ورفض الحل العسكري وضرورة الانتقال المدني. لكن هذه النجاحات ظلت، في معظمها، خارج ميدان الحرب. فقد أصبح المجتمع الدولي أكثر اتفاقاً على شكل السودان الذي يريده بعد انتهاء القتال، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في الاتفاق على كيفية إنهاء القتال نفسه. وهذه مفارقة جوهرية؛ إذ إن البيانات الدولية تتحدث بصورة متقاربة عن حماية المدنيين ووحدة البلاد ورفض التدخل الخارجي والعودة إلى مسار مدني، لكن هذه المبادئ ظلت تفتقر إلى مركز سياسي واحد وإلى آلية تنفيذ تستطيع تحويلها من أهداف معلنة إلى شروط ملزمة.
وهنا تبرز المعضلة الحقيقية للدبلوماسية الدولية في السودان. فالقوى الدولية لا تعاني نقصاً في المعلومات؛ فهي تعرف أطراف الحرب، وتعرف طبيعة الانتهاكات، وتعرف حجم الكارثة الإنسانية، وتدرك أن للحرب امتدادات إقليمية، كما تعرف أن الحسم العسكري لن ينتج استقراراً مستداماً. المشكلة ليست في المعرفة، وإنما في تعارض المصالح. السودان ليس مجرد أزمة إنسانية أو نزاع على السلطة؛ موقعه على البحر الأحمر، وحدوده مع سبع دول، وموارده الطبيعية، والذهب، وحركة التجارة والهجرة، وأمن القرن الأفريقي، وعلاقاته المتشابكة مع الخليج وأفريقيا والشرق الأوسط، كلها تجعل الحرب جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع. ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يسبق أي تقييم للتحركات الدولية هو: هل تريد جميع القوى المؤثرة في السودان الشيء نفسه؟ الإجابة الواضحة هي لا، وما دام الوسطاء أنفسهم لا يملكون تصوراً موحداً لما ينبغي أن يكون عليه السودان، فإن قدرتهم على فرض تسوية على أطراف الحرب ستظل محدودة.
الخماسية .. محاولة ولكن
ومن هنا يمكن فهم أهمية التحرك الذي بدأته الخماسية في 2026، بمشاركة الاتحاد الأفريقي وإيغاد والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. فالقيمة الحقيقية لهذا المسار لا تكمن في إضافة وسيط جديد إلى قائمة طويلة، وإنما في محاولة جمع مسارات ظلت متفرقة داخل إطار أكثر تنسيقاً، وإعادة القوى المدنية السودانية إلى قلب العملية السياسية. وهذا تصحيح مهم لمسار سابق اختزل الأزمة، في كثير من الأحيان، في علاقة بين قوتين مسلحتين، وكأن السودان يحتاج بعد وقف إطلاق النار فقط إلى تسوية العلاقة بين الجيش والدعم السريع. لكن الحرب نفسها نشأت من أزمة دولة، ومن ثم فإن أي اتفاق يوقف القتال من دون معالجة أسئلة الدولة والجيش والسياسة والعدالة والانتقال المدني سيؤجل الأزمة أكثر مما ينهيها.
الآلية التي بدأت مشاوراتها في أديس أبابا خلال يونيو 2026، وعادت في نهاية يوليو إلى اتصالات أوسع مع القوى السياسية والمدنية، تحاول بناء أرضية لحوار سوداني–سوداني، لكن مهمتها تصطدم منذ البداية بالسؤال الأكثر حساسية في الأزمة: من يضع شروط الحوار، ومن يحدد أطرافه، وهل يكون الحوار مدخلاً لإنهاء الحرب أم أداة لإعادة ترتيب السلطة في ظل استمرارها؟
أهمية تحرك الخماسية أنه يأتي بعد سنوات من تعدد المبادرات التي أخفقت في وقف القتال، وفي لحظة بات فيها واضحاً أن إعادة بناء المسار السياسي لا يمكن أن تنتظر نهاية الحرب إلى أجل غير معلوم. ولذلك ركزت الخماسية في مشاوراتها على تشكيل لجنة تحضيرية لحوار سياسي شامل، وأكدت أن توسيع دائرة المشاركة وضمان شمولها شرطان لبناء الثقة ومنح العملية السياسية شرعية ومصداقية. وفي جولتها التي بدأت في 29 يوليو، أجرت الآلية مشاورات على مستوى القيادات مع الكتل والأحزاب السياسية، بالتوازي مع مشاورات فنية مع المشاركين في الجولة السابقة، سعياً إلى مراجعة المقترحات والتوصل إلى صيغة يمكن أن تشكل أساساً لعملية سياسية يقودها السودانيون.
غير أن هذا المسار لم يحقق حتى الآن اختراقاً حقيقياً. فقد أقر مشاركون في اجتماعات أديس أبابا بعدم التوصل إلى اتفاق بشأن تكوين اللجنة التحضيرية ومعايير اختيار أعضائها، فيما قاطعت قوى سياسية ومدنية بارزة الاجتماعات، بينها تحالف «صمود» وقوى إعلان المبادئ السوداني وتحالف «تأسيس». وهذه المقاطعة ليست تفصيلاً إجرائياً؛ فهي تعكس أزمة أعمق تتعلق بتعريف مفهوم الشمول نفسه. فالقوى التي غابت عن الاجتماع ترى أن أي عملية سياسية لا تتعامل مع أطراف الحرب والقوى المدنية المناهضة لها على قدم المساواة معرضة لأن تتحول إلى عملية انتقائية، بينما ترى قوى أخرى أن استبعاد بعض الأطراف شرط لحماية العملية السياسية من إعادة إنتاج الحرب أو منح الشرعية لقوى مسلحة.
ويرى نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي في تحالف «صمود» خالد عمر يوسف، في حديث لـ«أفق جديد»، أن مقاطعة القوى الرافضة للحرب لمشاورات الآلية الخماسية لا تعكس رفضاً لمبدأ الحوار، بقدر ما تعكس اعتراضاً على ما يعتبره محاولة من بعض الأطراف داخل العملية الدولية لتجيير الجهود الرامية إلى رعاية هذا الحوار لمصلحة أحد طرفي الحرب. ويقول يوسف إن هذا الانحراف، إذا استمر، يفقد العملية السياسية هدفها الرئيسي، الذي ينبغي أن يكون وقف الحرب وإنهاء آثارها، لا إعادة توزيع موازين القوة التي أفرزها القتال على طاولة سياسية.
ويحذر القيادي في «صمود» من أن تكرار ما وصفه بالانحراف الذي حدث في جهود الرباعية قد يقود إلى نتائج «كارثية»، لأن الحوار، بدلاً من أن يكون مدخلاً لإنهاء الحرب، قد يتحول إلى وسيلة لمنح الشرعية لأحد أطرافها، وبالتالي شرعنة الواقع الذي أفرزته القوة العسكرية. وفي هذه الحالة، بحسب يوسف، لن يكون المجتمع الدولي قد نجح في حل الأزمة، وإنما سيكون قد نقل نتائج الحرب من ميدان القتال إلى ميدان السياسة، بحيث تتحول السيطرة العسكرية إلى نفوذ سياسي، ويصبح الواقع الذي فرضته الحرب أساساً لترتيب مستقبل الدولة.
ويضع هذا الموقف الخلاف حول مشاورات الخماسية في جوهره الحقيقي: هل المطلوب حوار ينهي الحرب، أم حوار يكون جزءاً من عملية تقود بوضوح إلى إقرار الواقع الذي افرزته؟ فبالنسبة إلى «صمود» وقوى إعلان نيروبي، فإن إطلاق عملية سياسية لا لا تنتهي بإنهاء القتال يحمل خطر تثبيت الانقسام الحالي، خصوصاً إذا جرى التعامل مع موازين القوة التي أفرزتها الحرب باعتبارها أساساً لتحديد من يشارك ومن يُستبعد ومن يمتلك حق تمثيل الدولة.
ويقول يوسف إن هذا هو السبب الذي يجعل «صمود» وقوى إعلان نيروبي، ومن وصفهم بكل الحادبين على مصلحة البلاد، يرفضون أن تتحول العملية السياسية إلى أداة لإضفاء الشرعية على أي من طرفي الحرب. فالمطلوب، في رؤيتهم، ليس إعادة توزيع النفوذ بين القوى المتحاربة، وإنما إنهاء الحرب ، و فتح الطريق أمام عملية سياسية شاملة لا يكون فيها السلاح مصدراً للشرعية، ولا تكون السيطرة على الأرض معياراً للتمثيل السياسي.
ويكشف هذا الموقف في الوقت نفسه عن المأزق الذي تواجهه الخماسية: فهي مطالبة بفتح مسار سياسي في بلد لا تزال الحرب فيه مستمرة، لكنها مطالبة أيضاً بألا يتحول هذا المسار إلى بديل عن وقف الحرب. وبين الأمرين مساحة ضيقة تحتاج إلى دبلوماسية أكثر صرامة ووضوحاً؛ إذ إن أي عملية سياسية تمنح أحد الأطراف مكاسب شرعية قبل أن تتوقف الحرب قد تجعل التسوية نفسها جزءاً من الصراع، بدلاً من أن تكون طريقاً للخروج منه.
دور بريطانيا والنرويج
ويعضد دبلوماسي أفريقي رفيع، تحدث إلى «أفق جديد» مشترطاً عدم الكشف عن هويته، ما ذهب إليه خالد عمر يوسف، محذراً من أن بعض الأطراف داخل الآلية الخماسية بدأت، بحسب تقديره، في تحويل جهودها من رعاية عملية سياسية مستقلة إلى ما يشبه «تجميل» الحوار الذي تسعى السلطة القائمة في الخرطوم إلى إطلاقه من داخل البلاد. ويرى الدبلوماسي أن هذا التحول يمثل انحرافاً خطيراً عن الهدف الذي يفترض أن تعمل من أجله الخماسية، لأن الحوار، في هذه الحالة، لن يكون أداة لإنهاء الحرب بقدر ما سيكون إطاراً لإعادة تقديم مشروع السلطة القائمة في صورة عملية سياسية تحظى بغطاء إقليمي ودولي.
ويحمل الدبلوماسي، في حديثه لـ«أفق جديد»، بريطانيا والنرويج مسؤولية خاصة عما وصفه بالانحراف داخل عمل الآلية، مشيراً إلى أن بعض الموظفين العاملين على الملف السوداني يتحركون، بحسب تقديره، في اتجاهات لا تتطابق مع الأهداف العامة التي جرى التوافق عليها داخل الرباعية. ويصف ما يجري بأنه «بالغ الخطورة»، لأن أي انقسام داخل منظومة الوساطة الدولية لن ينعكس فقط على وحدة الموقف الخارجي، وإنما سيمنح الأطراف السودانية المتصارعة فرصة لاختيار المسار الدولي الذي يخدم مصالحها، وهو أحد الأسباب التي أضعفت مبادرات سابقة وأفقدتها قدرتها على الضغط.
ويرى المصدر أن تجربة اجتماعات أديس أبابا خلال اليومين الماضيين تقدم نموذجاً واضحاً لما يمكن أن يحدث عندما تغيب القوى الأساسية عن طاولة الحوار. فبحسب روايته، فإن أي عملية سياسية لا تشمل تحالفي «تأسيس» و«صمود» لن تنتج تسوية قابلة للحياة، لأنها ستتحول إلى ما وصفه بـ«حوار طرشان»، يستمع فيه كل طرف إلى نفسه من دون أن يملك القدرة على الوصول إلى تفاهم مع الطرف الآخر. ويعتبر أن ما جرى في أديس أبابا لم يكن مجرد خلاف حول أسماء اللجنة التحضيرية أو معايير تشكيلها، وإنما تعبيراً عن أزمة أعمق تتعلق بمحاولة إطلاق عملية سياسية قبل الاتفاق على قواعدها ومَن يحق له المشاركة فيها.
ويضع الدبلوماسي البريطاني ريتشارد كراودر، الذي عُين في أواخر عام 2024 مبعوثاً بريطانياً خاصاً للسودان، في قلب هذه المعضلة. ويقول إن كراودر ظل، وفق تقييمه، يتحرك بعيداً عن الأهداف العامة التي توافقت عليها الرباعية، مشيراً إلى ما وصفه بتواصل مستمر بينه وبين شخصيات مرتبطة بالنظام السوداني السابق. وبحسب المصدر، فإن هذا النوع من الاتصالات أسهم في إحداث اختلال داخل عمل الرباعية، لأنه عزز، في تقديره، اتجاهاً يرى أن استقرار السودان ينبغي أن يبدأ من السلطة القائمة في الخرطوم، بدلاً من بناء عملية سياسية متوازنة تضع إنهاء الحرب وإعادة تأسيس الشرعية المدنية في مقدمة أولوياتها.
ويقول الدبلوماسي الأفريقي إن بريطانيا، وفق قراءته للموقف، تتعامل مع إعادة استقرار السودان باعتبارها عملية يمكن أن يقودها الفريق عبد الفتاح البرهان، ولكن وفق شروط محددة. وهذه الرؤية، إذا صحت، تكشف عن أحد أعمق التباينات داخل المعسكر الدولي نفسه: هل الأولوية هي الحفاظ على مؤسسات الدولة القائمة، حتى لو كانت تحت قيادة عسكرية، أم إعادة بناء الشرعية السياسية من خلال عملية مدنية شاملة لا تمنح طرفاً بعينه حق احتكار الدولة؟
والفارق بين التصورين ليس نظرياً. ففي بلد خرجت مؤسساته السياسية من الحرب أكثر ضعفاً، فإن اختيار نقطة البداية يحدد إلى حد كبير شكل النهاية. فإذا بدأت التسوية من السلطة القائمة، فإن العملية قد تنتهي إلى إعادة إنتاجها مع بعض التعديلات. أما إذا بدأت من وقف الحرب ثم اتجهت إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة على قاعدة سياسية جديدة، فإنها تفتح احتمالاً مختلفاً لإعادة تأسيس العلاقة بين الجيش والسياسة والقوى المدنية.
ويكشف الدبلوماسي الأفريقي، في سياق أوسع، عن اجتماع ضم خلال الفترة الماضية خمس دول أفريقية ذات تأثير في الملف السوداني، خلص، بحسب روايته، إلى نتيجة شديدة الأهمية مفادها أن طرفي الحرب لا يتمتعان بالاستقلالية الكافية لاتخاذ قرار منفرد بوقف القتال، وأن كلاً منهما واقع بدرجات مختلفة تحت تأثير قوى خارجية.
.
وهذا يغير طبيعة الوساطة نفسها. فإذا كان طرفا الحرب لا يملكان وحدهما قرار الحرب والسلام، فإن الضغط عليهما من دون الضغط على شبكات الدعم السياسي والعسكري والمالي المحيطة بهما لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الفشل. كما أن مطالبة الطرفين بتقديم تنازلات في الوقت الذي يعتقد فيه كل منهما أن داعميه الخارجيين قادرون على تعويض خسائره ستظل محدودة الأثر.
ومن هنا يدعو المصدر الأفريقي إلى تغيير استراتيجية التعامل مع طرفي الحرب، وبصورة خاصة مع الفريق عبد الفتاح البرهان، الذي يرى أنه يسعى إلى تثبيت سلطته حتى لو أدى ذلك إلى استمرار الفوضى. وهذه القراءة تكشف عن تصور يتزايد داخل بعض الدوائر الأفريقية بأن الصراع لم يعد يدور فقط حول مستقبل الحرب، وإنما حول مستقبل السلطة التي ستخرج منها.
وهنا تلتقي إفادة الدبلوماسي الأفريقي مع المخاوف التي عبر عنها خالد عمر يوسف، وإن اختلف موقع كل منهما. فكلاهما يحذر من خطر أن تتحول العملية الدولية من أداة للضغط من أجل إنهاء الحرب إلى أداة لإدارة نتائجها السياسية. الأول يرى أن بعض العواصم والموظفين الدوليين يدفعون في هذا الاتجاه، والثاني يحذر من أن الحوار قد ينتهي إلى منح الشرعية لأحد طرفي الحرب. وبين الرؤيتين تظهر المشكلة الأساسية التي تواجه الخماسية: كيف تحافظ على قدرتها على التواصل مع السلطة القائمة من دون أن تتحول إلى منصة تمنحها شرعية إضافية، وكيف تضمن في الوقت نفسه مشاركة القوى التي ترفض الحرب من دون أن تمنح أي طرف عسكري حق تعطيل العملية السياسية؟
إنها معادلة شديدة الصعوبة، خصوصاً في ظل تعدد المصالح الدولية والإقليمية داخل الملف السوداني. فالدول لا تتحرك جميعها بالقدر نفسه من الدافع الإنساني أو من الرغبة في إنهاء الحرب؛ لكل منها حساباته المتعلقة بالبحر الأحمر، والأمن الإقليمي، والهجرة، والذهب، والنفوذ السياسي، والعلاقات مع القوى السودانية. ولذلك فإن الخطر لا يكمن فقط في أن يفشل الوسطاء في جمع السودانيين، وإنما في أن تتباين أجندات الوسطاء أنفسهم إلى الحد الذي يصبح فيه المجتمع الدولي جزءاً من مشكلة التفاوض.
ومن هنا تصبح مهمة الخماسية أكبر من مجرد جمع القوى السودانية حول طاولة واحدة. المطلوب أن تضمن ألا يتحول الحوار إلى آلية لتثبيت الأمر الواقع، وأن يكون مرتبطاً بمسار واضح لوقف إطلاق النار، وأن تظل شرعية المستقبل السياسي مستندة إلى الإرادة المدنية السودانية لا إلى نتائج المعارك. فالسودان، كما تحذر تجربة السنوات الماضية، لا يحتاج إلى اتفاق يعكس موازين الحرب، وإنما إلى تسوية تنهي منطق الحرب نفسه.ولعل اعتراف رئيس الحراك الوطني التجاني السيسي، أحد المشاركين في اجتماعات أديس أبابا، بعدم نجاح الاجتماع في التوصل إلى تفاهم حول اللجنة التحضيرية، أكثر دلالة من البيانات الرسمية. فالمشكلة لم تعد فقط في مضمون الحوار، وإنما في من يحق له أن يصوغ أجندته ومن يملك حق تحديد المشاركين فيه. وحين تضطر الآلية إلى إجراء مشاورات منفصلة مع الكتل والأحزاب، كل على حدة، للاستماع إلى رؤاها حول اللجنة التحضيرية، فإن ذلك يعني أن المسافة بين القوى السودانية لا تزال أوسع من أن تغطيها صيغة مؤتمر واحد.
تحركات البرهان
وتزداد حساسية المسألة مع المشاورات الداخلية التي يجريها الفريق عبد الفتاح البرهان مع شخصيات سياسية ومدنية وأكاديمية وقيادات مجتمعية، والتي يجري تقديمها باعتبارها تمهيداً لحوار سوداني شامل من داخل البلاد. وبحسب مصادر سياسية سودانية، فإن ترتيبات «تهيئة المناخ» للحوار تشمل وقف الحملات الإعلامية، ومعالجة أو تجميد بلاغات جنائية بحق عدد من المعارضين، إلى جانب تشكيل لجنة تحضيرية تتولى تحديد المشاركين وأجندة المؤتمر وموعده ومكانه. وإذا صحت هذه الترتيبات، فإنها تمثل محاولة لخلق بيئة سياسية أكثر ملاءمة للحوار، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالاً حول استقلال العملية: هل ستكون لجنة التحضير مستقلة بالفعل، أم ستتشكل وفق ميزان القوى الذي تفرضه السلطة القائمة؟
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن لجنة من الأكاديميين والمهنيين كانت تستعد للقاء البرهان لطرح هذا الملف، في خطوة يجري تقديمها ضمن مساعي «تهيئة المناخ للحوار الوطني». كما أن مجلس السلم والأمن الأفريقي، الذي تتولى الجزائر رئاسته الدورية، يعتزم زيارة الخرطوم، في تحرك يضيف وزناً أفريقياً إلى الضغط من أجل إعادة فتح المسار السياسي. وإذا تزامنت الزيارتان، الخماسية ومجلس السلم والأمن، فإن ذلك قد يمنح التحرك الدولي والإقليمي فرصة لاختبار مدى استعداد السلطة السودانية للانتقال من الدعوة العامة إلى الحوار إلى تقديم تنازلات سياسية وقانونية ملموسة.
ورغم كل هذه الجهود التي لم تثمر، وكل هذه التناقضات واختلاف أجندات الفاعلين في الداخل والخارج، لا يزال السودانيون المكتوون بنيران الحرب يتمسكون بأمل بسيط، وربما هو الأهم: أن تتوقف الحرب، وأن يعودوا إلى حياتهم التي انتُزعت منهم فجأة.
لا ينتظرون مؤتمراً جديداً، ولا يهمهم كثيراً اسم المبعوث القادم، ولا أي عاصمة ستستضيف جولة التفاوض المقبلة. ما يريدونه أبسط من كل ذلك: بيت آمن، شارع بلا رصاص، مدرسة تفتح أبوابها، سوق يعود إلى الحياة، وأسرة لا تضطر إلى دفن أبنائها أو البحث عنهم بين المدن والمخيمات
ذلك الأمل، رغم كل شيء، لم يمت.
وربما تكون هذه آخر فرصة أمام العالم كي يفهم أن السودان لا يحتاج إلى من يدير مأساته بكفاءة أكبر، وإنما إلى من يساعده على وضع حد لها.
فوراء كل خريطة نفوذ، وكل حسابات إقليمية، وكل خلاف بين الوسطاء، هناك شعب ينتظر فقط أن تنتهي الحرب ليبدأ حياته من جديد.





