“طقوسٌ لا تموت”

د. شمس الدين يونس
كل اثنين،… كانت القاعة في الطابق الثاني من مبنى المعهد العالي للموسيقى والمسرح…. تتحول إلى محفل من الطقس والسحر الإفريقي….، بل…. كنا في السنة الثانية، ….قسم المسرح، …..وأستاذنا عثمان البدوي يفتح لنا باباً من ثقافة اليوروبا،…. ويدلف بنا إلى عالمٍ حيث الموت طقس، والحياة مسرح….
كان يقول لنا: “المسرح الإفريقي لم يولد على الخشبة. وُلد في حلقة النار، وفي قرع الطبول، وفي رقصةٍ تمنع المطر أو تستجلبه”…. ومن بين يديه خرج إلينا رجلٌ أسود نحيل، يسمونه “شكسبير الأسود”… وول شوينكا….
لم تكن بين أيدينا نسخة عربية من رائعته… The Death and The King’s Horseman “الموت وفارس الملك”. فنهض الزميل عمّر السنوسي، وفي صمت الناسك عكف على الكلمات الإنجليزية يفك سحرها ويعيد نسجها بخيوط الضاد…. وحين اكتملت، تلقفتها أنجيلا ماسيمو كمن عثر على تميمة….، وجعلتها مشروع تخرجها…. من المعهد وهكذا، …صارت حادثةٌ وقعت في نيجيريا عام 1948، تتجلى في الخرطوم…. عرضاً مسرحياً ينبض بالحياة… ويقول الطقس….:
*: حين يموت ملك اليوروبا، لا يُدفن وحده. يجب أن يموت معه فارسه. ….. ينتحر طوعاً،….. لا كرهاً، ….. لترافق روحه روح الملك في رحلتها إلى العالم الآخر…… إن لم يحدث ذلك، اختلّ توازن الكون…..، وتفككت عُرى مجتمع القبيلة….. هذا هو الطقس….
لكن المندوب “المستعمر البريطاني” رأى في الأمر همجية. فيقيّد الفارس، ولينقذ حياته. فماذا حدث؟ اختلّ الكون فعلاً…. ابن الفارس الذي عاد من بلاد الإنجليز… ليحضر.. موت أبيه…، قد قتل نفسه بدلاً عن أبيه ليصلح الخلل…. والأب، حين رأى ابنه ميتاً،…. لحقه….. فمات الاثنان،… لكن بعد أن انكسر شيءٌ لا يُجبر…..
يقول شوينكا: الصراع ليس بين حضارة وهمجية. إنه بين فهمين… الواجب،… والحياة،…. والموت.
من هناك،…. من دم الفارس …. ودم ابنه، تعلمنا أن للطقس وظيفة…. إنه ليس زينة…. أو احتفالية…. إنه العمود الفقري الذي يحمل خيمة المجتمع فلا تقع…. لكل سلطة طقوسها التي تمنحها الهيبة…..، ولكل طقس رسالته الخفية….. : يقول لك “انتمِ”،… أو “اخضع”،…. أو “اصمت”….. أو “ثُر” على واقع بائس…. وهكذا يكون الطقس….
فدعوني…. أحدّثكم …عن طقس … “جدع النار”….. إنه طقس وُلد في جبال الأنقسنا،… جنوب شرق السودان…، عند قبائل البرتا،… حيث توقد النار شهراً كاملاً في أكتوبر….. ليس للتدفئة، بل للتوازن…. الاجتماعي… حيث… يُعيّن شيخٌ مؤقت….، يُسمى “شيخ العادة”، فيُخلع عليه رداء السلطة لثلاثين يوماً….. يرقص الناس أمام داره، ثم يخرج هو في الصباح بثوب أبيض، ….ليأمر بتفقد المحاصيل….. قانونهم صارم: لا يحصد أحدٌ حتى ينضج زرع الجميع….. ثم يرمي حجراً نحو الشرق،….. فيتبعه القوم بالحجارة، قائلين: “نقتل الأرواح الشريرة الخارجة من الموتى”….. وفي الليلة الأخيرة، …. يحرقون ملابس الرقص كلها. يحرقون الشر نفسه،…. ويعود الشيخ الأصلي إلى عرشه….. ولا يغتصب شيخ العادة الموكل…. السلطة….
إنه طقسٌ ينظم الاقتصاد،…. ويوزع السلطة،… ويطهّر القلوب…. طقسٌ وُلد من حاجة الناس،…. فصدّقوه…..
وشبيهٌ به طقسٌ نعرفه …جميعاً…. “رمي الجمرات”.
في منى،… يرمي الحاج/ة… سبع حصيات. تقول الرواية الدينية: إن إبراهيم لما مضى ليذبح إسماعيل…، اعترضه الشيطان…، فرماه بالحجارة…. فصار الرمي رمزاً لرفض الوسوسة….. وتقول الرواية التاريخية: إن العرب قبل الإسلام كانوا يرجمون،…. ربما لطرد الشر….، وربما لرجم قبر شخص مكروه…. فجاء الإسلام، وطهّر المعنى،… ووجّهه للتوحيد…..
انظر… كلها حجارة. لكن النية هي التي تجعل الحجر طقساً، …. أو تجعله سلاحاً….
“طلع مش مهم السلاح
طلع يغني عنو الحجر
طلع مش عويص الكفاح ما دام في إرادة وبشر”
أو كما قال الأبنودي….
وهنا نصل إلى…” بعيداً عن السياسة”….
والسياسة أيضاً لها طقوسها…. لها نشيدها…، وعلمها،…. وقسمها، …. وجنازاتها المهيبة….. لكنها أحياناً تستعير طقوساً أقدم…. تستعير “رجم الشيطان الأكبر”،…. وتصنع “بعاتي” جديداً كلما شعرت بالعري…. تصرخ في المذياع: “اطردوا الأرواح الشريرة”،… وتصنع الدمى…. وترمي بالحجارة… وهي تقصد: “اطردوا من لا يصفق لنا”….
لكن التجربة علّمتنا أن الطقس لا يُستورد، … ولا يُفرض…. طقس “الموت وفارس الملك” نجح لأن القبيلة كلها آمنت أن الكون سيختل إن لم يمت الفارس….. و”جدع النار” …. نجح لأنه حلّ مشكلة الحصاد…. و”رمي الجمرات” نجح لأنه يجسد صراعاً يعيشه كل إنسان مع شيطانه….. “إن النفس لأمارة بالسوء”…
أما طقوس السلطة التي تُصنع في غرفة مغلقة، …. ويخرج يرمي بالحجر… فمصيرها الفشل…. لأن الناس ترى….. ترى أن “الشيطان الأكبر” يتغير كل عام….، وأن “البعاتي” هو الجار الذي قال …. “لا”. عندها، لا ينتج الطقس هيبةً،…. بل ينتج سخريةً مرّة…..
الطقس يا سادتي….. إن لم يخرج من بيت القبيلة، لا يُعوّل عليه… وإن خرج من قصر الحاكم،…( أحرق…. )
وشوينكا كان يعلم….. لذلك جعل بطله “إليسن” ضعيفاً، يؤجل موته ليلةً من أجل امرأة…. لأن اللحظة التي يؤجل فيها الطقس،…. ينكسر. وكذلك تنكسر طقوس الساسة حين يؤجلون العدل….، والخبز…، والحرية…..، بحجة محاربة شيطانٍ لا يرونه إلا هم…..
كل اثنين، ….. كنا نخرج من محاضرة الأستاذ عثمان البدوي، ونحن أثقل….. نحمل صخرة سيزيف…. وشعلة بروميثوس… “موت فارس”…، و”حجر جدع النار” ….، وحصاةً من منى.. وفهمنا أن المسرح لم يكن أبداً على الخشبة…. المسرح كان،… ولم يزل، …في الطقس الذي نصنعه لنعيش معاً… أو في الطقس الذي يُصنع لنا لنموت وحدنا….





