أجيال السودان وإهمال التعليم (15)

عثمان يوسف خليل
تعليم الكبار… حين يتعلم الجيل ليُعلّم جيلًا آخر
قبل أن نذهب إلى الحديث عن التعليم الرقمي، ربما علينا أن نتوقف عند قضية أقدم… لكنها لا تقل إلحاحًا:
تعليم الكبار ومحو الأمية.
يقينًا أن هذا الملف، رغم بساطته الظاهرة، يحمل في داخله مفتاحًا مهمًا لأي نهضة حقيقية. لأن الإنسان المتعلم لا يغيّر نفسه فقط… بل يغيّر من حوله.
لماذا تعليم الكبار مهم؟
نحن حين نتحدث عن محو الأمية، لا نتحدث فقط عن القدرة على القراءة والكتابة، بل عن فتح نافذة كاملة على العالم.
الإنسان الذي يتعلم:
- يصبح أكثر وعيًا بحياته.
- أكثر قدرة على اتخاذ القرار.
- أكثر مشاركة في مجتمعه.
والأهم من ذلك، أنه يصبح قادرًا على دعم تعليم أبنائه.
وهنا تتضح الفكرة الأساسية:
الإنسان المتعلم… يبني جيلًا متعلمًا.
إن الأمية ليست جهلًا فقط… بل عزلة. فالشخص الذي لا يقرأ ولا يكتب، لا يُحرم من المعرفة فقط، بل يُعزل عنها. وكذلك، وهو الأخطر، أنه بالطبع لا يستطيع متابعة الإرشادات الصحية، ولا حتى فهم حقوقه، ولا التعامل بسهولة مع متطلبات الحياة الحديثة.
لهذا، فإن تعليم الكبار ليس مشروعًا تعليميًا فقط، بل مشروع إنساني واجتماعي شامل.
التثقيف الصحي والتوعوي… أثر مباشر
من أهم ما يقدمه تعليم الكبار، هو فتح باب التوعية:
- فهم أساسيات الصحة والوقاية.
- التعامل مع الأمراض بوعي.
- معرفة أهمية التعليم للأبناء.
- المشاركة في قضايا المجتمع.
وهنا يصبح التعليم أداة لحماية الإنسان، لا مجرد وسيلة للمعرفة.
بين الحكمة القديمة والواقع اليوم
كنا نسمع ونحن صغار:
“اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد”.
وربما لم نكن ندرك وقتها عمق هذه العبارة. لكنها اليوم تبدو أكثر واقعية من أي وقت مضى.
فالتعلم لا يرتبط بعمر، ولا يتوقف عند مرحلة.
كما كنا نسمع أيضًا:
“اطلبوا العلم ولو في الصين”.
وكانت الصين، في خيالنا آنذاك، أبعد من القمر. لكن المعنى لم يكن في المسافة، بل في الإصرار:
أن المعرفة تستحق السعي، مهما كانت بعيدة.
ما الذي نحتاجه اليوم؟
إن تعليم الكبار في السودان يحتاج إلى نظرة جديدة:
- برامج مرنة تناسب ظروف العمل والحياة.
- مراكز قريبة من الناس، لا بعيدة عنهم.
- ربط التعليم بحاجات الحياة اليومية.
- استخدام وسائل بسيطة ومباشرة.
والأهم:
إزالة الحرج الاجتماعي المرتبط بالأمية، لأن كثيرين لا يتعلمون… ليس لعدم الرغبة، بل خوفًا من نظرة الآخرين.
في النهاية… من أين تبدأ النهضة؟
ربما نظن أن البداية دائمًا مع الأطفال، وهذا صحيح جزئيًا. لكن أحيانًا، تبدأ النهضة حين نُعيد تعليم الكبار.
وحين يتعلم الأب، تتغير نظرة البيت.
وحين تتعلم الأم، يتغير مستقبل الأسرة.
وحين يتعلم المجتمع، تتغير وجهته كلها.
التعليم، يا سادتي، لا عمر له… ولا بداية واحدة له.





