السودان.. معركة الدولة

بقلم : إبراهيم هباني
قد ينجح السودانيون في وقف إطلاق النار، لكن ذلك لن يعني أن الحرب انتهت. فالحروب لا تنتهي عندما تصمت البنادق، بل عندما تتفق الدول على شكل السلام الذي يليها. وفي السودان، تبدو هذه المعادلة أكثر قسوة، لأن الصراع لم يعد يدور حول من يربح الميدان، بل حول من يكتب الدولة التي ستولد من بين أنقاضه.
ولهذا، تبدو معركة الدولة أخطر من الحرب نفسها. فالأطراف المتحاربة، والقوى السياسية، والعواصم الإقليمية والدولية، لم تعد تتنافس على إنهاء القتال بقدر ما تتنافس على صياغة المرحلة التي ستليه.
وكل تقدم عسكري، وكل مبادرة سياسية، وكل تحرك دبلوماسي، لم يعد مجرد محاولة لإيقاف الحرب، بل خطوة في سباق مبكر على رسم مستقبل السودان.
وهنا تكمن المعضلة. فالسودان لا يواجه فقط حربًا مدمرة، بل يواجه استحقاقًا ظل يؤجله منذ الاستقلال: كيف تُبنى دولة لا يعيد السلاح تشكيلها في كل أزمة؟ ولذلك، فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل السودان ليس متى يتوقف إطلاق النار، بل ماذا سيحدث بعد أن يتوقف.
وليس ذلك تحولًا فرضته الحرب وحدها، بل امتداد لأزمة صاحبت الدولة السودانية منذ الاستقلال عام 1956. فمنذ ذلك التاريخ، لم ينجح السودان في بناء عقد سياسي مستقر، وظلت البلاد تنتقل من حرب إلى أخرى، ومن تسوية إلى أزمة، ومن مرحلة انتقالية إلى انقلاب جديد، حتى بدا أن إدارة الصراع أصبحت أكثر رسوخًا من بناء الدولة نفسها.
لهذا، لم يعد وقف إطلاق النار هو نهاية الطريق، بل بدايته. فما إن تتوقف المعارك، حتى تبدأ الأسئلة التي عجز السودان عن الإجابة عنها لعقود: كيف ستدار المرحلة الانتقالية؟ ومن سيملك شرعية الحكم؟ وكيف ستعاد هيكلة المؤسسة العسكرية؟ وما شكل العلاقة بين المركز والأطراف؟ وكيف يمكن بناء مؤسسات قادرة على منع عودة البلاد إلى دوامة الانقلابات والحروب؟
هذه الأسئلة لم تعد شأنًا سودانيًا داخليًا، بل أصبحت محور اهتمام العواصم الإقليمية والدولية. فمع تراجع الرهان على الحسم العسكري، تحول الاهتمام تدريجيًا إلى مرحلة بناء الدولة، وإلى البحث عن ترتيبات سياسية وأمنية وإنسانية يمكن أن تؤسس لسلام مستدام، لا لهدنة مؤقتة. غير أن الطريق إلى تلك المرحلة يبدو أكثر تعقيدًا مما توحي به المبادرات المطروحة.
فالحرب لم تغير موازين القوى العسكرية فحسب، بل أعادت رسم الخريطة السياسية أيضًا. وأفرزت قوى جديدة، وأضعفت أخرى، وخلقت وقائع سيكون من الصعب تجاوزها على أي طاولة تفاوض. ولذلك، لم تعد الأزمة مجرد مواجهة بين طرفين مسلحين، بل أصبحت أزمة دولة تبحث عن صيغة جديدة لإدارة السلطة والتنوع والعلاقة بين المركز والأطراف.
وفي المقابل، لا يبدو المجتمع الدولي موحدًا حول تصور واحد للحل. فهناك توافق واسع على ضرورة إنهاء الحرب، لكن الخلاف يبدأ عند سؤال الدولة التي ستولد بعدها. كيف ستدار المرحلة الانتقالية؟ وكيف ستعاد هيكلة المؤسسة العسكرية؟ وما شكل العدالة الانتقالية؟ وكيف ستوزع السلطة والثروة؟ ومن ستكون له الكلمة الأخيرة في رسم النظام السياسي الجديد؟
ولهذا، تعددت المبادرات، بينما ظل الميدان يتحرك بوتيرة أسرع من السياسة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فكلما اقترب الحديث عن وقف إطلاق النار، اتسعت مساحة الخلاف حول شكل الدولة. ذلك أن الاتفاق على إسكات البنادق قد يكون أسهل كثيرًا من الاتفاق على نظام سياسي جديد، أو توزيع السلطة، أو إصلاح المؤسسة العسكرية، أو تحقيق العدالة الانتقالية. وهي القضايا التي ظلت تؤجلها معظم التسويات السابقة، قبل أن تعود وتنفجر بصورة أكثر تعقيدًا.
وفي السودان، لا ينفصل المسار السياسي عن الميدان. فالمعارك لا تحدد خرائط السيطرة فقط، بل ترسم أيضًا حدود التسوية الممكنة. وكل تغير في ميزان القوى ينعكس مباشرة على سقف التفاوض، الأمر الذي يجعل السياسة امتدادًا للحرب بوسائل مختلفة، ويجعل معركة الدولة تبدأ قبل أن تتوقف الحرب نفسها.
وإذا كانت المؤشرات الحالية تفتح الباب أمام أكثر من احتمال، فإن ثلاثة مسارات تبدو الأكثر حضورًا. أولها استمرار الحرب دون حسم استراتيجي، مع تصاعد الكلفة الإنسانية وفرض ترتيبات ميدانية مؤقتة. وثانيها تثبيت خطوط التماس الحالية لتصبح أساسًا لأي مفاوضات مستقبلية. أما ثالثها، وهو الأكثر صعوبة والأكثر أهمية، فيقوم على بناء توافق سياسي واسع يعالج جذور الأزمة، لا نتائجها، ويؤسس لدولة جديدة بدلًا من إعادة إنتاج الدولة القديمة.
غير أن نجاح أي من هذه المسارات لن يتوقف على الإرادة الدولية وحدها، ولا على موازين القوى العسكرية وحدها، بل على قدرة السودانيين أنفسهم على إنتاج مشروع وطني يتجاوز منطق الغلبة، ويؤسس لدولة تقوم على المؤسسات وسيادة القانون والشراكة السياسية، لا على موازين السلاح.
لقد أثبت تاريخ السودان أن الاتفاقات التي تكتفي بتقاسم السلطة، وتتجاهل إصلاح الدولة، لا تصنع سلامًا دائمًا، بل تؤجل الانفجار إلى موعد آخر. كما أثبت أن وقف إطلاق النار، مهما كانت أهميته، ليس سوى بداية لاختبار أكثر صعوبة.
فالاختبار الحقيقي يبدأ عندما تتحول الدولة إلى المرجعية الوحيدة للجميع، لا عندما تتوقف المعارك. وهناك فقط، سيتقرر ما إذا كانت هذه الحرب ستكون الأخيرة، أم مجرد محطة تسبق حربًا أخرى.
فالسودان لا يحتاج إلى نهاية للحرب بقدر ما يحتاج إلى بداية للدولة. وإذا كان وقف إطلاق النار شرطًا لا غنى عنه، فإنه ليس الضمانة الوحيدة للسلام. فالسلام الحقيقي يولد عندما تصبح الدولة أقوى من السلاح، والقانون أقوى من القوة، والسياسة بديلًا دائمًا عن الحرب.
عندها فقط، لن يكون السؤال من انتصر في الحرب، بل كيف انتصر السودان على تاريخه.





