أسبوع في دهاليز مجلس حقوق الإنسان

 

نون كشكوش

ليست مهمة المدافعة عن حقوق الإنسان مهمة هينة.

أن تقضي أسبوعاً كاملاً في أروقة مجلس حقوق الإنسان، تنتقل من اجتماع إلى آخر، ومن جلسة إلى أخرى، وتحكي مرة بعد أخرى عن معاناة شعب كامل، ليس أمراً يمكن أن يمر من دون أن يترك خدوشاً عميقة في الروح.

نتحدث عن ضحايا النزوح القسري واللجوء، وعن أسر ضحايا القتل والاختفاء القسري، وعن المعتقلين وضحايا التعذيب، وعن النساء والفتيات والناجين والناجيات من العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وعن أطفال فقدوا بيوتهم ومدارسهم وأمانهم.

نتحدث عن مدن دُمرت، ومستشفيات استُهدفت، وعن بنية تحتية أصبحت هدفاً للحرب، وعن شعب يدفع ثمن حرب لم يخترها.

في كل مرة ، نعيد رواية الألم ذاته. نعرض الأرقام، ونحمل شهادات الضحايا، ونقدم ما أمكن من أدلة ومعلومات. ومع كل مرة نشعر وكأن جزءاً من أرواحنا يُنتزع منا.

نرى في عيون من نلتقي بهم الكثير من التعاطف والقلق، ونسمع كلمات التضامن، ونلمس محاولات جادة لتقديم شيء للشعب السوداني.
السؤال الذي يظل يلاحقنا هو: ما يستطيع المجتمع الدولي أن يقدمه لشعب بهذا الحجم من المأساة؟

بيانات الإدانة مهمة، وآليات التحقيق مهمة، والمساعدات الإنسانية ضرورية. لكنها، مهما بلغت أهميتها، تظل أقل بكثير من حجم ما يحتاجه شعب مكلوم أنهكته الحرب.

ولهذا، فإن المعركة داخل مجلس حقوق الإنسان ليست معركة إجرائية أو دبلوماسية فحسب. إنها، بالنسبة لنا، معركة من أجل إبقاء أصوات الضحايا حاضرة،حتي لا تتحول الجرائم إلى أرقام منسيةً، و ليبقى الطريق نحو المساءلة والعدالة مفتوحاً.

في العام 2023 اصدر مجلس حقوق الإنسان قرارا بتشكيل بعثة تقصي الحقائق الخاصة بالسودان و هي الية تتمتع ضمن صلاحياتها بحق التحقيق و جمع الأدلة و فحصها و هو ما يميزها عن الاليات الاخري التي تعمل علي السودان مكتب المفوض السامي و الخبير المستقل و في كل عام يخوض المجتمع المدني معركة تضامن و مناصرة بغرض التجديد لولاية بعثة تقصي الحقائق مع استمرار الحرب و استمرار المخاطر التي يواجهها المدنيين .

في هذه الأيام، يبدأ التداول والمشاورات حول مشروع قرار جديد بشأن السودان، يتضمن في صيغته الحالية تجديد ولاية بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان لمدة عام إضافي، بالرغم من توقيع اكثر من سبعين منظمة و مؤسسة مجتمع مدني علي مذكرة تطالب بالتجديد لمدة عامين ،على أن يخضع مشروع القرار للمشاورات قبل التصويت المتوقع في الخامس من أكتوبر.

وتأتي أهمية هذا القرار في لحظة شديدة الخطورة، إذ يقر مشروع القرار بأن الأزمة الإنسانية والحقوقية في السودان ما زالت تتفاقم، وأن ملايين السودانيين بحاجة إلى المساعدة الإنسانية، فيما يستمر النزوح واللجوء وانعدام الأمن الغذائي وخطر المجاعة.

ويؤكد مشروع القرار بوضوح أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة السودانية، ويدعو إلى وقف فوري وكامل لإطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ودون عوائق، والعودة إلى مسار سياسي سوداني شامل تقوده القوى المدنية، مع مشاركة كاملة وذات معنى وآمنة للنساء والشباب.

كما يدين مشروع القرار الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، بما في ذلك القتل خارج نطاق القانون، والتعذيب وسوء المعاملة، والعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، والهجمات على المدنيين والبنية التحتية المدنية، وتجنيد الأطفال، والنهب، والاختفاء القسري والاعتقال التعسفي.

ويولي مشروع القرار اهتماماً خاصاً لما حدث في الفاشر ودارفور، بما في ذلك التقارير المتعلقة بالإعدامات الجماعية والاستهداف الإثني والتعذيب والعنف الجنسي والاختطاف، وهي أفعال قد تشير، وفق ما أوردته بعثة تقصي الحقائق، إلى مسار ينذر بخطر الإبادة الجماعية.

كما يعبر عن القلق البالغ إزاء تدهور الوضع في كردفان، ولا سيما في مدينة الأبيض ومحيطها، والتحذير من خطر وقوع فظائع واسعة النطاق ضد المدنيين.

وفي ملف العنف الجنسي، يشير مشروع القرار إلى أن العنف الجنسي المرتبط بالنزاع أصبح سمة مقلقة ومميزة للحرب في السودان، مع تعرض ملايين الأشخاص، وخاصة النساء والفتيات، وكذلك الرجال والفتيان، لخطر العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي.

ولا يتوقف المشروع عند توصيف الانتهاكات، بل يؤكد أن الإفلات من العقاب يشجع على تكرار الجرائم ويشكل عقبة أساسية أمام تحقيق السلام المستدام. ولذلك يدعو إلى تحقيقات سريعة وكاملة ومستقلة ونزيهة وشفافة وذات مصداقية في جميع الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها، مع التأكيد على أهمية دور المحكمة الجنائية الدولية.

ومن النقاط المهمة أيضاً دعوته إلى الحفاظ على الأدلة، باعتبار ذلك أمراً أساسياً للمساءلة المستقبلية، وكذلك لحقوق الضحايا في سبل الإنصاف وجبر الضرر والتعويض. تجديد ولاية البعثة ؟
يعني استمرار التحقيق في الجرائم، وتوثيقها، وحفظ الأدلة، والاستماع إلى الضحايا والناجين، وتحديد أنماط الانتهاكات والمسؤولين عنها، وإبقاء قضية السودان حاضرة أمام المجتمع الدولي.

وبموجب مشروع القرار، ستواصل البعثة عملها لمدة عام إضافي، وستقدم تحديثاً شفوياً إلى مجلس حقوق الإنسان في دورته الخامسة والستين، ثم تقريراً شاملاً في الدورة السادسة والستين، إضافة إلى عرضه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

كما سيُطلب من مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، بمساعدة الخبير المعين بشأن حقوق الإنسان في السودان، تقديم تقرير شامل عن حالة حقوق الإنسان والانتهاكات التي ارتكبتها جميع أطراف النزاع.

السلام الحقيقي يحتاج إلى حماية المدنيين، وإلى معالجة جذور النزاع، وإلى عدالة انتقالية شاملة، وإلى كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وجبر ضرر الضحايا، وضمان عدم تكرار
الجرائم و استمرار ارتكاب الفظائع.

ومن هنا تأتي أهمية تجديد ولاية بعثة
تقصي الحقائق.
نطلب من العالم ان يضع السودان ضمن أولوياته يساعد في حماية المدنيين، وأن يوقف تدفق السلاح الذي يغذي الحرب، وأن يدعم الوصول الإنساني، وأن يحافظ على الأدلة، وأن يساعد السودانيين في الوصول إلى العدالة.
فرص مرور القرار كبيرة بدعم المجموعة الاوربية مثل ألمانيا و هولندا و بريطانيا و النرويج و ايرلندا و بعض الدول الأفريقية مثل غانا و جنوب أفريقيا و دول اخري درجت العادة أن تحذو حذوهم و دول امريكا الجنوبية علي رأسها كولمبيا بالرغم من تورط عناصر و كيانات منهم في حرب السودان لكن موقف الدولة يظل منفصلا عنهم .
ما زالت سلطات حكومة بورتسودان تتعنت برفض البعثة موهمة نفسها و العالم بان لجنة التحقيق المشكلة من قبل النيابة العامة قادرة علي تحقيق العدالة .
وفي نهاية هذا الأسبوع الطويل في دهاليز مجلس حقوق الإنسان، وبين عشرات الاجتماعات واللقاءات والبيانات،
نأمل أن يحول العالم استماعه الي فعل و يرفع درجة الإنسانية في العالم .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى