من العملية السياسية إلى معركة العقد الاجتماعي.. من يملك حق تأسيس السودان؟ (1-3)

حاتم أيوب أبوالحسن
تكتسب أطروحة بابكر فيصل حول العملية السياسية أهميتها من أنها لا تتعامل مع الحرب السودانية باعتبارها مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة، بل باعتبارها نتيجة تاريخية لمسار طويل من الفشل السياسي وتراكم الاختلالات البنيوية داخل الدولة السودانية. وهي بذلك تحاول الانتقال من وصف الوقائع إلى تفكيك الأسباب التي جعلت الحرب ممكنة أصلًا.
غير أن قيمة أي تشخيص لا تُقاس فقط بقدرته على تفسير الماضي، بل أيضًا بقدرته على استشراف المستقبل.
وهنا يبرز السؤال الذي لم يُطرح بالقدر الكافي:
ماذا لو كانت الأزمة السودانية قد تجاوزت بالفعل حدود “العملية السياسية” نفسها؟
فمنذ الاستقلال ظل الخلاف بين القوى السودانية يدور حول سؤال واحد: من يحكم السودان؟
كانت الإجابات تختلف باختلاف الأيديولوجيات؛ فالإسلاميون رأوا الحل في الدولة العقائدية، والقوميون في الدولة الوطنية المركزية، واليسار في الدولة الاجتماعية، والحركات المسلحة في إعادة توزيع السلطة والثروة.
لكن الجميع، رغم اختلاف المرجعيات، ظلوا يتحركون داخل الإطار الفكري ذاته: اعتبار الدولة القائمة حقيقة نهائية، وأن المشكلة تكمن فقط في هوية من يجلس على قمة هرمها.
كانت المعركة دائمًا حول السلطة، لا حول الدولة نفسها.
ولعل هذا هو الخطأ المعرفي الأكبر الذي حكم التجربة السودانية الحديثة.
فالدولة ليست حدودًا جغرافية، ولا مؤسسات أمنية، ولا مباني حكومية. الدولة في معناها الأعمق هي اتفاق تاريخي بين جماعات مختلفة على العيش المشترك داخل فضاء سياسي واحد. وهي عقد اجتماعي يمنح الشرعية للسلطة ويمنح المواطنين شعورًا بالانتماء إلى مصير مشترك. وعندما يتآكل هذا العقد، لا تصبح الأزمة أزمة حكومة أو نظام حكم، بل أزمة وجود سياسي وأخلاقي مشترك.
وهذا تحديدًا ما تكشفه الحرب الحالية.
فما يجري في السودان لا يشبه الصراعات التقليدية التي تنتهي بانتصار طرف على آخر أو بتسوية سياسية بين المتحاربين. لأن الحرب نفسها أصبحت تعبيرًا عن أزمة أعمق تتعلق بتآكل الأساس الذي قامت عليه الدولة الوطنية منذ الاستقلال.
ولهذا تبدو المقارنة مع أوكرانيا مفيدة من زاوية ومضللة من زاوية أخرى.
ففي أوكرانيا، رغم حجم الدمار، ظلت الدولة قائمة باعتبارها مرجعية وطنية متفقًا عليها. الحرب هناك تدور دفاعًا عن الدولة. أما في السودان فالحرب تدور داخل الدولة وعلى تعريفها ومعناها ومستقبلها.
ولذلك فإن السؤال السوداني أكثر جذرية من سؤال الانتقال الديمقراطي أو التسوية السياسية.
إنه سؤال التأسيس.
والتأسيس يختلف جذريًا عن الإصلاح.
فالإصلاح يفترض وجود بناء قابل للترميم، أما التأسيس فيفترض الاعتراف بأن الخلل أصاب الأساسات نفسها.
ومن هنا تبدو معظم الأطروحات السياسية المطروحة وكأنها تحاول معالجة أزمة القرن الحادي والعشرين بأدوات القرن العشرين. فالمحاصصة، وتقاسم المناصب، والحكومات الانتقالية، والوثائق الدستورية، كلها أدوات صُممت لإدارة نزاعات داخل دولة مستقرة نسبيًا، لا لإعادة بناء دولة يتنازع مواطنوها على تعريفها ومصدر شرعيتها.
الأكثر خطورة أن كثيرًا من النخب السودانية ما زالت تتعامل مع الحرب باعتبارها انقطاعًا مؤقتًا عن المسار السياسي، بينما قد تكون الحرب في حقيقتها إعلانًا عن نهاية ذلك المسار كله.
وهنا تظهر ثغرة جوهرية في معظم أدبيات العملية السياسية.
إذ يجري الحديث باستمرار عن كيفية إشراك الأطراف المختلفة في التسوية، لكن قليلًا ما يُطرح سؤال المسؤولية السياسية. فمن غير المعقول أن تتحول النخب التي شاركت في إنتاج الأزمة، أو عجزت عن منعها، إلى المرجعية الوحيدة لصناعة المستقبل.
فالمجتمعات التي تتعلم من كوارثها لا تكتفي بالمحاسبة الجنائية على الجرائم، بل تطور أيضًا شكلًا من أشكال المساءلة السياسية والأخلاقية عن الفشل.
ليس المقصود الإقصاء أو الانتقام، بل كسر الحلقة التاريخية التي أعادت تدوير النخب نفسها في كل مرحلة انتقالية، حتى أصبح الفشل السياسي في السودان يتغير في الأسماء والشعارات بينما تبقى آلياته ونتائجه كما هي.
فالأزمة السودانية ليست أزمة أفراد بقدر ما هي أزمة طبقة سياسية كاملة استنفدت قدرتها على إنتاج الحلول، لكنها ما زالت تحتكر حق الحديث باسم المستقبل.
لكن التحدي الأكبر لا يكمن في الاتفاق على شكل الدولة الجديدة، بل في تحديد من يملك حق تأسيسها.
فجميع المبادرات المطروحة حتى الآن تفترض أن القوى التي تنازعت على السلطة خلال العقود الماضية هي نفسها التي ستتولى صياغة المستقبل. وهي فرضية تبدو منطقية من منظور موازين القوى، لكنها إشكالية من منظور بناء الدولة.
فالتاريخ يعلمنا أن لحظات التأسيس الكبرى لا تنجح عندما تتحول إلى تسوية بين المتنافسين على السلطة، وإنما عندما تصبح عقدًا جديدًا بين المجتمع والدولة.
فالانتقال من الحرب إلى السلام لا يتحقق بمجرد جمع النخب حول طاولة تفاوض، بل بإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والسلطة ومصدر الشرعية نفسه.
ولهذا فإن الأزمة السودانية قد تحتاج إلى التفكير خارج الصندوق الذي حكم النخب منذ الاستقلال. قد تحتاج إلى مؤتمر تأسيسي وطني واسع يتجاوز الأحزاب والحركات المسلحة إلى المجتمعات المحلية والنقابات والمهنيين والنازحين واللاجئين والإدارات الأهلية والجامعات ومراكز المعرفة. وقد تحتاج إلى إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم على أساس الشراكة لا الهيمنة، وبين الدولة والمواطن على أساس الحقوق لا الولاءات.
كما قد تحتاج إلى مرحلة انتقالية مختلفة في فلسفتها وأهدافها؛ مرحلة لا يكون هدفها توزيع السلطة، بل إعادة بناء المؤسسات وإنتاج شرعية جديدة وتأسيس قواعد حكم تمنع عودة الحرب مهما تغيرت الحكومات.
فالديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، والسلام ليس وقف إطلاق نار فقط، والدولة ليست سلطة مركزية فقط.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد هذه الحرب هو أن يتوقف القتال بينما تستمر الأفكار التي أنتجته.
فالحروب لا تبدأ بالرصاص أولًا، بل تبدأ عندما تعجز المجتمعات عن إنتاج صيغة عادلة للعيش المشترك، وعندما تتحول السياسة من وسيلة لإدارة التنوع إلى أداة لاحتكار الحقيقة والسلطة والثروة.
ولهذا فإن معركة السودان القادمة لن تكون معركة سلطة بقدر ما ستكون معركة معنى.
معركة حول ماهية الدولة، وحدود الشرعية، ومصدر المواطنة، وشكل العقد الاجتماعي الجديد.
إن أخطر أوهام المرحلة الراهنة هو الاعتقاد بأن السلام يمكن أن ينتج من إعادة ترتيب موازين القوى بين النخب ذاتها التي فشلت في إدارة الدولة لعقود. فالسودان لا يواجه اليوم أزمة حكم فحسب، بل أزمة شرعية تأسيسية تتعلق بمن يملك الحق الأخلاقي والسياسي في رسم مستقبل البلاد. وإذا كانت الحرب قد كشفت حدود الدولة القديمة وعجز نخبها، فإن التحدي الحقيقي يكمن في فتح المجال أمام قوى المجتمع الحية لتصبح شريكًا في صناعة العقد الاجتماعي الجديد، لا مجرد متلقٍ لنتائج تفاهمات النخب.
فالدول لا تؤسسها البنادق ولا المواثيق وحدها، وإنما تؤسسها إرادة جماعية تتوافق على معنى المواطنة والعدالة والشراكة في المصير. ومن دون هذا التحول، قد تنتهي الحرب عسكريًا، لكن أسبابها ستبقى كامنة في بنية الدولة نفسها، تنتظر جولة جديدة من الصراع.
فالسؤال الحقيقي لم يعد اليوم: من يحكم السودان؟ ولا حتى: كيف نوقف الحرب؟
بل: كيف نؤسس دولة لا تجعل الحرب خيارًا متكررًا في كل جيل؟
وعند هذه النقطة تحديدًا يصبح السؤال الأهم ليس كيف نعود إلى ما قبل الحرب، بل كيف نتجاوز تاريخًا كاملًا من البحث عن الحكام إلى مرحلة جديدة من البحث عن الدولة نفسها.
فربما تكون المهمة التاريخية لجيل ما بعد الحرب ليست اختيار سلطة جديدة، وإنما تأسيس السودان من جديد عبر عقد اجتماعي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، وبين المركز والأقاليم، وبين السلطة والشرعية.
عندها فقط يمكن أن يصبح السلام مشروعًا دائمًا لا هدنة مؤقتة، وأن تتحول الدولة من ساحة صراع على السلطة إلى إطار جامع للمواطنة والعدالة والشراكة الوطنية.
إذن من العملية السياسية تنتقل الأفكار والأطروحات نحو معركة العقد الاجتماعي الجديد الذي سيحدد من يملك حق تأسيس السودان.
هذه هي النقطة التي تنتقل فيها الأسئلة من حدود العملية السياسية إلى فضاء العقد الاجتماعي الجديد، ومن البحث عن تسوية للحرب إلى البحث عن أسس الدولة نفسها.





