اقتصاد تحت الضغط

محمد عمر شمينا
تمرّ السودان اليوم بواحدة من أخطر الأزمات الاقتصادية في تاريخها الحديث. فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لم تقتصر آثارها على الجوانب العسكرية والإنسانية، بل امتدت لتضرب قلب الاقتصاد السوداني، فتراجعت معدلات الإنتاج، وتعطلت مؤسسات الدولة، وانهارت سلاسل الإمداد، ووجد ملايين المواطنين أنفسهم أمام واقع معيشي بالغ القسوة..
وسط هذا المشهد، أصبح الدولار محور الحديث اليومي للسودانيين. فكل ارتفاع في سعره ينعكس مباشرة على أسعار الخبز والدواء والمواصلات والسلع الأساسية. لكن، رغم كثرة الحديث عن المضاربين والسوق الموازية، يبقى السؤال الحقيقي: من أين ستحصل الدولة على الدولار اللازم لتغطية احتياجاتها الأساسية، وعلى رأسها استيراد الوقود؟.
فالوقود ليس سلعة كمالية يمكن الاستغناء عنها أو تأجيل استيرادها، بل هو عصب الاقتصاد الحديث. تعتمد عليه حركة النقل، وتشغيل المولدات الكهربائية، والقطاع الزراعي، كما تحتاجه المصانع والمستشفيات ومضخات المياه. ولذلك فإن أي حكومة تجد نفسها مضطرة إلى توفيره مهما كانت التكلفة..
غير أن المشكلة التي تواجه السودان اليوم تتمثل في أن الدولة لا تمتلك، وفق المعطيات الحالية، احتياطيات كافية من النقد الأجنبي تسمح لها بتمويل واردات الوقود بصورة مستقرة. فقد تراجعت حصائل الصادرات، وتعطلت قطاعات إنتاجية مهمة بسبب الحرب، وانخفضت الاستثمارات، بينما ازدادت الحاجة إلى الإنفاق على متطلبات الحرب والخدمات الأساسية..
في مثل هذه الظروف، تصبح الخيارات محدودة. فقد تلجأ الدولة إلى منح وودائع خارجية، أو تسهيلات ائتمانية من موردي الوقود، أو الاعتماد على حصائل صادرات محدودة تدخل عبر القنوات الرسمية. لكن إذا لم تتوافر هذه البدائل، أو لم تكن كافية، فإن الدولة ستضطر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى دخول سوق الصرف المحلي للحصول على الدولار.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية
فعندما تدخل الدولة إلى سوق يعاني أصلًا من شح العملات الأجنبية، فإنها تتحول إلى منافس مباشر للقطاع الخاص والمستوردين والمواطنين. والدولة، بحكم حجم احتياجاتها، ليست مشتريًا عاديًا، بل طرفًا يمتلك طلبًا كبيرًا على مورد محدود. ومن الناحية الاقتصادية، فإن زيادة الطلب على سلعة نادرة دون زيادة مقابلة في المعروض تؤدي بالضرورة إلى ارتفاع سعرها.
ولذلك، إذا اضطرت الدولة إلى شراء الدولار من السوق المحلية لتغطية واردات الوقود، دون أن يقابل ذلك تدفق جديد للعملات الأجنبية، فإن ارتفاع سعر الصرف يصبح نتيجة متوقعة. قد يختلف الناس حول توقيت الارتفاع وحجمه، لكن من الصعب الاختلاف حول منطقه الاقتصادي.
وقد يرى البعض أن المضاربين هم المسؤول الأول عن هذه الأزمة. ولا شك أن المضاربة تؤدي إلى زيادة التقلبات وتسريع وتيرة الارتفاع، لكن اختزال الأزمة كلها في المضاربين يمثل تبسيطًا مخلًا. فالمضارب لا يستطيع رفع سعر الدولار إلى مستويات مرتفعة إذا كان المعروض وفيرًا. أما حين تكون هناك فجوة حقيقية بين ما يحتاجه الاقتصاد من نقد أجنبي وما ينتجه فعليًا، فإن المضاربة تصبح عرضًا من أعراض الأزمة وليست سببها الأساسي..
كما قد تلجأ السلطات إلى أدوات إدارية وأمنية لمحاولة السيطرة على السوق، كتشديد الرقابة أو فرض قيود على تداول العملات الأجنبية. غير أن التجربة السودانية، وتجارب دول عديدة، أثبتت أن هذه الإجراءات قد تؤخر الأزمة لكنها لا تعالج جذورها، لأنها لا تزيد المعروض الحقيقي من النقد الأجنبي، بل تدفع جزءًا من النشاط نحو السوق الموازية..
لكن الأزمة لا تقف عند حدود السودان وحده. فالعالم يعيش حالة من التوتر الجيوسياسي المتزايد، خاصة في منطقة الخليج العربي. وأي تصعيد عسكري بين الولايات المتحدة وإيران، أو أي تطور يؤدي إلى إغلاق الملاحة أو تعطيلها في مضيق هرمز، ستكون له تداعيات مباشرة على الاقتصاد السوداني.
فجزء كبير من تجارة النفط العالمية يمر عبر هذا المضيق. ولذلك فإن أي تهديد للملاحة فيه يؤدي عادة إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين. وبالنسبة لدولة تعاني أصلًا من نقص الدولار، فإن ارتفاع فاتورة استيراد الوقود يعني الحاجة إلى مزيد من العملات الأجنبية لتغطية الكميات نفسها من الواردات، الأمر الذي يزيد الضغوط على سعر الصرف ويضاعف معاناة المواطنين.
غير أن أخطر ما في الأزمة ليس ارتفاع الدولار في حد ذاته، وإنما الاعتياد على إدارة الأزمة يومًا بيوم، من دون التفكير في تغيير النموذج الاقتصادي الذي أوصل البلاد إلى هذه المرحلة.
فالسودان، رغم كل ما يمر به، ليس بلدًا فقيرًا بالموارد. فهو يمتلك أراضي زراعية شاسعة، وموارد مائية معتبرة، وثروات معدنية كبيرة، وقاعدة بشرية شابة قادرة على العمل والإنتاج. لكن هذه الإمكانات ظلت، لعقود طويلة، أسيرة ضعف التخطيط وعدم الاستقرار السياسي وتغليب الحلول المؤقتة على الإصلاحات الجذرية.
ولهذا، فإن الحديث عن الدولار ينبغي أن يقودنا إلى الحديث عن الإنتاج. وليس هناك قطاع أكثر قدرة على إحداث التحول المطلوب من القطاع الزراعي. فالزراعة ليست مجرد نشاط اقتصادي تقليدي، بل يمكن أن تكون المدخل الحقيقي لإعادة بناء الاقتصاد السوداني، من خلال توفير الغذاء محليًا، وتقليل فاتورة الاستيراد، وخلق فرص عمل، وزيادة الصادرات، وتوليد النقد الأجنبي بصورة مستدامة.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى إطلاق مشروع وطني لاستنفار الشباب نحو الزراعة والإنتاج. ليس عبر الشعارات والخطب، وإنما من خلال سياسات عملية تشمل توفير التمويل والمدخلات الزراعية والآليات الحديثة والبذور المحسنة، وربط المنتجين بالأسواق المحلية والخارجية..
إن آلاف الشباب الذين أرهقتهم الحرب والنزوح والبطالة يمكن أن يتحولوا إلى قوة إنتاج هائلة إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية الواضحة. فالبلدان لا تنهض بمواردها وحدها، وإنما بقدرتها على تعبئة طاقات أبنائها وتوجيهها نحو البناء والإنتاج.
لقد أثبتت التجارب أن الأزمات الكبرى قد تتحول إلى فرص لإعادة التأسيس إذا امتلكت الدول الشجاعة لمراجعة خياراتها. والسودان اليوم أمام هذا الاختبار. فإما أن يستمر في إدارة الندرة، وملاحقة نتائج الأزمة دون الاقتراب من أسبابها الحقيقية، أو أن يستثمر ما يملكه من أرض ومياه وشباب ليبني اقتصادًا منتجًا وأكثر قدرة على الصمود.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه الجميع: هل سنظل ننتظر الدولار كل صباح لنستورد ما نحتاج إليه، أم سنعيد اكتشاف قدرتنا على الإنتاج حتى نصنع بأنفسنا مصادر ذلك الدولار؟
ذلك هو التحدي الحقيقي، وذلك أيضًا هو الطريق الوحيد نحو استقرار اقتصادي مستدام يحمي الجنيه السوداني، ويخفف معاناة المواطنين، ويمنح هذا البلد فرصة جديدة للنهوض من تحت ركام الحرب.





