الإسلام والعلمانية وأزمة الدولة لا أزمة الشعارات

محمد عمر شمينا
منذ أكثر من قرن، يحتل الجدل حول العلاقة بين الإسلام والعلمانية موقعاً متقدماً في النقاشات الفكرية والسياسية في العالم العربي والإسلامي. وفي السودان على وجه الخصوص، لم يكن هذا الجدل مجرد ترف فكري أو خلاف نظري بين المثقفين، بل ارتبط ارتباطاً وثيقاً بمسألة بناء الدولة، وتوزيع السلطة، وإدارة التنوع، وحتى بمصير الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي.
وفي كل مرة تتفاقم فيها الأزمات السياسية أو تندلع الحروب، يعود السؤال ذاته بصيغ مختلفة: هل تكمن أزمة الدولة في حضور الدين داخل المجال السياسي أم في غيابه؟ وهل يمكن التوفيق بين المرجعية الإسلامية ومقتضيات الدولة الحديثة، أم أن العلاقة بين الإسلام والعلمانية هي بالضرورة علاقة صدام وتناقض؟
غالباً ما يُقدَّم هذا السؤال في صورة ثنائية حادة: إما الإسلام وإما العلمانية، إما الدولة الدينية وإما الدولة المدنية. غير أن هذه المقاربة، رغم بساطتها وجاذبيتها الخطابية، لا تساعد كثيراً في فهم الواقع. فهي تختزل تجارب إنسانية معقدة في شعارات متقابلة، وتغفل اختلاف السياقات التاريخية التي نشأت فيها الأفكار وتطورت.
لقد نشأت العلمانية في أوروبا استجابةً لظروف تاريخية خاصة. فقد عرفت أوروبا قروناً طويلة من الصراع بين الملوك والكنيسة، وبين السلطة الزمنية والسلطة الدينية. وكانت المؤسسة الكنسية تمارس نفوذاً واسعاً في السياسة والتعليم والقضاء والحياة العامة، الأمر الذي أدى إلى حروب دينية دامية وصراعات مريرة حول الحق في الحكم واحتكار الحقيقة الدينية. ومن هذه التجربة برزت العلمانية بوصفها محاولة لإعادة تنظيم المجال العام، ومنع احتكار المؤسسة الدينية للسلطة السياسية، وضمان استقلال الدولة عن الصراعات اللاهوتية.
غير أن نقل هذا المفهوم إلى العالم الإسلامي لم يكن أمراً سهلاً. فالإسلام، من الناحية التاريخية، لم يعرف مؤسسة كهنوتية مشابهة للكنيسة الأوروبية تحتكر تفسير الدين أو تدّعي احتكار العلاقة بين الإنسان وربه. ولم يكن هناك بابوية تمنح الشرعية للحكام أو تحرمهم منها. ولذلك رأى كثير من المفكرين المسلمين أن استنساخ التجربة الأوروبية كما هي لا يراعي خصوصية التجربة الإسلامية واختلاف ظروف نشأتها.
وفي المقابل، فإن اختزال العلمانية في كونها مرادفاً للإلحاد أو الحرب على الدين لا يعكس حقيقتها كاملة. فالعلمانية ليست نموذجاً واحداً جامداً، بل طيف واسع من التجارب. فهناك علمانية متشددة تسعى إلى حصر الدين بالكامل في المجال الخاص، وهناك صيغ أكثر مرونة تركز على حياد الدولة تجاه الأديان، وضمان حرية المعتقد، والمساواة بين المواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية.
ومن هنا، فإن القضية الأساسية ليست في المفاضلة المجردة بين الإسلام والعلمانية، بل في الإجابة عن أسئلة أكثر عمقاً: كيف تُدار الدولة الحديثة في مجتمع متنوع؟ وكيف يمكن حماية الحقوق والحريات العامة؟ وما هي الضمانات التي تمنع استغلال الدين لتحقيق الهيمنة السياسية، أو استخدام العلمانية نفسها كوسيلة لإقصاء المتدينين؟
لقد شهد الفكر الإسلامي الحديث اجتهادات متعددة للإجابة عن هذه الأسئلة. فذهب بعض المفكرين إلى أن الإسلام وضع قيماً ومقاصد عامة مثل العدل، والشورى، والكرامة الإنسانية، وتحقيق المصلحة العامة، ولم يفرض نموذجاً سياسياً جامداً صالحاً لكل زمان ومكان. وبناءً على ذلك، فإن أشكال الحكم يمكن أن تتطور وفق احتياجات المجتمعات، ما دامت تحقق تلك المقاصد وتحفظ حقوق الناس.
في المقابل، رأى آخرون أن الإسلام يقدم تصوراً متكاملاً للحياة السياسية، وأن الفصل بين الدين والدولة يتعارض مع شمولية الرسالة الإسلامية. وبين هذين الاتجاهين نشأت مساحات واسعة من الاجتهادات التي حاولت التوفيق بين المرجعية الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة دون الوقوع في أسر النماذج المستوردة أو التفسيرات الجامدة.
أما في السودان، فقد اكتسب هذا الجدل طابعاً أكثر حساسية وتعقيداً. فمنذ الاستقلال عام 1956، ظل سؤال الهوية وطبيعة الدولة حاضراً في قلب المشروع الوطني السوداني. فالسودان ليس مجتمعاً أحادياً، بل هو فضاء متعدد الأعراق والثقافات واللغات والانتماءات الدينية. ورغم أن أغلبية السكان تدين بالإسلام، فإن هذا التنوع فرض تحديات حقيقية أمام بناء دولة يشعر جميع مواطنيها بالانتماء إليها.
وقد تعاملت النخب السياسية مع قضية الدين والدولة بطرق مختلفة. فبعضها رفع شعار تطبيق الشريعة باعتباره الطريق إلى تحقيق العدالة والإصلاح الأخلاقي، بينما رأت تيارات أخرى أن حياد الدولة تجاه الأديان هو الضمان الأساسي لتحقيق المواطنة المتساوية ومنع التمييز.
غير أن المشكلة لم تكن دائماً في الشعار المرفوع، بل في كيفية توظيفه. فقد تحولت قضية الدين والدولة في كثير من الأحيان إلى أداة للاستقطاب السياسي. فكل من دعا إلى العلمانية وُصم أحياناً بأنه معادٍ للإسلام أو مستهدف لهوية المجتمع، بينما جرى تصوير كل حديث عن المرجعية الإسلامية باعتباره مشروعاً لإقامة استبداد ديني وإلغاء التعددية السياسية. وهكذا أُغلقت مساحات الحوار، وحلّ التخوين محل النقاش العقلاني.
لقد عكست الاتفاقيات السياسية الكبرى هذا التعقيد بوضوح. فمن اتفاقية أديس أبابا عام 1972 التي حاولت معالجة جذور الصراع في جنوب السودان، إلى اتفاقية السلام الشامل عام 2005 التي أنهت أطول حرب أهلية في القارة الأفريقية، ظل سؤال العلاقة بين الدين والدولة أحد أكثر الملفات حساسية. وحتى بعد ثورة ديسمبر 2019، عاد الجدل مجدداً حول مفهوم الدولة المدنية والعلمانية وحدود المرجعية الدينية في الدستور.
لكن التجربة السودانية أثبتت أن اختزال الأزمة الوطنية في ثنائية الإسلام والعلمانية لا يكفي لفهم أسباب الفشل المتكرر. فالدولة التي رفعت شعارات دينية لم تنجح بالضرورة في تحقيق العدالة أو مكافحة الفساد أو حماية الحقوق، كما أن القوى التي رفعت شعارات مدنية لم تكن دائماً قادرة على تقديم نموذج ديمقراطي متماسك أو بناء توافق وطني واسع.
وقد كشفت الحرب السودانية الراهنة، بصورة أكثر إيلاماً، أن الأزمة الأعمق تتمثل في ضعف المؤسسات، وغياب الثقافة الدستورية، واستسهال اللجوء إلى العنف، وتحويل الاختلافات الفكرية والثقافية إلى أدوات للصراع على السلطة. فالمشكلة ليست فقط في النصوص التي تُكتب في الدساتير، بل في الإرادة السياسية التي تحترم تلك النصوص، وفي وجود مؤسسات مستقلة قادرة على حمايتها.
إن الدولة العادلة لا تُقاس بالأسماء التي تطلقها على نفسها، وإنما بقدرتها على صون كرامة الإنسان. فالدولة التي تتحدث باسم الإسلام لكنها تنتهك الحقوق وتصادر الحريات وتغيب فيها العدالة، لا تعبر بالضرورة عن القيم الإسلامية التي تقوم على الإنصاف والرحمة والمسؤولية الأخلاقية. وفي المقابل، فإن الدولة التي تتبنى العلمانية لكنها تمارس القمع وتضيق على مواطنيها، تفقد المبررات التي قامت عليها فكرة حياد الدولة وحماية الحريات.
إن التحدي الحقيقي أمام السودانيين لا يكمن في اختيار شعار ينتصرون له، بل في بناء عقد اجتماعي جديد يستوعب تنوعهم، ويضمن المساواة بينهم، ويحول دون احتكار الدولة باسم الدين أو باسم الحداثة. فالمجتمعات لا تُدار بالشعارات، وإنما بالمؤسسات، وسيادة حكم القانون، واحترام حقوق الإنسان باعتباره الغاية الأساسية لأي نظام سياسي.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يطرحه السودانيون على أنفسهم اليوم ليس: هل نريد دولة إسلامية أم دولة علمانية؟ بل كيف نبني دولة عادلة لا يشعر فيها أحد بأنه مواطن من درجة أقل؟ وكيف نجعل من الدين مصدراً للقيم الأخلاقية الجامعة لا أداة للإقصاء السياسي؟ وكيف نضمن أن تبقى الدولة ملكاً لجميع أبنائها، لا غنيمة يتنازعها المنتصرون؟
فربما لم يكن الصراع الحقيقي في السودان، طوال هذه العقود، بين الإسلام والعلمانية بقدر ما كان صراعاً بين مشاريع مختلفة سعت إلى احتكار الدولة وإقصاء الآخرين. وربما يكون المدخل إلى المستقبل ليس في الانتصار النهائي لأحد الشعارين، بل في القدرة على التعايش مع الاختلاف، والاتفاق على قواعد عادلة لإدارته.
فهل يمتلك السودانيون الشجاعة الكافية للانتقال من معركة الشعارات إلى معركة بناء الدولة، أم سيظلون أسرى سؤال لم يحسنوا طرحه منذ الاستقلال؟





