البرهان بين مأزق الرفض والقبول

قلم: يوسف الغوث
يمثل الموقف الأمريكي الذي أعلنته واشنطن اليوم في مجلس الأمن نقطة تحول وتصعيد جديد في الأزمة السودانية. يبدو ذلك واضحاً بخروج واشنطن عن خطاب الحياد بين طرفي النزاع، حينما وضعت كل ثقلها خلف اتهام صريح للجيش السوداني ممثلاً بالمجلس السيادي والفريق البرهان، ووصفهما بالطرف المعرقل الوحيد لمسار الحل السياسي السلمي…
لم تكتفِ واشنطن بإلقاء التهمة، بل صبّتها في قالب دبلوماسي حاد، على لسان كبير مستشاري الرئيس الأمريكي مسعد بولس، محوّلة إياها من مجرد موقف سياسي إلى إدانة دولية معلنة في أعلى منبر معني بالسلم والأمن الدوليين، وهو تحول يذكرنا بتصعيد واشنطن النادر تجاه حلفاء سابقين، إذ نادراً ما تكشف إدارة أمريكية عن هذا الحسم في توجيه أصابع الاتهام خلال جلسات مجلس الأمن، إلا عندما ترى أن الأمر تجاوز حدود الملف الإنساني إلى اختبار مصداقيتها الدولية…
تكتسب دلالة التصريح قوة استثنائية في تزامنه الزمني مع رفض البرهان لمسودة الهدنة في صباح اليوم ذاته، وهو ما أوقعه في مأزق دبلوماسي حاد. ولم تلبث تحركاته اللاحقة، سواء في نبرة خطابه الميداني أو اتصاله السريع بمندوب السودان أثناء الجلسة، أن أكدت أنه استوعب بحساسية بالغة وقع هذا التوقيت، وسعى على عجل لتدارك الموقف، غير أن المؤشرات تشير إلى أن الفرصة كانت قد فاتت لقلب المعادلة…
إن تصريحات مسعد بولس حول مسؤولية مجلس السيادة والبرهان في عرقلة مسار الحل السياسي السلمي، ومن على أعلى منبر دولي مختص بالسلم والأمن الدوليين، تؤكد أن واشنطن قد تجاوزت المساواة بين طرفي الصراع في ملف الهدنة الإنسانية، وهذا تحول نوعي مهم. فواشنطن قد ربطت عرقلة وقف الحرب بتأثيرات شبكات الإسلاميين ربطاً صريحاً وأمام العالم، الأمر الذي يعني أن رفض البرهان لوقف الحرب ليس قراراً سيادياً، بل قراراً إسلاموياً بامتياز…
وفي هذا الصدد نجد أن واشنطن وظّفت العقوبات الاقتصادية التي أصدرتها اليوم كمنظومة ضغط متكاملة، وكخطوة أولى في سياساتها القادمة تجاه البرهان، مع تلويحها ببناء آلية أممية تتجاوز الموافقة السودانية…
إن ما يعزز الموقف الأمريكي هو الأرقام الإنسانية، من نازحين وجوعى وانهيار للخدمات الصحية، والتي باتت تتحدث عن نفسها، الأمر الذي يفرض ضرورة حدوث هدنة لاعتبارات أخلاقية وإنسانية…
لقد بات البرهان محصوراً في زاوية ضيقة تتزايد تكاليفها كلما مضى الوقت، فالاستمرار في الرفض يعني عزلة دولية غير مسبوقة وعقوبات مشددة قادمة في الطريق، في حين أن القبول بوقف الحرب يدخله في مواجهة مباشرة مع حلفائه الإسلاميين. غير أن هذه العزلة قد لا تكون مطلقة، إذ تظل شبكات الدعم الإقليمي، سواء من بعض العواصم العربية أو الإفريقية، عامل تخفيف قد يمنح البرهان هامشاً إضافياً للمناورة، لكنه هامش يتقلص كلما تشددت العقوبات الأمريكية واتسعت دائرتها. وبين هذين الخيارين، قد يحاول البرهان ابتكار مسار ثالث يتمثل في تقديم تنازلات إنسانية شكلية تهدئ من واشنطن مؤقتاً، دون أن تمس جوهر سلطته أو تقطع صلته بحلفائه الإسلاميين، لكن السؤال هو ما إذا كانت واشنطن ستقبل بهذه المساحات الرمادية بعد أن وضعته في الزاوية الضيقة…
إن هذه الرسالة المزدوجة، التي وجّهتها واشنطن من أعلى منبر دولي، لم تكن مجرد تهديد فحسب، بل كانت إعلاناً عن تحول جذري في مسار الأزمة، لتضع القيادة السودانية أمام اختبار حقيقي لا مجال فيه للمناورة أو التأجيل.
هنالك سؤال سيبقى مفتوحاً على تداعيات اللحظة الراهنة: فهل يمتلك البرهان، وفي خضم هذه المعادلة الضاغطة، هامشاً كافياً للمناورة بين عقوبات دولية متصاعدة واستنزاف داخلي لحلفائه، أم أن الأيام القادمة ستشهد تحولاً جذرياً في مواقفه؟
وهل سيرضخ البرهان للضغوط الأمريكية، أم سيبحث عن ملاذ إقليمي يعيد توزيع أوراق اللعبة من جديد؟





