معركة السودان ضد خطاب الكراهية – الحرب المؤجلة

بقلم: طارق فرح
إذا منَّ الله على السودان بوقف هذه الحرب العبثية، فإن التحدي الأكبر لن يكون إعادة بناء الطرق والمنازل والمستشفيات، وإنما إعادة بناء الإنسان السوداني. فالحروب لا تخلّف الدمار المادي وحده، بل تترك آثارًا اجتماعية ونفسية تمتد لسنوات، ويأتي في مقدمتها خطاب الكراهية الذي انتشر بين الناس وأصبح أشد خطراً من الرصاصة، لأن الرصاصة تصيب الجسد، أما الكراهية فتصيب مجتمعًا بأكمله.
لقد أوجدت الحرب بيئة خصبة لانتشار هذا الخطاب، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ارتفعت لغة التحريض والتعميم والاتهامات الجماعية، وأصبح الانتماء القبلي أو الجهوي لدى البعض سببًا للحكم على أفراد وجماعات بأكملها. وانتقل الصراع من ميادين القتال إلى شاشات الهواتف، فأصبح المنشور يؤدي ما تؤديه القذيفة في تمزيق ما تبقى من نسيج اجتماعي. وعندما تتحول الهوية إلى أداة للخصومة، فإن المجتمع كله يدفع الثمن، مهما كانت نتائج الحرب على الأرض.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في حجم الدمار الذي أصاب المدن والبنية التحتية، بل في الجرح العميق الذي أصاب العلاقات بين أبناء الوطن الواحد. فإعادة بناء الوطن تحتاج إلى موارد وإرادة، أما إعادة بناء الثقة بين الناس فتحتاج إلى وقت وجهد ووعي مشترك.
وفي مواجهة هذا الواقع، لا نحتاج إلى إيجاد قيم جديدة، فالقيم موجودة، وتكفي لو رجعنا إليها. وقد وضع الإسلام أساسًا واضحًا للعلاقة بين البشر، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
ومن هنا تظهر الحاجة إلى عمل مجتمعي واسع يواجه خطاب الكراهية قبل أن يصبح جزءًا من الواقع اليومي. ويتطلب ذلك مشاركة العلماء والمثقفين والإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني والقيادات المجتمعية في نشر ثقافة الاحترام وقبول الآخر، وتنظيم الندوات واللقاءات والبرامج التي تقوي قيم التعايش والوحدة الوطنية.
وكل مبادرة تعمل على مواجهة خطاب الكراهية تستحق الإشادة والتقدير، سواء كانت مقالًا، أو برنامجًا، أو مقطعًا توعويًا، أو حملة مجتمعية، لأنها تحمي النسيج الاجتماعي وتغرس قيمًا يحتاجها السودان في هذه المرحلة.
كما أن وقف الحرب عبر الحوار والتفاوض لم يعد مطلبًا سياسيًا فحسب، بل أصبح ضرورة اجتماعية وأخلاقية. فقد خسر السودان أرواحًا وموارد ومؤسسات وفرصًا للتنمية، ولا يحتمل أن يخسر وحدته الاجتماعية أيضًا. كل يوم تستمر فيه الحرب يضيف أسبابًا جديدة للتفرق ويجعل المصالحة أصعب في المستقبل. والمؤلم في هذا كله أن خطاب الكراهية لا يتوقف بتوقف إطلاق النار، بل كثيرًا ما يزيد حين تصمت البنادق، لأن الناس يبحثون عمّن يحمّلونه وزر ما خسروا.
إن بناء السودان بعد الحرب لن يتحقق بإعادة إعمار المدن وحدها، بل بإعادة الثقة بين أبنائه، وترسيخ قناعة أن التنوع الذي عاش معه السودان عبر تاريخه هو مصدر قوة وتكامل، وليس سببًا للفرقة والصراع. ونسأل الله تعالى أن يحفظ السودان وأهله، وأن يؤلف بين القلوب، وأن يجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا، وأن يهيئ له من أبنائه من يطفئون نار الفتنة ويجمعون الكلمة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. غير أن الدعاء وحده لا يكفي، فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وما لم نقرر جميعًا أن نواجه خطاب الكراهية ونرفضه، فإننا نكون قد أوقفنا حربًا لنبدأ أخرى.





