نهاية مأساوية لسودانية على يد زوجها التركي في مدينة بورصة

أفق جديد
تدفع الحرب، في كثير من الأحيان، النساء إلى الهروب من جحيمٍ لتجد بعضهن أنفسهن في جحيم آخر. فمنذ اندلاع الصراع في السودان، أصبحت آلاف السودانيات يعشن في بلدان اللجوء وهن يواجهن هشاشة مضاعفة؛ غياب الأسرة الممتدة، وانقطاع شبكات الدعم الاجتماعي، وتعقيدات الإقامة، والاعتماد الاقتصادي على الزوج، إلى جانب صعوبة الوصول إلى مؤسسات الحماية. وتبدو هذه الهشاشة أكثر قسوة بالنسبة للمتزوجات من أجانب، إذ قد يتحول المنزل، الذي يفترض أن يكون ملاذاً آمناً، إلى مساحة للعنف لا تجد المرأة منها مخرجاً إلا بثمن باهظ.

ورغم أن عدداً من الدول، ومنها تركيا، يوفر أطرًا قانونية لحماية النساء المعرضات للعنف الأسري، فإن الوصول إلى تلك الحماية لا يعني دائماً النجاة. فكثير من النساء المهاجرات واللاجئات يعدن إلى منازلهن تحت وطأة الحاجة، أو الخوف على أطفالهن، أو الأمل في أن يتغير الزوج، لتتحول بعض قصص العنف المتكرر إلى نهايات مأساوية كان يمكن تجنبها.

وسط هذا المشهد الإنساني القاسي، جاءت نهاية السودانية إكرام حسن آدم خليل لتختصر حجم المأساة. امرأة نجت من أهوال الحرب والنزوح، لكنها لم تنجُ من العنف داخل منزلها في مدينة بورصة التركية، لتسقط من الطابق الرابع وهي تحمل جنينها في شهره الثامن، تاركة وراءها طفلة صغيرة، وأسئلة ثقيلة عن حدود الحماية التي تحظى بها النساء السودانيات في المنافي.

بدأت المأساة بصراخٍ مزق سكون منتصف الليل في أحد أحياء مدينة بورصة، ثم انتهت بجسد امرأة سودانية ممدداً على الأرض، بينما خيم الذهول على سكان الحي الذين وجدوا أنفسهم شهوداً على واحدة من أكثر الحوادث إيلاماً. لم يكن السقوط، وفق روايات الجيران والتحقيقات الأولية، مجرد حادث عابر، بل خاتمة سلسلة من العنف والخوف والإدمان انتهت بفقدان أم وجنينها، وترك طفلة في الثالثة من عمرها تواجه الحياة بلا أم.

في حي أوتش أفلر التابع لقضاء نيليفر، كانت الشقة الواقعة في الطابق الرابع تبدو مثل أي شقة في بناية سكنية هادئة. خلف بابها، كانت تتراكم، بحسب ما كشفت التحقيقات، خلافات زوجية وعنف متكرر. وفي تلك الليلة، ارتفعت أصوات الشجار على نحو غير مألوف، حتى دفعت الجيران إلى الخروج إلى نوافذهم وشرفاتهم لمعرفة ما يحدث.

كانت إكرام حسن آدم خليل، البالغة من العمر خمسة وثلاثين عاماً، تحمل في أحشائها جنيناً في شهره الثامن. وفي لحظات الرعب الأخيرة، لم تجد، بحسب إفادات الشهود، سوى نافذة الشقة. تشبثت بحافتها، وتدلت إلى الخارج محاولة الفرار من الخطر المحدق بها داخل المنزل. كان الجيران يصرخون طالبين منها ألا تترك قبضتها، بينما كانت هي تقاوم السقوط بكل ما تبقى لديها من قوة، قبل أن تنفلت يداها وتسقط من ارتفاع أربعة طوابق، لتفارق الحياة مع جنينها قبل وصول فرق الإسعاف.

لكن المشهد الذي سبق السقوط كان أكثر رعباً. فقد أفاد عدد من سكان الحي بأن الزوج، ف. س.، الذي تشير التحقيقات إلى إدمانه تعاطي مادة “التنر”، كان يحمل طفلتهما ذات الثلاثة أعوام ويعلقها من حافة سطح المبنى، في مشهد أثار الذعر بين السكان ودفع كثيرين إلى الاندفاع نحو البناية في محاولة لإنقاذ الأسرة.

يروي أحد الجيران أنه عندما شاهد الطفلة معلقة فوق الفراغ، هرع مع آخرين إلى سطح المبنى. اصطدموا أولاً بباب خارجي مغلق، فكسروا زجاجه للدخول، ثم وجدوا باباً داخلياً آخر موصداً. حاولوا تحطيمه أيضاً، وأصيب أحدهم بجروح في يده أثناء ذلك، لكنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى داخل الشقة في الوقت المناسب. وبينما كانوا يحاولون اقتحام المنزل، دوى صراخ في الخارج يخبرهم بأن المرأة سقطت.

خلال دقائق، تحولت البناية إلى مسرح للفوضى. سيارات الإسعاف والشرطة وصلت تباعاً، فيما احتشد عشرات السكان أمام المبنى. بعضهم كان يبكي، وآخرون كانوا يصرخون غضباً. وعندما حضر شقيق الزوج إلى المكان، تعرض للاعتداء من بعض الأهالي الذين حملوا الأسرة مسؤولية ما جرى، قبل أن تتدخل الشرطة لاحتواء الموقف.

وأوقفت السلطات الزوج في موقع الحادث، بينما بدأت فرق الأدلة الجنائية والنيابة العامة فحص الشقة ومحيطها لساعات. وأظهرت المعاينة الأولية عدم وجود آثار اعتداء مباشر أو طعن على جسد الضحية، إلا أن التحقيقات لم تتوقف عند هذه النقطة، إذ واصلت الشرطة دراسة جميع الفرضيات، بما في ذلك ما إذا كانت المرأة قد حاولت الهرب من خطر وشيك داخل المنزل.

وتضيف إفادات الجيران بعداً آخر للمأساة. فبحسب رواياتهم، لم تكن تلك الليلة الأولى التي يثير فيها الزوج الرعب في الحي. إذ كان معروفاً بتعاطيه المواد المخدرة، وسبق أن خرج قبل يومين فقط من الحادثة إلى الشوارع معترضاً السيارات ومتسبباً في أضرار بمركبات ومنازل، وهي الوقائع التي وثقتها تسجيلات مصورة.

وفي أقواله الأولية أمام الشرطة، أقر الزوج بأنه مدمن على تعاطي مادة “التنر”، وقال إن خلافاته مع زوجته كانت متكررة بسبب الإدمان، وإن شجاراً وقع بينهما ليلة الحادث، مدعياً أنها صعدت إلى نافذة غرفة النوم وقفزت منها، بينما كان يطلب من الجيران الاتصال بالإسعاف والشرطة. غير أن هذه الرواية لا تزال موضع تمحيص في ضوء شهادات متعددة قدمها الجيران حول ما سبق سقوط الضحية.

وكشفت التحقيقات أيضاً أن إكرام لم تكن غريبة عن مؤسسات الحماية في تركيا. فقد سبق لها أن لجأت إلى مركز الوقاية من العنف ومراقبته (ŞÖNİM) بعد تعرضها للعنف الأسري، وأقامت فترة في أحد دور إيواء النساء، قبل أن تغادره لاحقاً بإرادتها وتعود إلى منزل الزوجية. وهي معلومة تكشف أن الخطر لم يكن وليد تلك الليلة، بل كان معروفاً ومستمراً، وأن رحلة الخلاص التي بدأت بطلب الحماية انتهت بالعودة إلى البيئة نفسها التي كانت تهدد حياتها.

وراء تفاصيل التحقيقات والإجراءات القضائية، تبقى الصورة الأكثر قسوة لطفلة لم تتجاوز الثالثة من عمرها، فقدت أمها وشقيقها الذي لم يولد بعد في ليلة واحدة، بينما يواجه والدها تحقيقاً جنائياً قد تتغير توصيفاته مع تقدم التحقيقات.

وتتجاوز هذه المأساة حدود قضية جنائية وقعت في مدينة تركية، لتصبح مرآة لواقع تعيشه كثير من السودانيات في المنافي. فالحرب التي شردتهن من وطنهن لم تضع نهاية لمعاناتهن، بل دفعت بعضهن إلى مواجهة أشكال جديدة من العنف في عزلة تامة، بعيداً عن الأسرة والمجتمع، لتصبح قصصهن شاهداً على أن النجاة من الحرب لا تعني دائماً النجاة من المأساة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى