الخرطوم ليست ثكنة عسكرية وليست غنيمة حرب

حيدر المكاشفي
في الأنباء أن لجنة أمن ولاية الخرطوم أعلنت مجدداً و(للمرة الكم ما عارف) حظر حمل السلاح والدراجات النارية وإخلاء العاصمة من المظاهر العسكرية.
وبغض النظر عن أهمية القرار من حيث المبدأ، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة ليس هو ماذا قررت اللجنة، بل لماذا لم تُنفذ القرارات السابقة التي صدرت بالصيغة نفسها تقريباً طوال الفترة الماضية، فأهل الخرطوم لم يسمعوا بهذا القرار للمرة الأولى. فقد سبقته عدد من القرارات والتوجيهات والتعميمات التي تحدثت عن حصر السلاح، وضبط القوات غير النظامية، وإنهاء المظاهر العسكرية داخل المدن.
لكن الواقع ظل يقول شيئاً مختلفاً تماماً، إذ بقيت الخرطوم مسرحاً للسلاح المنفلت، وممراً للمجموعات المسلحة، وميداناً لاستعراض القوة خارج إطار الدولة ومؤسساتها الرسمية.
المشكلة الحقيقية ليست في صياغة القرار، بل في الجهة التي يفترض أن يشملها القرار. فالمواطن العادي لا يمتلك قوات عسكرية ولا نقاط ارتكاز ولا عربات قتالية. أما القوى المسلحة التي انتشرت في العاصمة خلال الحرب وما بعدها، فهي التي تملك السلاح الثقيل والخفيف، وهي التي حولت أجزاء واسعة من المدينة إلى مناطق نفوذ ومراكز سيطرة وأماكن جباية ونقاط تفتيش.
لقد دفعت الخرطوم ثمناً باهظاً لوجود التشكيلات المسلحة المتعددة داخلها. فخلال الحرب وما أعقبها، ارتبط اسم هذه المجموعات بسلسلة طويلة من الانتهاكات التي وثقتها منظمات حقوقية وتقارير إعلامية وشهادات مواطنين، من نهب الممتلكات الخاصة والعامة، والاستيلاء على المنازل، وفرض الإتاوات، والاعتقالات التعسفية، وانتهاكات حقوق المدنيين، وصولاً إلى ترويع السكان وتعطيل الحياة الطبيعية في المدينة.
ولا يمكن الحديث عن استعادة الأمن بينما يظل السلاح منتشراً خارج الأطر النظامية. فالدولة لا تستعيد هيبتها بالبيانات والتصريحات، وإنما باحتكار القوة المشروعة. وكل التجارب أثبتت أن التعايش بين الدولة والمليشيات ليس حلاً، بل وصفة دائمة للفوضى وعدم الاستقرار.
الأخطر أن تكرار القرارات دون تنفيذ يخلق أزمة ثقة بين المواطن والسلطة. فكل إعلان جديد يواجهه الناس بالسؤال نفسه: هل سيكون هذا القرار مختلفاً هذه المرة؟ وهل ستشمل الإجراءات جميع المجموعات المسلحة بلا استثناء؟ أم أن الأمر سينتهي كما انتهت القرارات السابقة، إلى مجرد عناوين عريضة في وسائل الإعلام دون أثر ملموس على الأرض؟
إن الخرطوم التي عانت من الحرب والدمار والنزوح تستحق أكثر من قرار جديد. تستحق خطة واضحة وجدولاً زمنياً معلناً وآليات تنفيذ شفافة. تستحق أن تعود مدينة للمدنيين، لا أن تصبح ساحة للمسلحين، وعاصمة للدولة لا منطقة نفوذ للقوى المتعددة.
فالاختبار الحقيقي لا يبدأ عند إصدار القرار، بل عند أول نقطة تفتيش غير قانونية يتم تفكيكها، وأول قطعة سلاح خارج القانون تتم مصادرتها، وأول مجموعة مسلحة تُجبر على مغادرة العاصمة. عندها فقط يمكن الحديث عن تحول حقيقي، أما قبل ذلك فسيبقى القرار مجرد حلقة جديدة في سلسلة طويلة من القرارات التي أُعلنت من قبل.
والخرطوم التي دفعت من أمنها واستقرارها وأرواح أهلها ثمناً باهظاً، لم تعد تحتمل المزيد من البيانات التي تبقى حبيسة الورق. إنها بحاجة إلى دولة تستعيد سلطتها كاملة، لا إلى قرارات تتكرر دون أن تُنفذ.
لقد تحولت الخرطوم خلال سنوات الحرب من عاصمة يُفترض أن تكون رمزاً لسلطة الدولة إلى مساحة مزدحمة بالقوى المسلحة والتشكيلات العسكرية المتعددة ونقاط التفتيش والارتكازات المختلفة. وأصبح المواطن في كثير من الأحيان لا يعرف إن كان يتعامل مع مؤسسات دولة أم مع مراكز نفوذ متفرقة، لكل منها سلطتها وأسلوبها وقواعدها الخاصة.
والسؤال الجوهري هنا هو: إذا كانت المظاهر العسكرية داخل العاصمة تمثل خطراً على الأمن، فلماذا تُركت كل هذه الفترة؟ وإذا كانت الأسلحة خارج سيطرة الدولة تهدد الاستقرار، فلماذا لم يتم جمعها منذ وقت طويل؟ وإذا كانت المليشيات تمثل مشكلة حقيقية، فلماذا ظل التعامل معها محكوماً بالحسابات السياسية لا بالقانون؟
الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن الخرطوم دفعت ثمناً باهظاً لوجود الجماعات المسلحة داخلها. فالانتهاكات التي شهدتها العاصمة لم تكن مجرد حوادث فردية معزولة، بل تحولت إلى ظاهرة واسعة تركت آثاراً عميقة في حياة الناس.
عشرات الآلاف من الأسر فقدت منازلها أو تعرضت ممتلكاتها للنهب والاستيلاء. مؤسسات عامة وخاصة تعرضت للتخريب والتدمير. أحياء كاملة عاشت تحت وطأة الخوف وانعدام القانون. مواطنون تعرضوا للاعتقال التعسفي أو الابتزاز أو الإذلال على نقاط السيطرة المختلفة.
وما زالت ذاكرة الناس تحتفظ بصور المنازل المنهوبة، والمحال التجارية المدمرة، والسيارات المسروقة، والمرافق العامة التي تحولت إلى أطلال بفعل الحرب والفوضى المسلحة.
لهذا فإن القضية ليست قضية مظاهر عسكرية فحسب، وكأن الأمر يتعلق بمشهد بصري مزعج يجب إخفاؤه عن الشوارع. القضية أعمق من ذلك بكثير. إنها قضية وجود السلاح خارج سلطة الدولة.
فالدولة الحديثة تقوم على مبدأ بسيط وواضح، هو أن جهة واحدة فقط تحتكر القوة المشروعة. وما عدا ذلك يصبح وصفة مفتوحة للفوضى مهما كانت الشعارات المرفوعة أو المبررات المقدمة.
لقد أثبتت تجارب السودان أن التعايش بين الدولة والمليشيات لا ينتج دولة قوية، بل ينتج سلطة ضعيفة ومراكز قوة متنافسة. وكل مرة جرى فيها تأجيل مواجهة هذه الحقيقة كانت النتيجة مزيداً من الأزمات والانقسامات والحروب.
المفارقة الساخرة أن السلطة تبدو أحياناً وكأنها تعلن الحرب على النتائج بينما تتجنب الاقتراب من الأسباب. فالسلاح المنتشر في العاصمة ليس ظاهرة طبيعية هبطت من السماء، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات سمحت بتعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة وتضخم النفوذ العسكري خارج المؤسسات الرسمية.
واليوم يُطلب من المواطنين أن يحتفلوا بقرار إزالة المظاهر العسكرية، بينما لا يزال السؤال الأكبر معلقاً: هل ستشمل الإجراءات الجميع بلا استثناء؟
هنا تكمن العقدة الحقيقية. فالمواطن لا يريد بياناً جديداً، بل يريد مساواة كاملة أمام القانون. يريد أن يرى السلاح يُسحب من كل جهة خارج المؤسسة النظامية. يريد أن يرى العاصمة تستعيد وجهها المدني. يريد أن يتوقف التعامل مع بعض القوى المسلحة باعتبارها استثناءً دائماً لا تنطبق عليه القواعد التي تُفرض على الآخرين.
إن الخرطوم لا تحتاج إلى مزيد من البيانات، بل إلى استعادة مفهوم الدولة نفسه. الدولة التي لا تنافسها البنادق. الدولة التي لا تتقاسم سلطتها مع المليشيات. الدولة التي لا تخشى تطبيق قراراتها على الجميع.
أما إذا ظل الأمر مجرد إعلان جديد يضاف إلى أرشيف طويل من القرارات غير المنفذة، فإن السودانيين سيجدون أنفسهم أمام الحلقة نفسها التي تتكرر منذ سنوات: بيان قوي في الصباح، وتصفيق رسمي في الظهيرة، وسلاح منفلت في المساء.
وعندها لن يكون السؤال لماذا انتشرت المليشيات، بل لماذا احتاجت الدولة كل هذا الوقت لتكتشف أن العاصمة ليست ثكنة عسكرية، وأن الخرطوم لا يمكن أن تعود للحياة ما دام قرارها موزعاً بين أكثر من بندقية.





