مصطفى سعيد ومنسي:كيف أسهمت تجزئةُ اكتسابِ مهاراتِ اللُّغةِ الإنكليزيَّةِ من قِبَلِ البريطانيِّين  في ترسيخِ حُكمِهِمُ الإمبراطوريِّ في السُّودان الإنجليزيِّ-المصري  (١٨٩٩-١٩٥٥)

 

محمَّد خلف

بعد الاطِّلاع على التَّرجمة الفرنسيَّة لرواية «موسم الهجرة إلى الشَّمال»، الَّتي صدرت مصحوبةً بمقدِّمةٍ وافية من المستعرب جاك بيرك، أستاذ الكوليج دو فرانس المرموق، علَّق الرِّوائيُّ الفرنسيُّ فرانسوا مورياك، عضو الأكاديميَّة الفرنسيَّة المرموقةِ، قائلاً: «لم نقرأ قطُّ شيئاً كهذا من قبل، نحن الَّذين قرأنا كلَّ شيء».

حسناً مسيو مورياك! لكن، إلى مَن يُحيلُ ضميرُ المتكلِّمين هنا؟ هل يُحيلُ إلى الأوروبِّيِّين الَّذين كانوا سيتحدَّثون الألمانيَّة لولا التَّدخُّل الأمريكي، وفقاً لدعابةٍ أوردها دونالد ترمب؟ أم إلى الفرنسيِّين الَّذين كانت لغتهم ستسودُ في الولاياتِ المتَّحدة لولا البريطانيِّون، كما تندَّر بعدها الملك تشارلز على سبيل الرَّدِّ على ترمب؟

أمَّا نحنُ السُّودانيِّين، فما زلنا نتحدَّث _بالمعنيَيْنِ الحرفيِّ والمجازيِّ معاً- بِلُغاتٍ متعدِّدة، على الرَّغم من الحضور المديد للاستعمارِ البريطانيِّ في بلادِنا. ويعودُ ذلك إلى أنَّ الإدارة البريطانيَّة في السُّودانِ الإنجليزيِّ-المصريِّ مارست هيمنةً جزئيَّة للُّغة الإنكليزيَّة، لا عن قصدٍ مبيَّت، بل بحُكمِ الضَّرورةِ الإداريَّة والسِّياقاتِ العمليَّة للحكم الاستعماري.

خلال فترةِ الحكمِ الثُّنائيِّ (١٨٩٩-١٩٥٥) في السُّودانِ الإنجليزيِّ-المصري، كانت دائرةُ «الخدمة السِّياسيَّة السُّودانيَّة» (خسين سين) تضمُّ بضعَ مئاتٍ فقط من الإداريِّين البريطانيِّين، إلى جانبِ عددٍ محدودٍ من الموظَّفين المصريِّين. وقد كانتِ الخدمةُ في حاجةٍ مُلِحَّةٍ إلى كوادرَ سودانيَّةٍ تُساعِدُها في تسييرِ شؤونِ الحُكمِ اليوميَّة.

وقد أسهمت سياسة التَّعاون مع الزَّعاماتِ المحلِّيَّة في تمكينِ الخدمة من إنشاءِ أنظمةِ حُكمٍ محلِّيَّة مستقِرَّة نسبيَّاً، غير أنَّ تلك النُّخب التَّقليديَّة كانت في معظمها أُمِّيَّة؛ إذ كان بإمكانِها إدارةُ شؤونِ مجتمعاتِها المحلِّيَّة، لكنَّها لم تكن مؤهَّلةً للعملِ ضمن جهازِ دولةٍ حديث. لذلك، أصبح من الضَّروريِّ أن تستثمِرَ الإدارةُ البريطانيَّة في تعليمِ أجيالٍ شابَّة قادرة على أداءِ هذه المهام.

غير أنَّ التَّحدِّي الَّذي واجه دائرةَ الخدمة السِّياسيَّة تمثَّل في أنَّ عمليَّة تعليم الشَّبابِ السُّودانيِّ كانت طويلةَ الأمَدِ بطبيعتِها. فقد كان هناك نظامٌ تعليميٌّ قائم لتعليم القراءة والكتابة باللُّغةِ العربيَّة عبر المدارس القرآنيَّة (المعروفة محلِّيَّاً بالخلاوي). أمَّا إدخالُ اللُّغةِ الإنكليزيَّة، فكان يتمُّ في مرحلةٍ تعليميَّة متوسِّطة.

ومع ذلك، لم يكن من الممكن عمليَّاً تدريس المهاراتِ اللُّغويَّةِ الأربع _ الاستماع والتَّحدُّث والقراءة والكتابة_ ضمن قيود ذلك النِّظام. لذلك، اعتمدتِ الإدارةُ البريطانيَّة مقاربةً تقوم على اختزالِ اكتسابِ المهاراتِ اللُّغوية، بحيثُ يتركَّز تعليم اللُّغة على مهارةِ القراءة بشكلٍ أساسي، على حساب الكتابة، مع استبعادِ مهارتَيِ الاستماع والتَّحدُّث بشكلٍ شبه كامل.

وقد اعتمد المنهج الدِّراسيُّ في ذلك على سلسلة تعليم القراءة المعروفة بـ«الطُّرق الجديدة للقراءة»، من المستوى الأوَّل («ريدر وَن») إلى المستوى السَّادس («ريدر سيكس»)، من إعداد مايكل ويست.

 

اضطَّلع السَّيِّد ويست بدورٍ تربويٍّ ضمن السِّياق الاستعماري، حيث كان يعمل في كلِّيَّةٍ لتدريب المعلِّمين بمدينة “دكَّة” في البنغال الشَّرقيَّة (بنغلاديش حاليَّاً). وبحُكمِ الطَّابعِ العالميِّ للمشروع الاستعماري، فإنَّ الخبرات المكتسَبة في مستعمَرةٍ ما كان يمكن نقلُها في ذلك الوقت بسهولة إلى مستعمَرةٍ أخرى.

وقد طُبِّقت طريقة “ويست” في تعليم اللُّغة الإنكليزيَّة في المدارس التَّابعة للكيانِ الاستعماريِّ في “البنغال” على نطاقٍ واسع في كياناتٍ أخرى. ففي السُّودان، تمَّ اعتمادُ هذه الطَّريقة في معهد “بخت الرُّضا'”، حيث عمل الطَّيِّب صالح نفسُه قبل أن يشغَلَ لاحقاً وظيفةً مرموقة في هيئة الإذاعة البريطانيَّة في لندن.

غير أنَّ الوضعَ في السُّودانِ الإنجليزيِّ-المصريِّ كان مختلفاً جذريَّاً عن أيِّ مستعمَرةٍ أخرى؛ إذ كان الحكمُ في السُّودان الثُّنائيِّ منقسماً بحِدَّة: فالقوَّةُ السِّياديَّة التَّقليديَّة، الممثَّلة في الجيش، لم تكن مكتملةَ السَّيطرةِ بيدِ البريطانيِّين، وإن كانوا يسعَونَ إليها بإصرار؛ بينما تُرِكَتِ الأداةُ الأيديولوجيَّة، المتمثِّلة في مؤسَّسات التَّعليم -بحُكمِ الضَّرورة- إلى الإدارةِ المصريَّة.

وكانتِ السُّلطة البريطانيَّة في حاجةٍ مُلِحَّة إلى ملءِ الفصولِ المدرسيَّة الَّتي أُنشئت حديثاً بأبناء السُّودانيِّين، في ظلِّ مقاومةٍ مفهومة من أولياءِ الأمورِ تجاه هذا النَّمطِ من التَّعليمِ الاستعماري. وفي نهايةِ المطاف، وبعد نجاحِ جهودِ الدُّعاة إلى هذا المشروع، كان هؤلاء التَّلاميذ يَتلقَّون الدُّروسَ على يدِ معلِّمين مصريِّين.

وقد أُحضِرَ مصطفى سعيد إلى المدرسة على يدِ رجلٍ يمتطي حصاناً ويرتدي قُبَّعة، ثمَّ وُضِعَ في فصلٍ يُديرُه رجلٌ يرتدي جُبَّة. ويُمكِنُ قراءةُ هذا التَّباينِ في الزَّيِّ بوصفِه إحالةً إلى تمايزٍ أعمقَ يتَّصِلُ بأنماطِ السَّيطرةِ على الفضاءِ الأيديولوجيِّ داخل الصَّفِّ الدِّراسي.

في البدء، يبدو عالم الرِّواية _أيِّ رواية _ فضاءً منغلقاً على ذاته: فقد أَنجَزتِ الشُّخوصُ الرَّئيسيَّة قولها الأخير، واستقرَّتِ الحبكاتُ في صيغٍ مكتملة، وانتهى فعلُ الكتابةِ إلى تدوينِ المنجَزِ التَّخييليِّ وإغلاقِ أيِّ إمكانيَّةٍ لاحقة لإعادةِ تشكيلِه أو مراجعتِه.

غير أنَّ الأعمال الأدبيَّة غالباً ما تنطوي على آثارٍ أو علاماتٍ دالَّة تُوحي بإمكانيَّة فتحِ فضائها أمام القرَّاء المتأمِّلين؛ أي أمام أيِّ قارئٍ محتمل، لأنَّ كلَّاً منَّا مزوَّدٌ بطبيعةِ الحال بمنظورٍ فرديٍّ يُتيحُ له فتحَ النَّصِّ عبر تلك الآثارِ بطريقةٍ خاصَّة وفريدة.

لكنَّ «الآثار» المقصودة هنا تختلف عن مفهوم الانزلاق الدَّلاليِّ أو الإرجاءِ المستمِرِّ لمعاني العلاماتِ اللُّغوية المفردة كما صاغه الفيلسوفُ الفرنسيُّ جاك دريدا؛ إذ إنَّ الآثار، بالمعنى المستخدَم هنا، أقربُ إلى الدَّلالة الطَّبيعيَّة، بمعنى أنَّها تتضمَّنُ قدراً كبيراً من المعلوماتِ القابلة للاستجلاءِ من قِبَلِ أيِّ قارئ.

أمَّا الطَّيِّب صالح في موسم الهجرة إلى الشَّمال، فلا يتركُ شذراتِ آثارٍ مبعثرة على نحوٍ عشوائيٍّ أو غير متكافئ، بل يُشيِّدُ لقرَّائه المحتمَلين نَسَقَاً مُحكَماً ومتعدِّد الطَّبقاتِ لتلك الآثار أو العلاماتِ الدَّالَّة، بحيثُ تتداخلُ فيها مستوياتُ المعنى وتتراصُّ بإحكامٍ دالٍّ.

يُمكِنُ تصنيفُ هذه العلاماتِ الدَّالَّة، كما تتبدَّى في موسم الهجرة إلى الشَّمال، إلى ثلاثِ فئات: علاماتٌ داخليَّة، وعلاماتٌ سطحيَّة، وعلاماتٌ خارجيَّة. أمَّا العلاماتُ الدَّاخليَّة، فهي تلك الشَّواهدِ المادِّيَّة الَّتي يُقدِّمُها مصطفى سعيد، بطلُ الرِّواية، لِتكونَ موضعَ تفحُّصٍ من قِبَلِ قرينِه السَّرديِّ -الرَّاوي الرَّئيسي- ثم تُستدرَجُ لاحقاً إلى مسارِ الكشفِ وفضِّ الغموض.

وتشملُ هذه العلامات: (أ) قصيدة من الحرب العالميَّة الأولى، أنشدها مصطفى سعيد خلال جلسةِ سُكرٍ في منزل محجوب، (ب) حزمة من الوثائق تضمُّ شهادةَ ميلادٍ وجوازاتِ سفرٍ متعدِّدةِ الأختام، (ج) غرفةٌ مغلقة مشيَّدة بالطُّوبِ الأحمر، ذات سقفٍ مائل مميَّز.

في البداية، أثار إنشادُ القصيدة فضولَ الرَّاوي، فاشتدَّ هذا الفضولُ وتنامى إلى أقصى درجاتِه الممكِنة. وإلى جانب ذلك، تُرِكَت له مفاتيحُ تلك الغرفة الغريبة، كما أُسنِدت إليه رعايةُ ابنَي مصطفى سعيد، محمود وسعيد، ومن ثمَّ رعاية أُمِّهما الأرملة، حسنة بنت محمود. 

وهكذا وجد الرَّاوي نفسَه مدفوعاً -بحُكمِ هذه التَّرتيباتِ المتشابكة- إلى تركيزِ تفكيرِه العميق نحو كشفِ الطَّبيعة الحقيقيَّة لشخصيَّة مصطفى سعيد، ذلك الغريب الَّذي اختار أن يُقيمَ في قريةٍ معزولة عند منحنى النِّيلِ في شَمالِ السُّودان. 

أمَّا العلاماتُ السَّطحيَّةُ الدَّالة، فهي تلك المرتبطة بخطاباتِ البطل، كما تتبدَّى في ضوء ما تعكسه الشَّخصيَّاتُ الأخرى في الرِّواية من تصوُّراتٍ عنه، ولا سيَّما الرَّاوي نفسُه الَّذي يعمل بوصفِه مرآةً له، وبدرجةٍ أكبر الشَّخصيَّاتُ الثَّانويَّة، مثل المأمور المتقاعد، الَّذي لولاه لضاعَ الكثيرُ من سيرة مصطفى بين التَّفسير المبتسر، والتَّخميناتِ المُرسَلة، والأكاذيبِ الصَّريحة، والافتراضاتِ غيرِ المبرَّرة؛ وذلك على الرَّغم ممَّا يحمله ذلك الموظَّفُ المتقاعد نفسُه من أحكامٍ مجحِفة وانحيازاتٍ وتلميحاتٍ غير منصِفة تجاه البطل الرَّئيسي 

أمَّا العلاماتُ الخارجيَّة الدَّالَّة، فهي تلك الَّتي تُحيلُ إلى التَّاريخ الفعليِّ لوطنِ الطَّيِّب صالح، فضلاً عن العلاقاتِ التَّناصِّيَّة الَّتي تربط روايته الشَّهيرة برواياتٍ إقليميَّة وعالميَّة أنتجها روائيُّون بارزون سبقوه. 

وفي هذه الورقة، نُركِّزُ اهتمامنا على روايةِ المأمور المتقاعد، وعلى حُكمِه المجحِف أحياناً إلى حدٍّ كبير تجاه شخصيَّة مصطفى سعيد؛ كما نُلقِي نظرةً على التَّاريخِ الفعليِّ للسُّودانِ خلال فترةِ الحكمِ الثُّنائي، ومقارنته ببعضِ «الوقائع» الَّتي جرى توظيفُها بمهارةٍ داخل الرِّواية.

أراد الطَّيِّب صالح أن يَحمِلَ بطلُه مصطفى سعيد رسالةً حاسمة ومؤثِّرة، لكنَّها في الوقت نفسِه مُركَّبة ومُلتبِسة، في مواجهةِ الاستعمار؛ وكان يُدرِكُ أنَّ هذه الرِّسالة، لو قُدِّمت شفهيَّاً إلى الإدارة الاستعماريَّة في الخرطوم، لَتَمَّ تجاهلُها، ولو قُدِّمت مكتوبةً، لَتَمَّ حِفظُها في الملفَّات وانتهت إلى سلَّة المهملات. فقد كانت دائرةُ الخدمة السِّياسيَّة السُّودانيَّة _ أي الإدارة البريطانيَّة في الخرطوم_ قد أحكمت إغلاقَ دوائرِها الاستعماريَّة داخل غرفٍ موصَدة، بينما أُقصِيَ الموظَّفون المحلِّيُّون إلى مواقعَ دنيا بوصفِهم كَتَبَةً ثانويِّين في أسفلِ الهرمِ البيروقراطيِّ للدَّولة.

لذلك، اختار الرِّوائيُّ السُّودانيُّ أن يدفعَ بشخصيَّتِه الرَّئيسيَّة بسرعة عبر النِّظام التَّعليمي: إذ جعله يقضي عامين في المرحلةِ الابتدائيَّة، وثلاثة أعوامٍ في المرحلة المتوسِّطة، وثلاثة أعوامٍ في المرحلة الثَّانويَّة في مصر. وبحلولِ سنِّ الخامسة عشرة، كان مصطفى سعيد قد أصبح مثقَّفاً مفوَّهاً على تخومِ المركزِ الاستعماري، ومُهيَّأً بشكلٍ إستراتيجي؛ وفي الوقتِ نفسِه، متأهِّباً في وضعِ الاستعدادِ لخَوضِ حربِه الخاصَّة ضدَّ المؤسَّسة الرَّاسخة للاستعمار.

وقد صِيغت شخصيَّة مصطفى سعيد بتعمُّدٍ بوصفِه محارباً شديدَ الانتقائيَّة: فهو يعرِفُ جمهورَه بدقَّة؛ أي أنَّهم: «موظَّفون مدنيُّون متقاعدون خدموا في الشَّرق؛ نساءٌ مُسِنَّاتٌ تُوفِّي أزواجُهُنَّ في مصرَ والعراقِ والسُّودان؛ رجالٌ قاتلوا مع كتشنر وألنبي؛ مستشرقون؛ وموظَّفون في وزارة شؤون المستعمَرات، وفي قسمِ الشَّرقِ الأوسط بوزارةِ الخارجيَّة».

علاوةً على ذلك، كانت دولة الحكم الثُّنائيِّ في الخرطوم أشبه بوحشٍ ذي رأسين: بريطانيا ومصر. وكان لزاماً على الفاعل أن يتعاملَ مع أحدِ الرَّأسين كي يُعمِيَ بصيرة الآخر، أو أن يُراوِغَ أحدهما لِيتجاوزَ الآخر. ومن ثَمَّ، فإنَّ إيصال الرِّسالة من موقعٍ بعيد عنِ الخرطوم كان من شأنِه أن يُتيحَ لمصطفى سعيد تجاوز الطَّرفين معاً، ومواجهة الاستعمار في عقرِ دارِه.

غير أنَّه من الصَّحيح أيضاً أنَّ هذا البطل الرِّوائيَّ ينحرِفُ تدريجيَّاً بفعلِ إغراءِ الحياةِ في المتروبول، فيبدأ في التَّحرُّك على وفقِ منطقِ الحبكةِ ذاتِها، بدلاً عن الخضوعِ لمقصودِ المؤلِّف. إذ يختارُ مصطفى سعيد الانخراطَ في دوائرَ بوهيميَّة، ويستعمِلُ خطاباً إنشائيَّاً أجوفَ في محاضراتِه، ويُغوي فتياتٍ فقيراتٍ عبر الأكاذيبِ والعباراتِ المبتذلةِ الجاهزة، ويُحاوِلُ أن يؤسِّس لعلمِ اقتصادٍ يقومُ على الحبِّ لا على الأرقام.

 

وقد منحه إتقانُه للُّغةِ الإنكليزيَّة سلاحاً فاعلاً في صياغةِ خطابٍ نافذٍ ضدَّ الاستعمار، لكنَّه أُهدره في مطاردةِ مكاسبَ ليليَّةٍ عابرة. إذ يقول عن نفسِه: «كنتُ نهاراً أعيشُ مع نظريَّاتِ كينز وتوني، وفي اللَّيلِ أستأنفُ الحربَ بالقوسِ والسَّيفِ والرُّمح والسِّهام».

لقد تبدَّدت همَّة مصطفى سعيد إلى حدٍّ كبير في ضجيجٍ لفظيٍّ وسلوكٍ استعراضي، غير أنَّ موقعه الَّذي انطلق منه خطابُه قد احتُفِظَ به إلى حدٍّ بعيد من قِبَلِ مَنِ اقتفوا آثارَه، وهو ما جعل الطِّيِّب صالح وبطلَه الشَّهير موضعَ تقديرٍ لدى مفكِّرينَ عالميِّين أمثال إدوارد سعيد، ولدى عددٍ من الباحثين والكتَّاب المنخرطين في دراساتِ ما بعد الاستعمار وخطاباتِ مناهضةِ الإمبرياليَّة.

يُمكِنُ القولُ إنَّ مصطفى سعيد قد قطع مراحلَ تعليمِه قبل الجامعيِّ في وثبةٍ واحدة، وإنَّ إتقانَه للُّغةِ الإنكليزيَّة بدا له وكأنَّه أمرٌ بديهي، غير أنَّ هذا الأمرَ لا ينطبِقُ بالضَّرورة على طرائقِ تدريسِ الإنكليزيَّةِ في المدارسِ المتوسِّطةِ في السُّودان، حيثُ أدَّت تجزئة اكتسابِ المهاراتِ اللُّغويَّة إلى إلحاقِ ضررٍ تعليميٍّ بالغٍ بمعظمِ التَّلاميذ.

وفي حديثِ المأمور المتقاعد عن مصطفى سعيد، قال: «كان نبرةُ الخطابِ الَّتي يُخاطِبُه بها الأساتذة مختلفةً عن تلك الَّتي يُخاطبوننا بها، ولا سيَّما معلِّمي الإنكليزيَّة؛ وكأنَّهم يُلقَون الدَّرسَ له وحده ويتجاهلون بقيَّة الطُّلَّاب».

ويُضيفُ المأمور المتقاعد دلالةً لافتة: «كنَّا ننطقُ الكلماتِ الإنكليزيَّة كما لو كانت عربيَّة، وكنَّا نعجزُ عن نُطقِ ساكنَيْنِ متجاوِرَيْنِ دون إدخالِ حركةٍ بينهما، بينما كان مصطفى سعيد يلوي فمه ويدفعُ شفتَيْه إلى الأمام، فتخرجُ الكلماتُ منه وكأنَّها صادرةٌ عن شخصٍ الإنكليزيَّةُ هي لغتُه الأُم»؛ (هذا وقد جاءت هذه التَّرجمة الرَّائعة للاقتباسِ أعلاه بصياغةٍ بالغةِ الإتقان على يدِ المترجم البريطانيِّ دينيس جونسون-ديفيز).

في «موسم الهجرة إلى الشَّمال»، يخلق الطَّيِّب صالح شخصيَّةً متخيَّلة تُتقِنُ اللُّغة الإنكليزيَّة إتقاناً حاذقاً، غير أنَّ هذا التَّمكُّنَ اللُّغويَّ يتحوَّلُ أحياناً إلى أداةِ تهريجٍ لأداءِ سلوكٍ استعراضيٍّ أقرب إلى العبث، وإلى نسيجٍ متوهَّمٍ من الأكاذيبِ والمبالغات.

وفي «منسي: إنسانٌ نادرٌ على طريقتِه»، ينسِجُ الطَّيِّب صالح سرداً نثريَّاً حول شخصيَّةٍ تؤدِّي في الحياةِ الواقعيَّة دوراً يقترِبُ من صورةِ «المهرِّج»، إذ يُوظِّفُ صاحبُها إتقانَه للُّغةِ الإنكليزيَّة في ممارساتٍ تقومُ على الخداعِ والمراوغةِ والمبالغةِ الفاقعة. وغالباً ما ينخرِطُ هذا البطلُ في نقاشاتٍ حول موضوعاتٍ لا يملِكُ عنها معرفةً كافية، معتمداً على فصاحتِه اللُّغويَّة أكثر من رصيدِه المعرفي؛ ومن ذلك، ظهورُه في جدلٍ مع مؤرِّخٍ بمكانةِ البروفيسور أرنولد توينبي، رغم ما يبدو عليه من ضعفِ الإلمامِ بموضوعِ النِّقاش.

ولا يكادُ «منسي» يُرَى إلَّا في صحبةِ النِّساء، كما يسهُلُ عليه تكوينُ صداقاتٍ مع شخصيَّاتٍ مثل بيتر فينش وبيتر أوتول، وحتَّى صموئيل بيكيت المعروف بانطوائه المفرط. وفي هذا السَّردِ السِّيَريِّ الَّذي يكتبُه الطَّيِّب صالح، يُمنَحُ البطلُ لحظةً استثنائيَّة للاقترابِ من الملكة، بوصفِها الرَّمزَ الأعلى للإمبراطوريَّة، حيثُ يتجرَّأ في تلك المناسبة على سؤالِها عن تربيةِ وتعليمِ ابنها الأمير تشارلز، ملك بريطانيا الحالي.

يتميَّزُ بطلُ الطَّيِّب صالح في «موسم الهجرة إلى الشَّمال» بإتقانِه الحاذق للُّغةِ الإنكليزيَّة، كما تتمتَّعُ الشَّخصيَّةُ المحوريَّة في عملِه السِّيريِّ بذكاءٍ لغويٍّ وبراعةٍ لافتة في إجادةِ هذه اللُّغة. غير أنَّ واقع التَّلاميذ السُّودانيِّين، حتَّى اليوم، ما زال متأثِّراً على نحوِ عميق بتجزئةِ اكتسابِ مهاراتِ اللُّغةِ الإنكليزيَّة، بما يُفضي إلى إنتاجِ متعلِّمينَ محدوديِ الكفاءةِ في القراءة، ومتلعثمينَ ومتعثِّرينَ في الأداءِ الشَّفهي. 

ومع أنَّ بعضَ الأفرادِ يبلونَ بلاءً حسناً في التَّواصلِ الشَّفهيِّ إلى درجةٍ وُصِفوا معها بأنَّهم «متحدِّثو الإنكليزيَّة السُّود»، فإنَّ الغالبيَّة من المتعلِّمينَ ينتهونَ إلى وضعٍ لغويٍّ هجين، يقومُ على التَّناوبِ بين العربيَّةِ والإنكليزيَّة داخل الجملةِ الواحدة. بل أنَّ بعضَهم يتأرجَّحُ أحياناً بين ثلاثِ لغات، وذلك باستخدامٍ محدودٍ لبعضِ المفرداتِ الفرنسيَّة. 

وقد عبَّر الطَّيَّب صالح نفسُه عن انزعاجِه حين رأى لافتةً في مطارِ الخرطوم تحمِلُ كلمة «مرحباً» بالفرنسيَّة. إلَّا أنَّه في واقع الأمر، فإنَّ أهلَ الخرطوم يستخدِمونَ —بتأثيرٍ واضحٍ من وجود المصريِّين في البلادِ— عدداً من الكلماتِ الفرنسيَّة مثل «تروتوار» و«أسانسير» و«بلاج»، بدلاً من «بيفمنت» و«ليفت» و«بيتش»، على التَّوالي.

ولو عَلِمَ الرَّئيسُ الفرنسيُّ إيمانويل ماكرون بذلك لربَّما قال: «سي شيك». أمَّا الملك تشارلز، فلربَّما يزدادُ سروراً حين يكتشِفَ أنَّ السُّودانيِّين في هذا السِّياق ما زالوا يستعملون صيَغاً مركَّبة لكلماتٍ من قبيل: «أوفر تايم»، و«ويكند»، و«كتاوت»، إضافةً إلى «باي باي».

* ورقة مقدَّمة باللُّغة الإنكليزيَّة في مؤتمرٍ انعقدَ في 9 مايو 2026، ونظَّمه «البرنامج السُّوداني» بالتَّعاون مع مركز الشَّرق الأوسط وكلِّيَّة الدِّراسات الآسيويَّة والشَّرق أوسطيَّة بكلِّيَّة سانت أنتوني بجامعة أكسفورد البريطانيَّة تحت عنوان: «قراءة الطَّيِّب صالح في القرن الحادي والعشرين». وقد تمَّتِ التَّرجمة بواسطة الكاتبة والنَّاقدة ليمياء شمَّت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى