التعليم تحت الخيام .. والسياحة في الفصول

افق جديد: ابتسام حسن
في وقت يفترض أن تنصرف فيه الجهود لإنقاذ العملية التعليمية من آثار الحرب والانهيار المتواصل، تتفاقم معاناة الطلاب والتلاميذ يوماً بعد آخر، وسط أزمات متلاحقة تضرب قطاع التعليم في البلاد. فبين تأخر العام الدراسي، وضعف المناهج، وتدهور أوضاع المعلمين.
برزت مؤخرا أزمة جديدة أثارت موجة واسعة من الغضب والاستنكار، بعد إخلاء مدرسة السرايا بمدينة دنقلا لصالح فعالية سياحية، في خطوة اعتبرها تربويون ومراقبون انتهاكاً صارخاً لحرمة المؤسسات التعليمية وحق الطلاب في بيئة دراسية آمنة وكريمة.
ويعتبر التلاميذ والطلاب من أكثر الفئات التي اكتوت بنار الحرب في البلاد التي دخلت عامها الرابع، حيث واجهوا العديد من المشكلات، أبرزها تأخر العام الدراسي، إلى جانب أزمات المناهج الدراسية التي ظلت، منذ فترة طويلة، محل انتقادات حادة من التربويين.
وأكد التربيون أن المناهج الحالية لا تهتم بترقية عقول الطلاب أو تطوير قدراتهم الذهنية، بل وُضعت – بحسب وصفهم – على أساس تخريج داعية إسلامي وفق سياسات الدولة، دون مراعاة لاحتياجات الطلاب الفكرية والمعرفية.
وفي الفترة الأخيرة، انتشرت شائعات حول تغيير منهج الصف السادس أساس والصف الثالث المتوسط، وهو ما اعتبره تربويون أمرا قد يؤثر سلباً على الحالة النفسية للتلاميذ.
كما أن قضية حقوق المعلمين والمطالبة بها أثر كبير على الطلاب والتلاميذ، بعد أن لجأ المعلمون إلى الإضراب للمطالبة بحقوقهم، في ظل مرتبات لا يتجاوز الحد الأدنى منها 12 ألف جنيهاً.
ولم يجف حبر المطالبة بالحقوق حتى برزت أزمة جديدة أثارت غضب المواطنين والطلاب والمعلمين، تمثلت في رفض واستنكار إخلاء مدرسة السرايا بمدينة دنقلا لصالح فعالية سياحية.
وتابع السودانيون بالولاية الشمالية ببالغ القلق والاستنكار إخلاء عدد من الفصول الدراسية ومكاتب المعلمات بمدرسة الشهيد كمال علي مختار الثانوية بنات (السرايا) بمدينة دنقلا، وتحويلها إلى متحف ضمن فعاليات “دنقلا عاصمة الثقافة”، الأمر الذي أدى إلى إجبار الطالبات على أداء امتحانات الشهادة السودانية داخل خيام تفتقر لأبسط مقومات البيئة التعليمية والإنسانية.
وأكدت لجنة المعلمين السودانيين أن ما حدث لا يمكن تبريره باعتباره إجراء إدارياً مؤقتا، واعتبرت أنه يمثل انتهاكًا صريحا لحق الطالبات في بيئة تعليمية آمنة وكريمة، واستخفافا بمكانة المؤسسات التعليمية ودورها المحوري في بناء المجتمع.
رمز تعليمي وتاريخي :
تعد مدرسة السرايا مؤسسة تعليمية عريقة ورمزاً تاريخيا لنضال تعليم البنات في الولاية الشمالية، حيث يمثل أي مساس بها أو بوظيفتها التعليمية تعدياً على ذاكرة المجتمع وحقوق أجياله.
وأعلنت لجنة المعلمين رفضها القاطع لاستخدام المؤسسات التعليمية كمقار للفعاليات السياحية أو الثقافية تحت أي مبرر، كما أدانت بشدة إجبار الطالبات على أداء الامتحانات داخل خيام، لما في ذلك من انتهاك واضح لحقوقهن التعليمية والإنسانية.
وحمّلت اللجنة في بيان الجهات المسؤولة، وعلى رأسها وزارة التربية والتعليم والسلطات الولائية، المسؤولية الكاملة عن التداعيات النفسية والتعليمية التي ترتبت على هذا القرار.
وطالبت بالإيقاف الفوري لاستخدام المدرسة في أي أنشطة غير تعليمية، والعمل على إعادة تهيئة البيئة الدراسية بصورة عاجلة تضمن كرامة الطالبات والمعلمات.
و دعت وزارة السياحة والجهات المنظمة للفعاليات إلى اختيار مواقع بديلة لا تمس المؤسسات التعليمية، بما يحقق التوازن بين الأنشطة الثقافية وحق التعليم.، مؤكدة أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتم على حساب التعليم، وأن أي مشروع ثقافي أو سياحي يفقد قيمته عندما يؤدي إلى إضعاف دور المدرسة أو إزاحتها عن وظيفتها الأساسية.
كما دعت اللجنة جماهير الولاية الشمالية والقوى المجتمعية ومنظمات المجتمع المدني إلى الوقوف صفاً واحداً دفاعاً عن حق الطالبات في تعليم كريم وآمن، وصونا للمؤسسات التعليمية من العبث والقرارات غير المدروسة.، مؤكدة ” أن التعليم حق لا يساوم عليه، وان كرامة الطالبات خط أحمر.”

إخلاء المدرسة .. أمر بالغ الخطورة :
اعتبر مراقبون قرار إخلاء مدرسة السرايا بمدينة دنقلا، تمهيدا لاستخدامها في فعالية سياحية، بأنه أمر بالغ الخطورة وانتهاك صريح لإحدى المؤسسات التعليمية العريقة، مؤكدين أن مثل هذه الخطوة تمثل امتداداً لسلسلة من الانتهاكات التي طالت المؤسسات التعليمية خلال فترة الحرب.
وأشار المراقبون إلى أن عدداً من المدارس تعرضت سابقاً لتحويلها إلى ثكنات عسكرية أو لاستخدامات أخرى غير تعليمية، الأمر الذي يستوجب ” وقفة حازمة ضد هذه التجاوزات، حمايةً لحرمة المؤسسات التعليمية وضماناً لاستمرار العملية التعليمية بصورة طبيعية” على حد قولهم.
واعتبروا أنه من المؤسف أن تصدر مثل هذه الممارسات من جهات يفترض أن تكون مسؤولة عن حماية التعليم وتهيئة بيئة مناسبة للطلاب، لا العكس، متسائلين عن أولوية التعليم مقارنة بالأنشطة السياحية، وكيف يحرم الطلاب من حقهم في أداء امتحاناتهم داخل فصولهم، بينما يضطرون لأدائها في العراء وفق ما ورد في بعض التقارير.
ووصف المراقبون ما يحدث بأنه مؤشر مقلق على ضعف الحساسية تجاه قطاع التعليم، في وقت يتطلب فيه الوضع مزيدا من الاهتمام بصون المؤسسات التعليمية وعدم إخراجها عن الغرض الذي أُنشئت من أجله.
من جانبها، دعت الخبيرة التربوية درية محمد بابكر جميع فئات المجتمع إلى التصدي لما وصفتها بالممارسات غير المسؤولة، قالت لـ”أفق جديد” إنها باتت تهدد بنية المدارس وتضعف مؤسسات التعليم في البلاد.
بدوره اعتبر مدير مكتب الإدارة التربوية، الإمام عبد الباقي الإمام، أن الخطوة تمثل تصرفا غير مقبول، مؤكدا أن المؤسسات التربوية لا يجوز استخدامها أو استغلالها لأي نشاط خارج الغرض الذي أُنشئت من أجله، وهو التعليم دون سواه.
وقال لـ”أفق جيد” إن إدارة التعليم، مهما كانت الظروف، تعد شريكا في هذا السلوك الذي لم يراعِ حرمة المؤسسة التعليمية، ولا الوضع النفسي للطلاب الذين كانوا يتهيأون لاستقبال عام دراسي مستقر، واستكمال دروسهم في بيئة محفزة ومناسبة للتحصيل الأكاديمي.





