الأحزاب السودانية.. الحاجة إلى نقدٍ ذاتي قبل فوات الأوان

بقلم : عادل يعقوب أحمدنور

ظلت الأحزاب السياسية السودانية، منذ الاستقلال، تقدم نفسها بوصفها حارسة للديمقراطية وضمير الأمة، حاملة مشاعل الحرية وبوابة الوعي والوطنية، غير أن التجربة التاريخية تكشف أن هذه الأحزاب كانت، في كثير من الأحيان، جزءًا من أزمة الدولة السودانية أكثر من كونها جزءًا من الحل. فالسودان الذي تعاقبت عليه الانقلابات والحروب والانقسامات، لم يسقط فقط بسبب عسكرة السياسة، بل أيضًا بسبب فشل النخب الحزبية في بناء مشروع وطني حديث يتجاوز الطائفية الجهوية والمصالح الضيقة.

إن النقد الذاتي الذي تحتاجه الأحزاب السودانية اليوم لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية. فالأحزاب التي لا تراجع أخطاءها محكوم عليها بإعادة إنتاج الفشل ذاته، مهما تغيرت الشعارات أو تبدلت القيادات.

أولى أزمات الأحزاب السودانية أنها ظلت أسيرة الزعامة التاريخية والعائلية. ففي كثير من الأحيان، تحولت الأحزاب إلى ما يشبه الإرث الاجتماعي، تُدار بعقلية الولاء لا الكفاءة، وبمنطق الطاعة لا الحوار. وبدلًا من أن تكون مؤسسات ديمقراطية حقيقية، أصبحت كيانات مغلقة تخشى التجديد وتقاوم صعود الأجيال الجديدة. لذلك ظل الشباب، الذين صنعوا التحولات الكبرى في الشارع السوداني، يشعرون بأن الأحزاب تتحدث باسمهم لكنها لا تمثلهم فعليًا.

كما أخفقت الأحزاب في إنتاج مشروع وطني جامع يعترف بتنوع السودان الثقافي والإثني والاجتماعي. فمنذ الاستقلال، ظلت النخب السياسية تدير البلاد بعقلية المركز، بينما بقيت الأطراف تعاني التهميش والفقر وغياب التنمية. هذا الفشل التاريخي ساهم في تغذية النزاعات المسلحة، وأضعف الإحساس بالانتماء الوطني لدى كثير من المجموعات التي شعرت أن الدولة لا تعبر عنها.

ومن أخطر أخطاء الأحزاب السودانية أنها كثيرًا ما استعانت بالمؤسسة العسكرية لحسم صراعاتها السياسية، ثم اكتشفت متأخرة أن العسكر حين يدخلون السياسة لا يغادرونها بسهولة. لقد ساهمت القوى المدنية نفسها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إضعاف التجربة الديمقراطية، سواء بالصراعات الحزبية الضيقة أو بالعجز عن إدارة التوافق الوطني.

كذلك عانت الأحزاب من انفصال واضح عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي للمواطن. فبينما كان الناس يواجهون الأزمات الاقتصادية وتدهور الخدمات والحرب والنزوح والانهيار المعيشي، ظلت بعض القوى السياسية غارقة في معارك جانبية لا تنتمي لواقع معاش الناس، وتحالفات بينية لتقاسم النفوذ والتموضع في قلب السلطة والثروة، لهذا فقدت الجماهير ثقتها تدريجيًا في الخطاب السياسي التقليدي، وبدأت ترى أن الصراع على السلطة أهم لدى النخب من معاناة الشعب نفسه.

غير أن النقد الذاتي الحقيقي لا يعني جلد الذات أو إنكار التاريخ الوطني لبعض الأحزاب، بل يعني الاعتراف بالأخطاء والشجاعة في مراجعتها. فالأحزاب التي تريد البقاء يجب أن تعيد بناء نفسها كمؤسسات حديثة تقوم على الديمقراطية الداخلية، والشفافية، وتجديد القيادات، وإشراك الشباب والنساء، والانفتاح على قضايا المجتمع الحقيقية بعيدًا عن الخطابات القديمة.

تحت وطأة هذه الحرب تصدعت كثير من القناعات والولاءات الحزبية القديمة، وصارت الشعارات مجرد لافتات من قطعة قماش مهترئة، لا تسمن ولا تغني عن الحقيقة شيئًا، وفقد المواطن الثقة في زعامات كانت مرجوة.

إن السودان بعد الحرب لن يكون كما كان قبلها. فحجم الدمار والانقسام يفرض على الجميع إعادة التفكير في شكل الدولة والسياسة والعلاقة بين المركز والهامش. وإذا لم تدرك الأحزاب السودانية هذه الحقيقة، فإنها قد تجد نفسها خارج التاريخ، بينما تنشأ قوى جديدة أكثر التصاقًا بالواقع وأكثر قدرة على التعبير عن تطلعات الناس.

فالسودان الآن يحتاج إلى أحزاب برامجية تخاطب حاجة المواطن البسيط لا خطابات أيديولوجية تعمق من الانقسام المجتمعي.

السؤال الذي ينبغي أن تواجهه الأحزاب السودانية بشجاعة هو: هل تملك القدرة على مراجعة نفسها فعلًا، أم أنها ستواصل الدوران داخل الحلقة القديمة ذاتها؛ انقسام، تحالف مؤقت، صراع على السلطة، ثم سقوط جديد؟

للإجابة على هذا السؤال، على الأحزاب تفكيك المنظومة التي تكبلها وتستسهل الإجابة على الأسئلة العميقة،

فالأوطان لا تنهار فقط بسبب الحروب، بل أيضًا حين تعجز نخبها عن التعلم من أخطائها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى