الكلور يخنق حلم البرهان

إبراهيم هباني
ليس كل ما يحدث في الحرب ينتهي بانتهائها. هناك جرائم تبقى حية بعد صمت المدافع، وتطارد أصحابها حين تتغير الحكومات، ويسقط الحلفاء، وتُفتح الأرشيفات. واستخدام السلاح الكيميائي واحد من تلك الملفات التي لا يطويها اتفاق سياسي، ولا تمحوها بيانات النصر.
لهذا، لا يصح التعامل مع الاتهامات الموجهة إلى الجيش السوداني باستخدام غاز الكلور باعتبارها مجرد فصل في الحرب الإعلامية بين طرفين. الاتهام جدي، والجهات التي تبنته ليست صفحات مجهولة على مواقع التواصل.
أعلنت الولايات المتحدة، في مايو 2025، أنها خلصت إلى استخدام القوات المسلحة السودانية أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وفرضت على السودان عقوبات مرتبطة بذلك. كما ظهرت تحقيقات صحافية تحدثت عن قرائن على استخدام غاز الكلور قرب مصفاة الجيلي، شمال الخرطوم.
وفي المقابل، نفت سلطة الجيش الاتهامات، وأعلنت تشكيل لجنة وطنية للتحقيق فيها.
هذه المعطيات لا تمثل حكمًا قضائيًا نهائيًا، لكنها لا تسمح أيضًا بتبرئة الجيش أو إغلاق القضية بوصفها مؤامرة خارجية. فالبراءة لا تصدر ببيان من المؤسسة المتهمة، والتحقيق الذي تجريه السلطة مع نفسها لن يكون كافيًا لحسم ملف بهذه الخطورة.
لم يعد السؤال: هل صدرت اتهامات؟ لقد صدرت بالفعل، وترتبت عليها عقوبات. السؤال الآن: هل استُخدم الكلور؟ ومن نقله وخزنه؟ ومن أصدر الأمر؟ ومن كان يعلم؟
الكلور مادة مدنية تُستخدم في تنقية المياه والصناعة، لكنه يتحول قانونيًا إلى سلاح كيميائي عندما يُستخدم عمدًا لإيذاء البشر بخصائصه السامة. ولا يغير من ذلك أن تكون العبوة قد خرجت من مصنع مدني، أو أن المادة لم تُنتج أصلًا داخل مختبر عسكري. القانون ينظر إلى الغرض من استخدامها، لا إلى الاسم المكتوب على أسطوانتها.
وتلك هي النقطة التي أسقطت دفاعات حكومات وجيوش من قبل. فقد حاولت أنظمة متهمة باستخدام المواد السامة الاختباء خلف طبيعتها الصناعية، أو التشكيك في العينات، أو اتهام خصومها بفبركة الوقائع. لكنها اكتشفت أن ملف السلاح الكيميائي يختلف عن غيره من ملفات الحرب؛ لأنه يُبنى من شظايا المقذوفات، وعينات التربة، والملابس، والسجلات الطبية، وحركة الطائرات، ومسارات التخزين، وشهادات الجنود والناجين.
لذلك، لا يكفي أن تقول قيادة الجيش السوداني إنها لم تستخدم أسلحة كيميائية. والطريق الأقصر إلى نفي الاتهام هو فتح المواقع والسجلات أمام تحقيق دولي مستقل، والسماح للخبراء بجمع العينات، وضمان حماية الشهود، والتحقيق في الوحدات التي كانت تعمل في المناطق المشتبه بها.
أما تشكيل لجنة وطنية تخضع، بصورة أو أخرى، للسلطة العسكرية نفسها، فقد يكون إجراءً إداريًا مطلوبًا، لكنه لن يقنع العالم وحده. فالمتهم لا يختار المحقق، ويحدد له حدود البحث، ثم يعلن النتيجة ويطالب الجميع بتصديقها.
الإدانة الأخلاقية تسبق هنا الحساب السياسي والعسكري. فالجيش الذي يقول إنه يقاتل من أجل الدولة لا يستطيع استخدام وسيلة تهدم معنى الدولة. والمؤسسة التي يُفترض أن تحمي شعبها تفقد مبرر وجودها إذا تحول الهواء نفسه إلى سلاح ضد ذلك الشعب.
ولا تمنح جرائم قوات الدعم السريع الجيش رخصة لارتكاب جريمة أخرى. فما ارتكبته قوات الدعم السريع من قتل واغتصاب ونهب وتهجير لا يحتاج إلى تخفيف أو تبرير، لكن جرائم طرف لا تمحو جرائم الطرف الآخر. العدالة ليست عملية مقايضة، ولا تصبح مقبرة دليلًا على براءة مقبرة أخرى.
السودانيون ليسوا مضطرين للاختيار بين من يقتلهم بالرصاص ومن يخنقهم بالغاز.
يبقى السؤال الأصعب: هل يمكن أن يصل ملف الكلور إلى عبد الفتاح البرهان شخصيًا؟
التجارب الدولية تقول إن المسؤولية لا تتوقف بالضرورة عند الجندي الذي أطلق المقذوف، ولا عند الضابط الذي أشرف على العملية. يبدأ التحقيق من المنفذ، ثم يصعد نحو من خطط وأجاز وعلم وسكت. ويمكن أن يتحمل القائد المسؤولية إذا ثبت أنه أصدر الأمر، أو عرف بالجريمة، أو كان ينبغي له أن يعرف بها، ثم لم يمنعها ولم يحاسب مرتكبيها.
والبرهان ليس قائدًا لوحدة بعيدة يمكنه الادعاء بسهولة بأنه لا يعرف ما يجري فيها. إنه القائد العام للجيش، ورئيس مجلس السيادة، وصاحب السلطة الأعلى داخل المؤسسة العسكرية. لذلك فإن أي تحقيق جدي لن يتوقف عند مخازن الكلور أو أطقم الطائرات، بل سيبحث في سلسلة القيادة حتى نهايتها.
قد لا توجد ورقة تحمل توقيع القائد، لكن الجرائم الكبرى لا تُدار دائمًا بالأوراق. قد تكشفها الاتصالات والاجتماعات وحركة المواد وتوقيت العمليات وإفادات الشهود. وقد تتحول أي محاولة لإخفاء الأدلة أو إرهاب الشهود من وسيلة للحماية إلى جزء من ملف الاتهام.
هذا ما تقوله التجارب الدولية. قد تتأخر المحاسبة، وقد تحمي التحالفات السياسية قائدًا لسنوات، وقد تعطل المصالح الدولية الوصول إلى المحكمة، لكن تهمة السلاح الكيميائي لا تموت بسهولة. تبقى في تقارير الدول والمنظمات، وفي ملفات العقوبات ومنع السفر، ثم تظهر مجددًا عندما تتغير موازين القوى.
وقد ينجو المسؤول من المحكمة اليوم، لكنه يخسر شرعيته غدًا. وقد يبقى في القصر، لكنه يصبح عاجزًا عن تمثيل بلاده، أو التفاوض باسمها، أو نيل الاعتراف الذي ظل يبحث عنه.
وهنا يلتقي ملف الكلور بحلم قديم.
في بداية صعوده، روى عبد الفتاح البرهان أن والده كان يحلم بأن يصبح ابنه رئيسًا للسودان. وقد تحقق من الحلم ما أوصله إلى القصر، لكنه لم يمنحه الشرعية، ولم يضمن له الطريقة التي سيخرج بها منه.
إذا ثبت أن الجيش استخدم الكلور، وأن قيادته أمرت أو علمت أو تسترت، فلن يكون السؤال: هل أصبح البرهان رئيسًا؟ بل: بأي صفة سيذكره التاريخ، وأمام أي جهة سيقف؟
كان الأب يحلم بأن يصبح ابنه رئيسًا للسودان. لم يحلم، بالتأكيد، بأن يصبح الكلور هو العنوان الأخير لرئاسته.





