دكتور عبد المحمود أبو لـ”أفق جديد”: (من ينادون بفصل الدين عن الدولة لديهم شطط فكري)

أدرتُ حوارات مع دعاة العلمانية وناديت بالابتعاد عن المفاهيم الفلسفية المستفزة التي تثير ردود أفعال عامة الناس

في السودان لا تستطيع أن تعزل الدين عن حياة الناس

هيئة شؤون الأنصار هيئة دينية لا يمكن أن تتفق مع أي جهة ترفع شعارًا ضد الدين، ولا تتفق مع أي جهة ترفع شعارًا دينيًا يتناقض مع قيم الإسلام

الأغلبية المسلمة في السودان ليست على توافق، وتوجد بينهم صراعات كبيرة

على خلفية الجدل المتجدد حول علاقة الدين بالدولة في السودان، ومع تصاعد الدعوات إلى تأسيس الدولة على أسس جديدة بعد الحرب، تبرز قضية العلمانية والدولة المدنية بوصفها واحدة من أكثر القضايا التي تغذي الانقسامات في المشهد السياسي والفكري السوداني. وبين من يرى أن العلمانية هي الضامن لحقوق المواطنة المتساوية، ومن يعتبرها مدخلًا لإقصاء الدين من المجال العام، تتباين الرؤى وتتشابك المفاهيم والأفكار.

في هذا الحوار، يقدم الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار، الدكتور عبد المحمود أبو، قراءةً فكرية حول الجدل الدائر، إذ يميز بين العلمانية كمنتج غربي ارتبط تاريخيًا بصراع الكنيسة والحداثة، وبين الدولة المدنية التي يراها المشروع السياسي الأقرب اتساقًا مع قيم الإسلام في الحرية والعدالة والمساواة. كما يقدم نقدًا لتجربة الإسلاميين في الحكم، معتبرًا أن الأزمة السودانية لم تكن في الدين نفسه، وإنما في توظيفه للوصول إلى السلطة وإدارتها.

 

حوار: رحاب فضل السيد

كيف تنظر للجدل السوداني حول العلمانية، وهل يعاني من سوء فهم للمصطلح نفسه؟

الفكر الإنساني أنتج كثيرًا من المفاهيم التي اختلف حولها الناس، والمعاناة تولد المصطلحات، ومن أكثر المصطلحات التي وجدت رواجًا وخلافًا في المنطقة هو مفهوم العلمانية الذي أنتجه الغرب نتيجة صراع ما بين الكنيسة والإصلاحيين نتيجة عوامل كثيرة، منها هيمنة رجال الدين خلال القرون الوسطى وتحالفهم مع الحكام، الأمر الذي جعلهم يعارضون كل المفاهيم الجديدة، مثل حقوق الإنسان، والعلم، والنظريات الجديدة، ونتج عن ذلك تصادم ما بين أصحاب الحداثة ورجال الدين المتمسكين بالسلطة. تراكمت كل هذه العوامل وجعلت أصحاب الحداثة يعتقدون أن أسباب تأخر الشعوب هو الدين.

وماذا تعتقد أنت؟

من يعتقدون ذلك جعلوا الدين كله أمرًا واحدًا، وهذا غير صحيح. هنالك أديان منزلة تتمثل في اليهودية والنصرانية والإسلام، وأديان وضعية من صنع البشر مثل البوذية والأديان الإفريقية والمجوسية. مفهوم الدين عند غير المسلمين ورجال الدين القدماء فيه أفكار ضد الإنسان والعلم والتطور والتنمية، وكثير ممن يرفعون شعار العلمانية يعتقدون أن الدين شيء واحد، فمثلًا لا يوجد في الإسلام رجال دين، عكس المسيحية التي يرجع فيها القرار والحكم لرجل الدين.

لكن مصطلح رجال الدين مستخدم الآن وهو موجود فعليًا في الدولة السودانية؟

هذا خطأ في المفهوم، نحن لدينا علماء دين وليس رجال دين لديهم سلطة، وفي الكنيسة رجال الدين لهم سلطة.

كيف تعرّفون الدولة المدنية؟ وما الذي يميزها عن الدولة الدينية أو الدولة العلمانية؟

الدولة المدنية هي من اختيار الشعوب، نظام الحكم فيها من اختيار الشعب وليس نظامًا منزلًا وملزمًا للناس. الدستور في الدولة المدنية يساوي بين الناس جميعًا على أساس المواطنة، وتتساوى فيه الحقوق والخدمة المدنية، وهي متصالحة مع الأديان، ولا توجد سلطة دينية تفرض على الناس أحكامًا دينية. والدولة الدينية ترى أن النظام هو من اختيار الله، والحاكم يرى أنه من اختيار الله، وما على الناس إلا طاعته باعتبار أن طاعته من طاعة الله ومخالفة الحاكم من مخالفة الله. أما الدولة العلمانية فتقوم على إبعاد الأديان كليًا وترفضها.

هذا يعني أن الاختلاف كبير ما بين الدولة المدنية والعلمانية؟

التطور الذي حدث لمفهوم العلمانية كفكر نجد أن الجانب الفلسفي فيه يرفض الجوانب الغيبية تمامًا، أما الجانب الموضوعي فالحقوق التي تطالب بها العلمانية مثل الحريات العامة وحرية البحث العلمي وغيرها كلها موجودة في الدولة المدنية.

هل ترى تعارضًا بين الإسلام والدولة المدنية الديمقراطية؟

كل المفاهيم الجديدة وجدت معارضة من الحرس القديم، لكن الإسلام في فهمنا له وفي قراءتنا الصحيحة له ليس فيه نص مطلق، أي كلام يأتي من أي جهة لا نرفضه بل نقيمه وفقًا لاتساقه مع القيم والعقيدة التي نؤمن بها والمصلحة العامة. فالقرآن نصه واضح في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، فلا يستقيم رفض أي فكرة كونها جاءت من الخصم. فالآن يوجد تناقض بين دعاة الدولة العلمانية والدولة المدنية، وكلاهما متطرف.

أين يكمن التناقض، وهل أدرت معهم حوارات؟

أنا حاورت كثيرًا من إخواننا دعاة العلمانية من موقف الابتعاد عن المفاهيم الفلسفية التي تثير ردود أفعال من عامة الناس الذين ليس من اهتماماتهم هذه الشعارات الفلسفية، وبدلًا عن ذلك نرفع شعارات حرية الإنسان وحقوقه الأساسية والمساواة في الحقوق والواجبات وعدم فرض الدين بالإكراه. وأنا أعتقد أن رفع شعار العلمانية في العالم الإسلامي، خاصة في السودان، لا تستطيع أن تعزل الدين عن حياة الناس، لأن ممارساتنا في الحياة كلها تبدأ بالدين. من ينادون بفصل الدين عن الدولة لديهم شطط، ومن يدّعون غياب الدين عن الدولة لديهم شطط. فالإسلام موجود، صحيح على مستوى الدولة والأحكام والعقوبات هذه المسائل مغيبة لعوامل موضوعية. أنا أعتقد أن أصحاب الأيديولوجيات دائمًا يستفيدون من مناخ الصراعات والحروب لطرح هذه الأيديولوجيات التي تعكر الجو.

إلى أي مدى كان الصراع حول العلمانية أحد أسباب تعثر مشاريع السلام في السودان؟

المناخ الذي تطرح فيه هذه المفاهيم هو الذي أدى إلى التعقيد، فيمكن أن يتحقق التعايش السلمي والديني دون رفع شعارات مستفزة، وكثير من الأشياء لا تحتاج إلى شعارات بل تحتاج إلى التفاهم والحوار الهادئ. فالأولوية الآن لأهل السودان ليست هذه الشعارات الأيديولوجية، بل وقف الحرب وتحقيق السلام وتفريغ النفوس من البغضاء. فطرح شعارات العلمانية في هذا التوقيت يزيد النار اشتعالًا ويغيّب صوت العقل.

أين تلتقي رؤية هيئة شؤون الأنصار مع أطروحات القوى التي تطالب بفصل الدين عن الدولة وأين تختلف معها؟

هيئة شؤون الأنصار هيئة دينية لا يمكن أن تتفق مع أي جهة ترفع شعارًا ضد الدين، ولا نتفق مع أي جهة ترفع شعارًا دينيًا يتناقض مع قيم الإسلام التي تقوم على التسامح والمحبة والتعامل مع الناس معاملة حسنة حتى المختلفين معهم في الدين. وفي أرض الواقع لدينا تواصل مع كل الناس مسلمين وغير مسلمين، وعلينا جميعًا أن ننشر قيم الوسطية وبسط قيم التعايش السلمي بين الناس.

هل تعتقد أن الخلاف حول العلمانية في السودان هو خلاف فكري حقيقي أم أنه أداة سياسية تستخدم كل فترة وأخرى؟

ورقة ضغط سياسي. لو جلس الناس وتحاوروا وحللوا المصطلحات وتساءلوا: هل التمسك يكون للفكرة أم للمصطلح؟ والاتفاق على ترك المسائل الخلافية لمناقشتها في المؤتمر القومي الدستوري.

وإذا حسمت الأغلبية المسلمة الجدل حول الدستور ما مصير الأقليات الدينية الأخرى؟

حتى الأغلبية المسلمة ليست على توافق، فالصراعات بينها كبيرة. الدولة الإنقاذية كانت ترفع شعار الإسلام، والمتضررون منها مسلمون مختلفون معها في الرأي السياسي. فالخلاف ليس في الدين بل في الطريق إلى السلطة وكيف تمارس. التجربة الإنقاذية مارست باسم الدين ممارسات تنتهك حدود الدين، مثل منع الشورى والوصول للسلطة بالانقلاب واعتقال الناس بسبب الرأي وتعذيبهم، كلها ممارسات تتعارض مع الإسلام.

لاحظنا خلال الفترة الأخيرة، خاصة خلال هذه الحرب، تراجع الإسلام الوسطي أمام الإسلام المتطرف؟

الحرب في الأصل هي ضد الإسلام، فالحرب بين المسلمين تسمى كفرًا لقوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض). فالإنسان قتل الإنسان وانتهك الحرمات، فبالتالي لا يُسمع غير ذلك.

كيف تنظر لسيطرة الحركة الإسلامية على الفتوى الدينية؟

الحركة الإسلامية سيطرت على السلطة في كل مفاصلها وفي أي موقع من المواقع. نحن دعوناهم لمراجعات لتجربتهم التي كانت نتائجها عكسية، ومن الحماقة الاستمرار في نفس النهج.

لماذا غاب صوت رجالات الدين عن الدعوة لوقف الحرب؟

هذه المرحلة الصوت فيها للسلاح، لأنها حرب مصالح سلطوية ومادية، وهذا الصوت يجد من يدعمه ويقف معه. لذلك علماء الدين يقولون ويذكرون ويناشدون، وبحكم تربيتهم الدينية يربون أتباعهم ومريديهم على دعوة الناس إلى السلام ووقف الحرب.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى