نرجع تاني ١٩٩٠م

الاتجاه الخامس

د. كمال الشريف

بعد أن قُتل في السودان أكثر من ٣٥٠ ألفًا في الحرب فقط، من غير الأمراض والاختفاءات والموت البطيء، اجتمعت حكومة الحرب والاستثمار والجوع مرة أخرى في اجتماع عاجل في واحد من الأيام المباركة، كما كانوا يقولون في لحظات انفجار الأزمات وسط الناس، بأنهم اجتمعوا في يوم مبارك وساعة مباركة تجلت فيها كل صور الشفافية والروعة الإيمانية في حق تقرير الناس.

والاجتماع كان قبل صلاة الجمعة، لتعود في اليوم المبارك إلى سياستها المعروفة التي بدأت العام ٨٩، الوقت الذي قالت فيه إنها سوف تسيطر على كل السلع الاستهلاكية وسوف تمنع الاتجار بالعملات، ووضعت بطاقات تموينية توزع السكر بالأوقية والبترول بالعدد، ونزلت كتائب لها كانت تتدس في أكياس الرمال وسمتها اللجان الشعبية، التي كانت توزع السكر والعدس والخ… السلع التموينية عن طريق دفاتر للتموين يشرف عليها أولاد الجبهة الصغار وقتها الذين أصبحوا من الأثرياء وكبار الموظفين بعدها.

وهكذا اعتبرت الأوساط الاقتصادية وقتها أن الحكومة بدأت تنسف الاقتصاد من أول أيامها، وأنها سوف تسيطر على كل السلع بواسطة شركات خاصة بأفراد تكون معها شراكات لاستيراد السلع، وتضع آلية ثالثة للتوزيع، ويصبح المواطن تحت رحمة القبض والبسط في كل أركان حياته.

هذا ما بدأت تعلن عنه حكومة بورتسودان في هذا الاجتماع مؤخرًا.

الجمعة الماضية قالت إنها سوف تسيطر على كل أسواق السلع الاستراتيجية بنفسها مرة أخرى لعدم التلاعب فيها، وللسيطرة على سعر الصرف حتى لا يزيد سعر الدولار في تاريخ اجتماعهم عن ٥ ألف ج للدولار كاش و٦ ألف بالشيكات، وهذا نظام معروف لدى الشركات والبنوك منذ ١٩٩٠، الوقت الذي بدأت فيه الحكومة في بيع كل شركاتها ومصارفها لتجار، وسمحت للتجار والأفراد بمشاركة الحكومة بأسهم أقل في كثير من المشاريع، وسمحت للأفراد بفتح مصارف خاصة بهم تحت مسمى تشجيع الاستثمار وتشجيع القطاع الخاص.

الحكومة عمرها لا يمكنها أن تنفرد بقوة في إصدار قرار استراتيجي تسيطر فيه على سلع استراتيجية، وهي تحت ظل قيادات لا تستطيع أن تعمر خراب ٣٧ عامًا من عمر السودان، وهي تشارك في تهريب مخزونات استراتيجية مثل الذهب والصمغ والسمسم وحتى نحاس الحرب المنهوب، أن تضع برنامجًا ينقذ الانحطاط والتدهور الاقتصادي بكونها سوف تعود للسيطرة على السوق من جديد.

هذه آليات تضخم أخرى، وأنت لا تملك مخزونًا استراتيجيًا استثماريًا، وأن تسيطر على كل المخزون بطريقة البيع بالمقايضة، بالتعامل مع أفراد لشراء أسلحة وشراء سيارات وشراء عملاء لك، وبمحاولة الاستمرار في حرب استنزاف مستمرة بأشكال مختلفة في كل أنحاء السودان.

وعودة الحكومة كما قالت بأنها سوف تسيطر على سعر الصرف باعتبار أنها تمتلك كتلة نقدية ضخمة أو محفظة ضخمة تصرف من خلالها على شراء نفط وسلع وأسـلحة وبشر.

من المستحيل طبعًا في زمن فوضى حرب وصرف على أكثر من ٢٦ مليشيا برتب عسكرية بكل الامتيازات المعروفة، وفي زمن تسمح فيه بالمقايضة من خام استراتيجي لاستيراد سلع أو سلاح، أن تزيد فوضى التضخم، ويصبح الجنيه السوداني ورقة بيضاء حتى نقطة لا توجد فيه.

وأيضًا تساعد في إعادة الدولة البوليسية الأخرى في محاولاتك الإعلامية في تهديد كل من يخزن، وكل من يهرب، وكل من يتلاعب بالسلع التي سوف تستوردها من مخزونك النقدي إن وجد.

هي.. مراهنة أخيرة من مراهنات الجماعة التي تسيطر على البلاد من عشرات السنين في العمل في الوقت الإضافي الثالث.

وهذا خراب في خراب الحرب، ودمار لتدمير الثروات التي تحت الأرض ببيعها ميتة كما حدث سابقًا ويحدث حاليًا في الخفاء.

ويصبح الناس تحت رحمة أمراض وفقر، والبلاد تصبح وكرًا لبيع مخدرات وأعمال غير مشروعة من أجل لقمة العيش.

ويأتي الحل برضك

في البل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى