من صادر الوطن يطالب أهله بالصبر

خرج عبد الفتاح البرهان في خطابه الأخير يناشد السودانيين بالصبر. دعاهم إلى تحمل انقطاع الكهرباء وشح الوقود وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات، وكأن البلاد تمر بأزمة عابرة، لا بحرب دخلت عامها الرابع وحولت السودان إلى واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في العالم.
لكن قبل أن يطالب الناس بالصبر، من حقهم أن يسألوا: على ماذا نصبر؟
هل يصبر من فقد منزله وأصبح نازحا داخل وطنه؟ أم من حمل أطفاله وعبر الحدود بحثا عن الأمان؟ أم من فقد أبناءه وأصدقاءه ومصدر رزقه؟ أم من يقضي يومه بين طوابير الخبز والماء والوقود والدواء، بينما أصبح انقطاع الكهرباء جزءا من تفاصيل الحياة اليومية؟
لقد انتهكت الحرب كرامة السودانيين قبل أن تدمر مدنهم. وتشردت ملايين الأسر داخل البلاد وخارجها، ولولا أن دولا عديدة فتحت أبوابها واستقبلت الفارين من الموت، وقدمت لهم المدارس والمستشفيات وفرص العمل والحياة، لكانت الكارثة أكبر بكثير مما يراه العالم اليوم. بينما بقيت السلطة تطلب من الذين فقدوا كل شيء أن يصبروا على ما تبقى منهم.
لكن المأساة لم تبدأ في الخامس عشر من أبريل. فقد كان أمام البرهان، منذ سقوط نظام عمر البشير، طريق واضح يقود إلى دولة مدنية مستقرة. تعهد بحماية الانتقال الديمقراطي، وتعهد بحماية الثوار المعتصمين أمام القيادة العامة، على بعد أمتار من مكتبه ومقر إقامته، لكن ذلك الحلم انتهى إلى فض الاعتصام، ثم إلى مسار سياسي مرتبك، ثم إلى تعطيل الانتقال الديمقراطي.
بعدها خرجت مواكب الزحف الأخضر، وأغلق ميناء بورتسودان، وخنقت حكومة عبد الله حمدوك اقتصاديا وسياسيا، ثم وقع انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، واعتقل رئيس الوزراء وزوجته، وعاد السودان سنوات إلى الوراء.
وحين ظهر الاتفاق الإطاري باعتباره آخر فرصة لتجنب الانهيار، دافع عنه البرهان بنفسه، واستضاف اجتماعاته داخل مكتبه، لكن في اللحظة الحاسمة، عند مناقشة إصلاح المؤسسة العسكرية والترتيبات الأمنية، غاب عن المشهد، وتركت الأزمة تتفاقم حتى انفجرت الاشتباكات في المدينة الرياضية، وهي الشرارة التي حذرت منها قوى إعلان الحرية والتغيير مرارا، قبل أن تتحول إلى حرب أحرقت البلاد.
اليوم لا يدفع ثمن تلك الأخطاء الجنرالات ولا السياسيون، بل المواطن البسيط. المواطن الذي فقد بيته، ووظيفته، ومدرسته، ومستشفاه، وأصبح يحمل وطنه في حقيبة سفر أو ينتظر وجبة إعاشة في معسكر نزوح.
هذه ليست مجرد حرب بين الجيش والدعم السريع، بل هي أيضا نهاية مأساوية لصراع على السلطة بين الحركة الإسلامية وحليفها الذي صنعته سنوات الشراكة والتمكين، بينما وجد الشعب نفسه وحيدا في منتصف المعركة، بلا دولة تحميه ولا مؤسسات تخفف عنه الألم.
ومن هنا تبدو مناشدة البرهان بالصبر أكثر قسوة من الحرب نفسها. لأن من يجلس في موقع السلطة ويملك القرار لا يطلب من الضحايا مزيدا من الاحتمال، بل يقدم لهم طريقا للخروج من الكارثة.
فماذا يأمل الجنرال الذي حير العالم؟
هل يأمل أن ينسى السودانيون وعود حماية الثورة؟ أم أن يتجاوزوا الانقلاب على الانتقال الديمقراطي؟ أم أن يعتادوا النزوح واللجوء وانقطاع الكهرباء والجوع باعتبارها تفاصيل طبيعية في حياة شعب يستحق الأفضل؟
لقد صبر السودانيون أكثر مما ينبغي. صبروا على الانقلابات، وعلى الشعارات، وعلى الوعود، وعلى الحرب، وعلى الفقد، وعلى الغياب الكامل للدولة.
لكن الشعوب لا تعيش بالصبر وحده، ولا تبنى الأوطان بالخطب، ولا تستعاد الكرامة بمناشدات تصدر من حاكم بقوة السلاح والأمر الواقع.
ولهذا لم يعد السؤال متى تعود الكهرباء أو الوقود أو الخدمات، بل متى يستعيد السودانيون وطنهم من دوامة الحرب، ويعود الحكم إلى إرادة الناس لا إلى فوهة البندقية.
#ماعدا_المؤتمر_الوطني #لاللحرب
#كيزان_حرامية





