المجتمع المدني.. الأسئلة الملحة

وئام كمال الدين

في الوقت الذي يعاني فيه الفضاء العام السوداني -بالتزامن مع أكبر كارثة إنسانية في العصر- من العسكرة والانقسام والاستقطاب والضعف، وهو وقت يجعل السودان مع التداعيات التي صاحبت حرب الخامس عشر من أبريل في أشد الحاجة إلى مجتمع مدني موحد ومهني يؤدي مهامه كمخرج للبلاد من أزمتها الحالية، تبشر منصة المجتمع المدني الديمقراطي بإمكانية استعادة دور المجتمع المدني المهني، طارحة أوراقها ووثائقها حول الهدنة الإنسانية، وتصميم العملية السياسية للسلام، ودور ومهام المجتمع المدني، ومعايير مشاركته بالعملية السياسية؛ الأمر الذي يجعلها من أهم أجسام المجتمع المدني -إذا لم تكن أكبرها من حيث العدد والتنوع- كونها تضم أكثر من مائة عضو وعضوة يعملون على تسعة قطاعات أساسية، متمثلة في: قطاع صناعة السلام، وقطاع العون الإنساني، وقطاع التنمية، وقطاع الحوكمة والإصلاح المؤسسي، وقطاع النوع الاجتماعي والنسوي، وقطاع الثقافة والفنون، وقطاع حقوق الإنسان، وقطاع الإعلام، وقطاع الإنتاج المعرفي والبحوث.

يشارك في المنصة أكاديميون ومثقفون وناشطون بالعمل العام وشخصيات بارزة يجتمعون على أهدافها على اختلاف خلفياتهم السياسية والمعرفية، كما تشكل نموذجًا للتنوع الثقافي والمناطقي، وتجعل من مشاركة الشباب شعلة أمل في استمرارية المنصة نحو أهدافها.

الجدير بالذكر أن المنصة كانت قد صرحت أكثر من مرة -أتى آخرها في المؤتمر الصحفي لمناقشة أوراق تصميم العملية السياسية ودور ومهام المجتمع المدني في العملية السياسية، والذي عُقِد في السابع والعشرين من يوليو المنصرم- بأنها ليست منافسًا أو بديلًا سياسيًا أو موازيًا لأي جسم سياسي، وأنها تعمل من أجل المساهمة في إيقاف الحرب من خلال إيمانها بدور المجتمع المدني وأهميته.

عُقِد المؤتمر الصحفي بكمبالا، وناقشت فيه ورقتي العملية السياسية للسلام، ودور ومهام ومعايير مشاركة المجتمع المدني في العملية السياسية، الأمر الذي خلق نقاشًا واسعًا حول مفهوم دور المجتمع المدني المهني وعلاقته بالسياسة والعملية السياسية؛ وهو نقاش مهم وجاد قد يحل إشكاليات المشاركات الصورية وغير المهنية، ويضع ضوابط ترسخ لدور المجتمع المدني في العملية السياسية من خلال الأوراق المقدمة، والتي تفتح بابًا للتفكير والنقاش والكتابة.

المنصة -والتي لم تعقد بعد مؤتمرها التأسيسي ولم تكمل عامًا منذ أن اجتمعت لجنتها التحضيرية للمرة الأولى- تجد أوراقها، التي بدأت أولًا بمقترح الهدنة الإنسانية وورقة موقف المنصة منذ يومها الأول، اهتمامًا إعلاميًا وسياسيًا وردود أفعال محلية وإقليمية ودولية. إلا أن أكثر ما ميز ورقتها حول تصميم العملية للسلام هو تطورها الواضح وتأكيدها على أهمية المشاورة الشعبية، ووضعها كعنوان أساسي مهم يجب أن تُسلط الضوء على آلياته، كونها ترى أن الحلول للأزمة السودانية يجب أن تأتي من الداخل من أهل هذه البلاد أصحاب المصلحة الحقيقية والعنصر الذي يضمن نجاحها واستمرارها.

كما أكدت أيضًا على أهمية عقد اجتماعي جديد يضمن للسودانيين جميعًا حقوقهم وسلامهم العادل.

وفي الوقت الذي تشير فيه المنصة إلى قطاع صناعة السلام الذي أنتج ورقة العملية السياسية -والتي كانت أهم رسائلها كيفية التعامل مع الكارثة الإنسانية ووقف الحرب، ومعالجة جذور الصراع التاريخي، والعمل على تفكيك نظام المؤتمر الوطني وحركته الإسلامية وواجهاتهما، وصولًا إلى استرداد الشرعية الدستورية وسلطة الحكم المدني الديمقراطي المستندة على أهداف وتطلعات ثورة ديسمبر المجيدة- تأتي الوثيقة من قناعة بأن إنهاء الحرب لا يكون بتسويات جزئية أو صفقات مؤقتة، بل بعملية سياسية متكاملة تقوم على مبادئ حاكمة أبرزها: الملكية الوطنية والقيادة المدنية، والشمول والمشاورة الشعبية الواسعة، والتمثيل المتوازن بين أقاليم السودان (مع تخصيص 40% من المقاعد لممثلي المجتمع المدني غير المنتمين للتحالفات السياسية، وحصة لا تقل عن 50% للنساء والشباب)، والمحاسبة وعدم مكافأة العنف، واستبعاد قوى تقويض النظام الدستوري.

وتقوم العملية على حزمة من الشروط لتهيئة المناخ، وثلاث ركائز ومسارات متشابكة، بمشاركة أربعة تيارات ومجموعات مدنية رئيسية، على أن تُشرف عليها لجنة تحضيرية تضم ممثلين عن الأطراف الأربعة.

تشير أيضًا إلى لجنة المناصرة والاتصال واللجنة التمهيدية للمنصة، وورقة دور المجتمع المدني المهني ومعايير مشاركته بالعملية السياسية، والتي تستحضر إرث المجتمع المدني السوداني في صناعة التغيير والثورات، وتحدد أسس مشاركته الفاعلة، وأبرزها: الاستقلالية والحياد الإيجابي المنحاز لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، والتجذر في الشعب والتمثيل الشامل لأصوات النساء والشباب والنازحين واللاجئين وضحايا الحرب، والدور السياسي الأصيل للمجتمع المدني بوصفه شريكًا لا منافسًا للتنظيمات السياسية، والإسهام في بناء جبهة مدنية واسعة.

كما تضع الوثيقة معايير واضحة لمشاركة أي مكون مدني، تشمل شرعية التمثيل والمؤسسية والمعرفة والشفافية في المشاركة والتمويل، إلى جانب معايير سياسية وحقوقية صارمة تتصل بالموقف من الحرب ومشعليها، وإدانة انقلاب 25 أكتوبر 2021، والالتزام بثورة ديسمبر وأهدافها، ورفض التمييز والإفلات من العقاب. وتدعو الوثيقة إلى إنشاء آلية موحدة تمثل المجتمع المدني المستقل كجسم واحد أمام العملية السياسية، تتولى اختيار وفده المفاوض وصياغة مواقفه التوافقية عبر تشاور مجتمعي حقيقي ومستمر.

ولا تزال المنصة تبشر بأوراق ومساهمات بقية القطاعات، لاسيما وهي تحوي كوكبة من الأسماء التي تشكل إضافة حقيقية. تعمل قطاعات المنصة التسع على تطوير أوراقها وتفتح بابًا للنقاش والتوعية عبر ندوات قطاعاتها التي تتم مشاركتها على صفحة المنصة في فيسبوك.

تشير أيضًا إلى انفتاحها على التعاون والتكامل والتنسيق مع المجموعات المدنية الأخرى والتي تشاركها المبادئ والسعي لإيقاف الحرب، والمحافظة على وحدة البلاد، وإيجاد الحلول، وتهيئة المناخ العام لدولة قانون ومواطنة ومؤسسات مدنية وديمقراطية؛ لتفتح باب أمل جديد قد يسهل خروج البلاد من أزمتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى