مجلس حقوق الإنسان يفتح اليوم ملفات حرب السودان..3 مآزق و3 مسارات للخروج من شبكة العنكبوت

أفق جديد
لم تعد الحرب السودانية تقف عند حدود المعارك التي تدور في المدن والقرى وعلى الطرقات وبين خطوط التماس، ولم يعد مستقبلها محكوماً فقط بما تستطيع القوات المسلحة أو قوات الدعم السريع تحقيقه في الميدان، فقد أخذ النزاع خلال الأسابيع والأشهر الأخيرة ينتقل بصورة متسارعة إلى ساحات أخرى أكثر اتساعاً وتعقيداً، من مجلس الأمن إلى مجلس حقوق الإنسان، ومن ملف العقوبات وحظر السلاح إلى ملف الانتهاكات والعدالة الدولية، ومن التدخلات الإقليمية وتدفق السلاح والمقاتلين إلى الأسئلة المتعلقة بمستقبل الدولة السودانية نفسها، وهو انتقال يجعل الحرب أمام لحظة مختلفة لا يكفي معها انتظار نتيجة عسكرية حاسمة أو التعويل على تغير موازين القوى في الجبهات، لأن المجتمع الدولي بدأ يتعامل مع السودان بوصفه أزمة أمن وسلام وحقوق إنسان ومساءلة دولية في وقت واحد.
وفي هذا السياق، قال دبلوماسي أميركي متقاعد لـ«أفق جديد» إن شهراً واحداً قد يكون فترة كافية لأطراف الحرب في السودان كي تعيد حساباتها وتصل إلى اتفاق حول هدنة إنسانية، وفق الرؤية التي بلورها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مشيراً إلى أن الرسالة التي تخرج من الإدارة الأميركية باتت واضحة في اتجاه واحد، وهو أن الحرب في السودان يجب أن تنتهي، وأن العالم لم يعد يستطيع مواصلة مراقبة ما وصفه بعبث الجنرالات بالدولة السودانية وبمصير شعبها، وهي رسالة تزامنت مع بدء مجلس حقوق الإنسان في جنيف مشاوراته بشأن تمديد مهمة بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة الخاصة بالسودان، في ظل الرفض المستمر من قيادة الجيش للتعاون معها، ومع اتساع الدعوات داخل المجلس إلى عزل طرفي الحرب سياسياً ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي ارتكبت خلال سنوات الحرب.
وفي الوقت نفسه، كان مجلس الأمن يفتح نافذة زمنية قصيرة أمام مفاوضات أكثر صعوبة بشأن نظام العقوبات المفروض على السودان، بعدما اعتمد بالإجماع القرار 2828 الذي مدّد بصورة فنية ولاية فريق الخبراء المعني بالعقوبات الخاصة بدارفور حتى التاسع من أكتوبر 2026، في وقت كانت الولايات المتحدة قد طرحت مشروعاً أكثر اتساعاً يقضي بفرض حظر على الأسلحة في جميع أنحاء السودان وعلى جميع أطراف النزاع، بما يشمل الطائرات المسيّرة ومكوناتها والتقنيات المرتبطة بها، مع تشديد الإجراءات المتعلقة بالدعم العسكري الخارجي، وتوسيع معايير إدراج الأشخاص والكيانات الخاضعين للعقوبات لتشمل جرائم مثل العنف الجنسي المرتبط بالنزاع والاختطاف من أجل الفدية والهجمات على العاملين في المجال الإنساني.
ومن هنا تبدأ صورة السودان الجديدة في النظام الدولي، وهي صورة يمكن اختصارها في ثلاثة مآزق متشابكة، لا يمكن التعامل مع أي واحد منها بمعزل عن الآخرين، لأن المأزق الدولي يتغذى من الانقسام الداخلي، والمأزق الحقوقي يتسع مع استمرار الحرب، والمأزق السياسي السوداني يتحول في غياب موقف وطني موحد إلى فرصة للقوى الخارجية كي تحدد شكل التسوية وشروطها، ولذلك فإن الخروج من هذه الدائرة لن يكون عبر مسار واحد، وإنما عبر ثلاثة مسارات متزامنة تبدأ بإيقاف الحرب وتوفير الهدنة الإنسانية، ثم بناء موقف سوداني واسع وموحد من العملية السياسية والعدالة والعقوبات، وتنتهي بإعادة صياغة السياسة الخارجية على أساس المصالح السودانية لا على أساس الاصطفاف مع هذه الدولة أو تلك.
المأزق الدولي
المشهد داخل مجلس الأمن يكشف بوضوح حجم التعقيد الذي دخل إليه الملف السوداني، فالمناقشات التي سبقت اعتماد القرار 2828 لم تكن مجرد خلاف إجرائي حول مدة التمديد، وإنما عكست انقساماً أعمق حول كيفية التعامل مع الحرب، وما إذا كان المجتمع الدولي مستعداً للانتقال من نظام عقوبات قديم يركز أساساً على دارفور إلى نظام جديد يشمل السودان كله، ويضع في دائرة العقوبات الأطراف التي تمد الحرب بالسلاح والتكنولوجيا والمساندة العسكرية، وهو ما جعل ملف العقوبات السوداني يتحول إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين رؤى دولية متباينة بشأن طبيعة الأزمة نفسها ومستقبل الدولة السودانية.
وكانت الولايات المتحدة، بوصفها حاملة قلم ملف العقوبات الخاصة بالسودان في المجلس، قد طرحت مشروعها الأول في الثالث عشر من أغسطس، ثم خضع المشروع لثلاثة تعديلات وجولتين من المفاوضات، قبل أن تقود الخلافات إلى صيغة التمديد الفني القصير، وهو ما يعني أن القرار الأخير لم يغلق باب التغيير وإنما أجّله، وأن التاسع من أكتوبر أصبح موعداً سيعود فيه المجلس إلى النقاش الأكثر حساسية حول نطاق العقوبات وحظر السلاح، بما يجعل الأسابيع المقبلة فترة اختبار حقيقية للأطراف السودانية وللدول المتدخلة في الحرب على السواء.
وقد رحب المندوب الأميركي جيفري بارتوس بالتمديد الفني القصير، مشيراً إلى أن هناك دعماً واسعاً داخل المجلس لتوسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل السودان، في مقابل رغبة بعض الأعضاء في الإبقاء على الوضع الحالي، معتبراً أن التمديد الطويل لم يعد خياراً مناسباً، وأن النص القصير يتيح وقتاً ومساحة لإجراء التغييرات الجوهرية المطلوبة، وقال إن نظام العقوبات الحالي مضى عليه أكثر من عشرين عاماً ولم يعد ملائماً لطبيعة الحرب الحالية، وإن الحظر ينبغي أن يشمل السودان كله، إلى جانب توسيع معايير الإدراج لتشمل الانتهاكات المرتبطة بالحرب، ووقف تدفق الدعم الخارجي إلى أطراف النزاع.
غير أن روسيا، ومعها الصين وباكستان في سياقات مختلفة، عارضت توسيع نطاق الحظر خارج دارفور، وهو موقف عبّرت عنه نائبة المندوب الروسي آنا إيفستيجنييفا بوضوح عندما قالت إن الخطوط الحمراء الروسية كانت واضحة منذ البداية، وإن موسكو لن تسمح بأي محاولة لتوسيع القيود، حتى ولو بصورة محدودة، مؤكدة أن موقف بلادها ينسجم مع ما وصفته بموقف «الحكومة الشرعية»، ومشيرة إلى أن كثيرين في المجلس لا يبدون استعداداً للاستماع إلى هذا الموقف، كما تساءلت عن أسباب توسيع معايير العقوبات الآن، بدلاً من القيام بذلك منذ عام 2023 عندما كانت قوات الدعم السريع، بحسب قولها، تهدد الخرطوم والمدن السودانية، مضيفة أن القوات الحكومية والقوات المسلحة باتت تتمتع بتفوق واضح في الميدان وتمثل، وفق الرؤية الروسية، الضامن للمؤسسات ووحدة البلاد وحماية المدنيين.
وهنا تظهر واحدة من أكثر المسائل حساسية في السياسة الخارجية السودانية، إذ يرى عثمان حلمي عباس، عضو المكتب السياسي للاتحادي الديمقراطي الأصل، أن تمديد القرار لمدة شهر وعدم التوصل إلى توافق حول توسيع الحظر لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما مجرد تأخير فني، وإنما باعتبارهما انعكاساً لأزمة شرعية وانقسام داخل مجلس الأمن نفسه، خصوصاً أن روسيا والصين وباكستان تمثل دولاً ذات ثقل في سوق السلاح والتكنولوجيا، وترى أن المعايير الدولية في التعامل مع السودان ينبغي ألا تكون انتقائية، بينما تحاول الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية دفع الملف من إطاره الإنساني إلى مساحة أوسع تتعلق بتوازنات النفوذ الدولي.
ويستعيد عباس في قراءته تاريخ العلاقة السودانية الروسية ليشير إلى أن موسكو وفرت للخرطوم في مراحل مختلفة ما سماه «الأوكسجين السياسي»، مستشهداً بمواقفها في أعوام 2004 و2005 و2024، لكنه يحذر في الوقت نفسه من وهم الاعتقاد بأن استخدام روسيا لحق النقض أو دعمها السياسي للسودان يمكن أن يكون بلا ثمن، لأن السياسة الدولية لا تعرف المواقف المجانية، ولأن التجارب السورية والإيرانية، على اختلافهما، تكشفان أن الحماية الدولية عندما تتحول إلى علاقة تبعية يمكن أن تقود في النهاية إلى أثمان باهظة، سواء عبر الارتهان الطويل كما حدث في النموذج السوري أو عبر الاكتفاء بالغطاء الدبلوماسي والحسابات البراغماتية الباردة كما في النموذج الإيراني.
المأزق هنا أن السودان أضاع وقتاً ثميناً في انتظار مواقف الآخرين، حتى انتقل من موقع الفاعل الذي يصوغ مصالحه ويقدمها للدول إلى موقع المنتظر لما تقرره العواصم ومجلس الأمن، بينما كان المطلوب أن تتحول التناقضات الدولية إلى فرصة للتفاوض على المصالح السودانية، بحيث لا يكون السودان موضوعاً للصراع بين القوى الدولية وإنما طرفاً قادراً على استخدام هذا الصراع لمصلحة دولته.
المأزق الحقوقي
لكن مأزق العقوبات لا ينفصل عن المأزق الحقوقي الذي يتسع بصورة متسارعة، فقد بدأ مجلس حقوق الإنسان في جنيف مشاوراته حول تمديد مهمة بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة، وسط مؤشرات على وجود تأييد واسع لاستمرار المهمة، رغم عدم تعاون قيادة الجيش معها، ومع تزايد الأصوات المطالبة بأن تشمل المساءلة الانتهاكات التي ارتكبها طرفا الحرب، وأن تصل الملفات ذات الطابع الجنائي إلى المحكمة الجنائية الدولية.
وتزداد أهمية هذا المسار مع ما أثير أخيراً حول تقارير استخدام الأسلحة الكيميائية، إذ قال رئيس بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة الخاصة بالسودان، محمد شاندي عثمان، إن البعثة لديها المعلومات نفسها التي نشرتها وسائل إعلام دولية حول اتهامات تتعلق باستخدام القوات المسلحة السودانية مادة الكلور في تصنيع أسلحة كيميائية، وإن البعثة على علم بهذه المعلومات، مضيفاً أن هذا تطور جديد يتعين التحقق مما يحدث بشأنه، ومشيراً إلى أن المهمة الأساسية للبعثة تتمثل في التحقيق في الانتهاكات التي تقع ضد حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وأن الادعاءات ذات المصداقية تستوجب التحقيق، بصرف النظر عن الجهة التي تنسب إليها.
وهذا التطور مهم ليس فقط بسبب خطورة الاتهام ذاته، وإنما لأنه يكشف اتساع طبيعة الملف الدولي الخاص بالسودان، فالقضية لم تعد تتعلق بمجرد أعداد النازحين واللاجئين أو حجم الاحتياجات الإنسانية، وإنما أصبحت تتصل بمسؤولية الأطراف المتحاربة عن الانتهاكات، وباحتمالات الملاحقة الدولية، وبالأسلحة المستخدمة في الحرب، وبمسؤولية الدول التي توفر السلاح والدعم والتكنولوجيا، ولذلك فإن استمرار الحرب يعني تلقائياً استمرار تدفق الملفات إلى المؤسسات الدولية، وكلما طال أمد الحرب أصبح من الصعب على الأطراف المتحاربة أن تعيد تقديم نفسها باعتبارها مجرد قوى سياسية متنافسة على السلطة، لأن السجل الحقوقي المتراكم يتحول تدريجياً إلى جزء من شروط أي تسوية مقبلة.
ومن الخطأ، في هذا السياق، أن تتحول العدالة إلى أداة سياسية انتقائية تستهدف طرفاً وتتجاهل الطرف الآخر، لأن المصداقية الدولية والمصلحة السودانية تقتضيان التعامل مع الانتهاكات وفق معيار واحد، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات القانون الدولي الإنساني، سواء كان من القوات المسلحة أو قوات الدعم السريع أو أي قوة مسلحة أخرى، لأن الإفلات من العقاب كان واحداً من جذور الأزمة السودانية، واستمرار الإفلات من العقاب سيجعل أي اتفاق سياسي جديد مجرد هدنة مؤقتة بين أطراف تحمل معها أسباب الحرب إلى المستقبل.
المأزق السوداني
أما المأزق الثالث، وهو الأعمق والأكثر تأثيراً في المأزقين الآخرين، فيتمثل في غياب موقف سوداني وطني واسع يستطيع مخاطبة المجتمع الدولي بلغة المصالح المشتركة، إذ إن الانقسام السياسي السوداني جعل كل طرف يحاول بناء علاقته الخارجية وفق حاجته الخاصة، بينما تذهب الدولة إلى عواصم مختلفة بخطابات متباينة، وتذهب القوى المدنية والسياسية إلى عواصم أخرى بمواقف مختلفة، فيما تعمل الأطراف العسكرية على تثبيت سردياتها الخاصة عن الحرب ومشروعها السياسي، وهو ما يجعل القوى الدولية قادرة على التعامل مع السودانيين باعتبارهم ملفات منفصلة بدلاً من التعامل معهم كشعب ودولة يملكان تصوراً مشتركاً للخروج من الحرب.
وهذا هو السبب الذي يجعل التمديد الفني القصير حتى التاسع من أكتوبر أكثر من مجرد قرار إجرائي، لأنه يمنح السودانيين فرصة محدودة لإعادة ترتيب أوراقهم قبل أن يعود مجلس الأمن إلى النقاش، فإذا دخلت القوى السودانية ذلك الموعد وهي تحمل المواقف نفسها المتصارعة، فسوف يكون من الطبيعي أن يواصل الخارج صياغة خياراته وفق مصالحه، أما إذا استطاعت القوى المدنية والسياسية والمجتمعية والوطنية أن تبلور خطاباً مشتركاً يضع إنهاء الحرب وحماية المدنيين واستعادة الدولة المدنية وسيادة القانون في مركزه، فإن الانقسام الدولي يمكن أن يتحول من مصدر خطر إلى مساحة للمناورة السياسية.
وقد يكون من أكثر التعبيرات دقة في توصيف هذه اللحظة ما ذهب إليه عثمان حلمي عباس حين دعا إلى الانتقال من دبلوماسية المواقف إلى «هندسة المصالح»، بحيث تدخل الخرطوم، أو أي قيادة وطنية تمثل السودانيين بصورة حقيقية، في مشاورات تفصيلية مع موسكو وبكين وغيرهما قبل انعقاد جلسات المجلس، لا بهدف طلب الحماية وإنما لتقديم تصور سوداني للمصالح المشتركة، ويمكن لهذا التصور أن يفتح ملفات البحر الأحمر والثروات المعدنية النادرة والطاقة والتعاون العسكري والأمني، في إطار شراكات متوازنة تحفظ السيادة السودانية ولا تسمح بتحويل هذه الملفات إلى أدوات ابتزاز.
فالولايات المتحدة تريد وقف الحرب وتقييد الدعم العسكري الخارجي، وروسيا تريد الحفاظ على نفوذها ومصالحها، والصين تنظر إلى السودان من زاوية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، والدول الإقليمية تتحرك وفق أمنها القومي وحساباتها الحدودية والاقتصادية، وهذه كلها مصالح يمكن للسودان أن يتعامل معها إذا امتلك دولة وسياسة خارجية وموقفاً وطنياً، لكنها تتحول إلى أوراق في يد الآخرين عندما يدخل السودانيون إلى التفاوض من مواقع متفرقة





