الأطفال المكفوفون في مواجهة الحرب.. رحلة شاقة نحو مقاعد الدراسة

أفق جديد

بين جدرانٍ أنهكتها القذائف، وفصول دراسية فقدت تجهيزاتها، يحاول معهد النور لتعليم المكفوفين بمدينة بحري استعادة دوره التعليمي بعد أن ألقت الحرب بظلالها الثقيلة على المؤسسة القومية الوحيدة المتخصصة في تعليم المكفوفين بالسودان.

المعهد الذي ظل لعقود نافذةً للمعرفة والأمل لمئات الطلاب من مختلف ولايات البلاد، وجد نفسه أمام تحديات غير مسبوقة بعد تعرض مرافقه للتدمير والنهب، بما في ذلك مطبعة برايل ومعامل الحاسوب والوحدة الصحية ووسائل ترحيل الطلاب.

ورغم حجم الخسائر، تواصل إدارة المعهد والعاملون فيه جهودهم لإعادة الحياة إلى المؤسسة واستئناف العملية التعليمية، إدراكًا منهم لأهمية التعليم بالنسبة للأطفال المكفوفين الذين تسببت الحرب في حرمان كثير منهم من الدراسة.

تاريخ النشأة

يُعد معهد النور لتعليم المكفوفين بمدينة بحري المؤسسة القومية الوحيدة المتخصصة في تعليم المكفوفين في السودان، ويتبع للإدارة الاتحادية للتربية والتعليم. أُنشئ المعهد عام 1960، وتناوبت على إدارته عدة جهات حكومية، إذ كان تابعًا لوزارة الشؤون الاجتماعية خلال الفترة من 1960 إلى 1968، قبل أن ينتقل إلى وزارة التربية والتعليم بموجب قرار جمهوري صدر عام 1993، وظل منذ ذلك الحين تحت إشراف وزارة التربية والتعليم الاتحادية.

قبل اندلاع الحرب، كان المعهد يضم نحو 145 طالبًا، من بينهم 46 طالبًا يقيمون بالداخلية، ويستقبل طلابًا من مختلف ولايات السودان إلى جانب طلاب من أطراف العاصمة الخرطوم. ويُعتبر المعهد وجهة قومية للمكفوفين الراغبين في مواصلة تعليمهم.

ويقول أبو بكر محمد الفكي، مدير معهد النور لتعليم المكفوفين بمدينة بحري، لـ”أفق جديد”: إن “الحرب خلّفت دمارًا واسعًا داخل المعهد”، مضيفًا: “عندما عدنا بعد الحرب وجدنا أن المعهد فقد معظم وسائل التعليم والتأهيل. فقد تعرضت مطبعة برايل للتدمير الكامل بعد سقوط قذيفة على المبنى. وكانت المطبعة تضم طابعتين لطباعة الكتب بطريقة برايل، تبلغ تكلفة الواحدة منهما نحو 15 ألف دولار، إضافة إلى معمل لتعليم المكفوفين باستخدام الحاسوب الناطق يضم أكثر من عشرين جهاز كمبيوتر، وقد دُمّرت جميعها”.

أضرار بالغة

وأضاف الفكي أن الأضرار شملت كذلك الوحدة الصحية التابعة للمعهد، والتي كانت تقدم خدماتها للطلاب المقيمين بالداخلية وللمواطنين في الأحياء المجاورة، حيث سُرقت الأجهزة والمعدات الطبية، بما في ذلك المجهر الطبي والثلاجات المخصصة لحفظ الأمصال.

وأشار إلى أن قذائف أخرى أصابت مرافق مختلفة داخل المعهد، من بينها المطبخ الرئيسي والسفرة، ما أدى إلى تدميرهما بالكامل، إلى جانب تضرر عدد من الفصول الدراسية ومكاتب المعلمين.

وأوضح الفكي أن خمس حافلات كانت مخصصة لترحيل الطلاب من الخرطوم وبحري وأم درمان تعرضت للنهب والسرقة، الأمر الذي فاقم التحديات التي تواجه إدارة المعهد في استئناف العملية التعليمية.

وقال: “اضطررنا إلى بدء العام الدراسي الحالي بطاقة محدودة، حيث استقبلنا 12 طالبًا فقط من طلاب الصف السادس وأسكنّاهم في داخلية واحدة، رغم سرقة الأسرة والمراتب. ولم نتمكن من استدعاء جميع الطلاب لأن المعهد لم يكن جاهزًا لاستقبالهم”.

وأعرب عن أمله في أن يتمكن المعهد من استئناف نشاطه بصورة كاملة خلال العام الدراسي 2027 بدعم من وزارة التربية والتعليم والمنظمات الخيرية والجهات الداعمة، لكنه لفت إلى أن أزمة الترحيل لا تزال تمثل عقبة كبيرة.

وأضاف: “في حال عدم توفير وسائل النقل، سنضطر إلى استيعاب عدد أكبر من الطلاب بالداخلية، وهو ما يتطلب موارد مالية كبيرة لتغطية تكاليف الإعاشة اليومية من وجبات ومستلزمات معيشية. فالمكفوفون شريحة تحتاج إلى رعاية خاصة ودعم مستمر، ولذلك فإن إعادة تأهيل المعهد مسؤولية تتطلب تضافر جهود الجميع”.

وأشار إلى أن دور المعهد لا يتوقف عند مرحلة التعليم الأساسي والمتوسط، بل يمتد إلى دعم خريجيه خلال المراحل التعليمية اللاحقة، موضحًا أن المعهد يواصل طباعة الكتب الدراسية بطريقة برايل للطلاب الذين ينتقلون إلى المرحلة الثانوية وحتى الجامعية، بالتعاون مع عدد من المنظمات والجمعيات الخيرية.

فقدان الممتلكات

من جهته، يقول وكيل معهد النور لتعليم المكفوفين، البشرى مشرف البشرى، لـ”أفق جديد”: إن المعهد تأثر بالحرب شأنه شأن العديد من المؤسسات الحكومية، حيث فقد معظم ممتلكاته وأثاثه ومعداته التعليمية، خاصة ما يتعلق بالمطبعة ومرافق التدريب.

وأضاف: “التحدي الأكبر يتمثل في إعادة المعهد إلى وضعه الطبيعي، بل وتطويره ليصبح أفضل مما كان عليه قبل الحرب. وتبذل الإدارة جهودًا كبيرة بالتعاون مع الجهات الداعمة لإعادة تأهيله واستعادة دوره في خدمة المكفوفين”.

بدوره، أوضح أحمد إبراهيم، معلم مادة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بالمعهد، أن طريقة برايل تمثل الوسيلة الأساسية لتعليم المكفوفين، وتعتمد على حاسة اللمس في القراءة والكتابة.

وقال لـ”أفق جديد”: “جميع المناهج الدراسية، بما فيها الرياضيات واللغة الإنجليزية والعلوم، تُطبع بطريقة برايل. كما يؤدي الطلاب واجباتهم وتمارينهم باستخدام هذه الطريقة، فهي ليست وسيلة للقراءة فقط، وإنما نظام متكامل للتعليم والتواصل، ومعتمد عالميًا للمكفوفين”.

ويروي إبراهيم مقبول، أحد طلاب المعهد، تأثير الحرب على مسيرته التعليمية قائلًا: “درست في المعهد منذ الصف الأول الابتدائي وحتى الصف السادس، وكان مستواي الدراسي جيدًا جدًا. لكن الحرب تسببت في توقف الدراسة لفترة طويلة، ما أثر على تحصيلي الأكاديمي”.

وأضاف: “بعد استئناف الدراسة اضطررت إلى إعادة بعض المقررات من جديد لتعويض ما فاتني، لكننا أحرزنا تقدمًا ملحوظًا، ووصلنا الآن إلى مرحلة المراجعات الدراسية، فيما أوشكت بعض المواد على الاكتمال”.

في معهد النور، لا تُقاس خسائر الحرب بعدد المباني المتضررة أو المعدات المنهوبة فحسب، بل بعدد الأحلام التي توقفت مؤقتًا في انتظار فرصة جديدة للانطلاق. وبينما يسعى المعهد إلى استعادة نشاطه، يظل مستقبل مئات الطلاب المكفوفين مرهونًا بقدرة الدولة والمنظمات والمجتمع على توفير الدعم اللازم لإعادة تأهيل هذه المؤسسة العريقة. فالتعليم بالنسبة لهؤلاء الأطفال ليس خدمةً إضافية، بل نافذة أساسية على العالم، وحقًا لا ينبغي أن يكون ضحية أخرى للحرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى