السلطة الرابعة وشرف الكلمة

طارق فرح
يُقال عن الصحافة إنها «السلطة الرابعة». ولم تأتِ هذه التسمية من فراغ. فالصحافة سلطة رقابة ومساءلة، تستمد قوتها من ثقة الناس بها.
ومن هنا، فإن دور الصحفي يبدأ حين يسأل: هل ما قيل صحيح؟ وهل يحتاج إلى توضيح أو تصحيح؟
أحيانًا يشعر المرء أن بعض الخطاب الإعلامي صار موجهًا إلى الطرف الآخر أكثر مما هو موجه إلى المواطن. يكتب الإعلامي وكأنه في مواجهة خصم يريد أن يهزمه، فيتحول المنبر تدريجيًا من مساحة لتنوير الناس إلى جزء من الخصومة نفسها.
وهذا ما يجعل الحديث عن الصحافة في السودان اليوم أمرًا يستحق التوقف عنده، خصوصًا بعد اللقاء الذي جمع رئيس مجلس السيادة بعدد من الصحفيين في الخرطوم.
فقد وردت خلال اللقاء معلومات ووقائع بدت غير دقيقة، وبعضها كان يحتاج إلى التحقق والتوضيح. لكن اللافت أن أحدًا لم يتوقف عندها بالسؤال.
وقد لا يكون اللقاء في مقام الأسئلة والأجوبة، لكن ذلك لا يعفي الصحفي من مسؤوليته. كان يمكن العودة إلى ما قيل، والتحقق منه، والتنبيه إلى ما يحتاج إلى تصحيح.
فالمعلومة غير الصحيحة، عندما تُترك دون تصحيح، لا تبقى مجرد معلومة عابرة. وعندما تتكرر على المنابر يومًا بعد يوم، قد تتحول مع الوقت إلى حقيقة، ثم إلى واقع يُبنى عليه الموقف والحكم.
فالصحفي ليس موظفًا عند السلطة، ولا خصمًا لها. وظيفته أن يحتفظ بالمسافة التي تمكنه من أن يسأل ويتحقق وينقل الحقيقة، حتى عندما لا تكون في مصلحة أي طرف.
وفي السودان تجربة طويلة مع الدكتاتوريات والحكم العسكري، شهدت فيها السلطة الرابعة تراجعًا في مصداقيتها عندما ضاقت مساحة النقد، وأصبح الإعلام أقرب إلى ترديد خطاب السلطة من مساءلته.
ولهذا فإن الحديث عن «السلطة الرابعة» ليس مجرد لقب. إنه تذكير بأن الصحافة وُجدت لتراقب وتسأل وتكشف، وأن قربها من السلطة لا ينبغي أن يكون على حساب قربها من المواطن.
ومن حق الصحفي أن تكون له قناعاته ومواقفه، وأن يؤيد أو يعارض. لكن عليه أن يميز بين رأيه وبين الخبر، وأن يظل في الخبر ملتزمًا بالحقيقة والتحقق.
وهذا الأمر يصبح أكثر أهمية في زمن الحرب. فالسودان يحتاج إلى صحافة تضع المواطن في مقدمة اهتمامها، وتتذكر أن وراء كل خبر إنسانًا يعيش الحرب ويدفع ثمنها.
ملايين النازحين ينتظرون العودة إلى بيوتهم، وبلد أنهكته الحرب يحتاج أن يتوقف النزيف.
ومن هنا، فإن الصحفيين الذين اكتسبوا ثقة الناس خلال هذه السنوات تقع عليهم مسؤولية كبيرة في الحفاظ عليها، واستخدام منابرهم لنصرة الحقيقة، وفتح الطريق أمام صوت السلام.
فالسلام الحقيقي لا يقوم على إخفاء الحقيقة، كما أن نصرة الحقيقة لا تعني التحول إلى طرف في الحرب.
المطلوب أن ينحازوا إلى المواطن: إلى حقه في المعرفة، وفي العودة إلى بيته، وإلى حق السودان في أن تتوقف هذه الحرب.
وقد تتغير الحكومات وتنتهي الحروب، لكن ما يكتبه الصحفي يبقى شاهدًا على المرحلة.
وسيسأل الناس يومًا: ماذا قالت الصحافة عندما كان الوطن يحترق؟ هل اكتفت بنقل روايات المتحاربين، أم احتفظت بمسافتها وحقها في السؤال والنقد؟
هنا تحديدًا يظهر *شرف الكلمة*.
فشرف الكلمة أن تُقال لأنها حق، لا لأنها ترضي سلطة أو جمهورًا. فالصحفي يستطيع أن يملك موقفًا، لكنه لا يملك الحقيقة وحده.
وعندما تتعارض الحقيقة مع موقفه، هناك تحديدًا تبدأ مسؤولية الكلمة. وفي وطن أنهكته الحرب، ربما تكون أعظم خدمة تقدمها الصحافة أن تساعد السودانيين على أن يسمع بعضهم بعضًا من جديد، وأن تفتح الطريق أمام السلام وعودة النازحين.
فالكلمة قد تباعد بين الناس وقد تزيد الخصومة، لكنها تستطيع أيضًا أن تكون نورًا في آخر هذا النفق.
والسودان اليوم أحوج ما يكون إلى هذا النور.





