هل يصلُحُ برنامج بيرنام للحكم الحالي في بريطانيا لإصلاحِ الحال في السُّودان؟

محمَّد خلف
في ٢٩ أكتوبر ١٩٥٦، شنَّت بريطانيا، مُستعِينةً بفرنسا وإسرائيل، عدواناً ثلاثيَّاً على مصر، انتهى بوقف إطلاق النَّار في ٧ نوفمبر وطيِّ العلم البريطانيِّ من فوق مقرِّ هيئة قناة السُّويس؛ وفي أوَّل أيَّام ذلك العام، تمَّ في السُّودان إنزالُ علمِ المستعمِرِ وتسليمِه مطويَّاً إلى الحاكم العام البريطاني مع مصافحةٍ ودِّيَّةٍ بالأيدي من قبل كلٍّ من رئيس الحكومة الوطنيَّة وزعيم المعارضة البرلمانيَّة. وفي عام ١٨٩٨، قامت بريطانيا ومصرُ معاً بشنِّ عدوانٍ على السُّودان، راح ضحيَّته ١١ ألفَ مواطنٍ سوداني؛ وبعد مُضي ٥٧ عاماً على ذلك العدوان، تمَّ تسليم الحُكم إلى حكومةٍ وطنيَّة من غيرِ إراقةِ قطرةٍ واحدةٍ من الدِّماء؛ فكيف يُمكِنُ تفسيرُ ذلك الاعتداءِ الآثمِ في الحالتَين، والاتِّفاقِ الودِّيِّ في الحالةِ الأخرى؟ في نظرنا، تكمنُ الإجابةُ في كلٍّ منها على المصالح الاقتصاديَّة الَّتي تتحكَّم في الاحتفاظ بالسُّلطة أو تفويض قدرٍ منها أو التَّخلِّي عنها تماماً؛ أي عندما تنعدمُ تلك المصالح تماماً أو يَجِفُّ معينُها تدريجيَّاً.
تتأسَّس وجهةُ نظرِنا هذه على أمرٍ واحدٍ مهمٍّ للغاية، وهو أنَّ المصالح البريطانيَّة لم تكُن موجودةً داخل الأراضي السُّودانيَّة، بل خارجها؛ وتحديداً، تتمثَّلُ تلك المصالح بشكلٍ أساسيٍّ في حراسةِ الملاحة البحريَّة عبر قناة السُّويس، وتأمينِ طرقِ التِّجارة البريطانيَّة من وإلى الهند وجنوب شرق آسيا؛ تماماً كما هو الحال في الوقت الرَّاهن بشأنِ التَّدخُّلِ الأمريكيِّ والأوروبِّيِّ لتأمين وصول النِّفط والموادِّ البتروكيماويَّة عبر مضيق هرمز. هذا ولم تلجأ بريطانيا إلى الاضطَّلاعِ بدورٍ رئيسيٍّ في غزو السُّودان إلَّا وفقاً لترتيباتٍ دبلوماسيَّة تؤدِّي في نهايةِ المطافِ إلى غضِّ الوطنيِّين المصريِّين الطَّرفَ عن الإدارةِ الفرنسيَّة لقناةِ السُّويس وحراسةِ الحاكم البريطانيِّ -الَّذي يعمل تحت إمرة الباب العالي- لمصالحِ بلادِه الاقتصاديَّة، بضمان حرِّيَّة الملاحة في البحر الأحمر وعبر القناة؛ لذلك، تراجعت وزارةُ المستعمراتِ البريطانيَّة، لإتاحةِ الفرصة لوزارة الخارجيَّة للإشراف التَّامِّ على هذا الملفِّ الاقتصاديِّ الهامِّ.
ولأنَّ الإدارةَ البريطانيَّة في الخرطوم لم يكُن لديها تصوُّرٌ مُسبَقٌ لحُكمِ السُّودانِ وتطويرِه، فقد لجأت إلى التَّجريبِ واعتمادِ أسلوبِ الخطأ والصَّواب، بالاعتمادِ على رجاحةِ عقلِ حُكَّام المديريَّات (ومعظمهم من خرِّيجي الجامعاتِ البريطانيَّة العريقة) وقوَّةِ ملاحظاتِهِم وتراكُمِ خبراتِهِم، وتبادلِ تلك الخبراتِ عبر رسائلَ راتبةٍ بينهم. ومن بين أولئك الحُكَّام، دوغلاس نيوبولد، الَّذي عمل حاكماً لمديريَّة كردفان، ثم شغل لاحقاً منصب السِّكرتير الإداري، وهو منصبٌ بمثابة رئيس الوزراء لإشرافِه على العمل التَّنفيذيِّ اليوميِّ لكلِّ الوزارات. وإضافةً لشهرةِ اهتمامِه بأمرِ الثَّقافة وافتتاحِه داراً لها على شارع الجامعة، اشتُهِرَ نيوبولد أيضاً باقتراحه أن تعتمد الحكومةُ في الخرطوم تفويضَ سلطاتِها أو نقلَ صلاحيَّاتها أساساً للحكم على مستوى المديريَّات. إلَّا أنَّ طائفةً من الوطنيِّين السُّودانيِّين قد تشكَّكوا في نواياه؛ وعلى الرَّغم من ترحيبهم باهتمامِه الجادِّ بأمرِ الثَّقافة، قد ظنُّوا أنَّ مقترحَه بشأنِ تفويض السُّلطات (“ديفَلوشن”، وليس “ديليغيشن”) قد قُصِد به تقسيمُ البلاد.
ما رسَّخ ظنونَ بعضِ الوطنيِّين السُّودانيِّين إزاء “تفويض” تلك السُّلطات أنَّ نيوبولد كان، رغم حبِّه للسُّودان، من المدافعين الشَّرسين عنِ النِّظام الاستعماريِّ والمؤمنين برسالتِه التَّنويريَّة (ومن هنا تُفهَمُ اهتماماتُه بأمرِ الثَّقافة)؛ أمَّا مَنِ استلمَ بعده وشهِد استلامَ الرَّايةِ المطويَّة من الوطنيِّين السُّودانيِّين، وهو جيمس روبرتسون، فقد جاء في مرحلة تفكيك الاستعمار واقتناع الإدارة البريطانيَّة في الخرطوم بتسليم الحكم للوطنيِّين السُّودانيِّين؛ وكان روبرتسون، خلافاً لنيوبولد، يؤمن بالإبقاء على حكومةٍ مركزيَّة قويَّة يُديرُها سودانيُّون (وبالطَّبع، من غيرِ اتِّحادٍ مع مصرَ أو مشاركةٍ لمصريِّين في حكمِ البلاد). إلَّا أنَّه بعد نيلِ الاستقلال وظهور عيوب الحُكم من المركز في الخرطوم وانفرادِه بالثَّرواتِ القوميَّة على حسابِ الأطراف الإقليميَّة، ارتفعتِ الأصواتُ المنادية بأنظمةِ حُكمٍ غير مركزيَّة، أشهرها مناداة جون قرنق بالكونفدراليَّة في إطار السُّودان الموحَّد، ودعوة محمَّد إبراهيم دريج، الَّذي بحَّ صوتُه في المطالبة بتطبيق الحكم الفدراليِّ في السُّودان.
وفي بريطانيا المعاصرةِ نفسها، وهي مملكةٌ متَّحدة تضمُّ أربعَ دولٍ أو مقاطعاتٍ إقليميَّة هي: إنجلترا، وويلز، وإسكتلندا، وإيرلندا الشَّماليَّة، يُعَرِّفُ “معهد الحكومة” المرموق نقلَ الصلاحيَّاتِ بأنَّه نقلٌ قانونيٌّ للسُّلطاتِ من البرلمانِ البريطانيِّ إلى إسكتلندا وويلز وإيرلندا الشَّماليَّة وأجزاء من إنجلترا، ممَّا تُنشأُ بموجبه حكوماتٌ إقليميَّة بدرجاتٍ متفاوتة من السُّلطة التَّشريعيَّة والتَّنفيذيَّة، وبما يَسمَحُ للأقاليمِ بإدارةِ بعضِ مجالاتِ السِّياسة بشكلٍ مستقل، بينما يحتفظُ البرلمان في ويستمنستر بالسِّيادة النِّهائيَّة والسِّيطرة على المجالات المخصَّصة له، مثل الدِّفاع والشُّؤون الخارجيَّة والهجرة. وقد بدأت عمليَّةُ نقلِ الصَّلاحيَّاتِ بجدِّيَّةٍ في أواخر التِّسعينيَّات، في أعقابِ استفتاءاتٍ جرت في إسكتلندا وويلز وإيرلندا الشَّماليَّة. وفي إنجلترا، يُعَدُّ تفويضُ الصَّلاحيَّاتِ أمراً محدوداً. فقد أُنشئ منصب عمدة لندن ومجلس لندن في عام 2000، وتلاه إنشاءُ هيئاتٍ مشتركة لديها رؤساءُ بلديَّاتٍ منتخبون بشكلٍ مباشر، وذلك في مناطقَ مثل مانشستر الكبرى ومنطقة مدينة ليفربول. وتُعتبَرُ تلك الصَّلاحيَّاتُ الَّتي لدى تلك المناطق تنفيذيَّةً في المقامِ الأوَّل، وليست تشريعيَّة.
وقد احتفظ تاريخُ بريطانيا لرئيسِ وزرائها الأسبق توني بلير بمقولةٍ شهيرة، ذكر فيها أنَّ “الدِّيفَلوشن” قد دَمِلَ جُرحَ الانفصال؛ فهل كان انفصالُ الجنوبِ ستُستأصَلُ شأفتُه إذا ما نُقلِت إليه بعضُ صلاحيَّاتِ المركز، كما كان يأملُ جون قرنق؟ وهل كان الحديثُ عنِ انفصالِ دارفورَ سيكونُ حديثاً مُستهجَناً إذا ما فُوِّضَ قدرٌ كافٍ من الصَّلاحيَّاتِ له بعيداً عنِ الحزامِ النِّيلي؟ وهل سيصلُحُ برنامجُ أندي بيرنام للحكمِ الحاليِّ في بريطانيا لإصلاحِ الحال في السُّودان؟ خصوصاً إذا عرفنا أنَّ بيرنام -عمدة مانشستر السَّابق الَّذي فاز يوم الخميس الماضي في الانتخابات الفرعيَّة لدائرة ميكرفيلد، ليُنافِسَ على زعامةِ حزبِ العمَّال؛ وبالتَّالي، على رئاسةِ الحكومةِ البريطانيَّةِ نفسها- قد وضع نقلَ الصَّلاحيَّاتِ من ويستمنستر إلى مانشستر على رأسِ أولويَّاتِ حكومتِه المرتقبة. ومن ضمن برنامجه أيضاً، يسعى بيرنام إلى وضعِ المرافق العامَّة في يدِ الدَّولة ومساعدةِ الأسرِ الفقيرة في كسبِ سُبُلِ العيشِ الكريم.
ورغم فارق الأزمنة واختلاف مستوى النُّمو الاقتصادي بين المنطقتَيْن، لا تختلفُ تجربةُ أندي بيرنام السِّياسيَّة وخبرتُه الإداريَّة كثيراً عن تجربةِ وخبرةِ ابنِ جلدتِه دوغلاس نيوبولد، فقد عمل الأخير في بلاد الكبابيش الرَّعويَّة، قبل انتقالِه إلى المركز النِّيلي؛ بينما عمل الأوَّل في قطاع مانشستر الصِّناعي، توطئةً لانتقالِه لاحقاً إلى سُدَّةِ الحُكمِ في ويستمنستر. ومثلما تأثَّر نيوبولد بصداقاتِه العديدة لأعيانٍ من قبيلة الكبابيش أثناء فترةِ عملِه بينهم، قد صاغ بيرنام فلسفتَه السِّياسيَّة الَّتي يُطلَقُ عليها اسم “المانشستريَّة” من واقع تجربته في حُكم عاصمة وسط إنجلترا (“الميدلاندز”)، ثاني أكبر مدينة في بريطانيا. وتتلخَّص تلك الفلسفة السِّياسيَّة في إحداثِ مزيدٍ من تدخُّل الدَّولة في شؤون الاقتصاد الرَّئيسيَّة، ممَّا يُقلِّصُ من حرِّيَّة رأس المال، وممَّا ينشأُ عنه وضعُ يدِ الدَّولةِ المركزيَّة على المرافقِ العامَّة، مثل المياه والكهرباء والغاز والمواصلات.
وفي السُّودان، قد مرَّت كثيرٌ من المياه الجارية تحت الجسر، أو بالأحرى مرَّت مئاتُ الآلافِ من السُّفن عبر قناةِ السُّويس في طريقها من وإلى الهند وجنوب شرق آسيا. ومع واقع الحرب الحاليَّة الدَّامية في البلاد وسريان قدرٍ من اليأسِ حيال عودة الحكم المدني واستئنافِ عهدٍ ديمقراطيٍّ معافًى، يبدو بندانِ رئيسيَّانِ في برنامج بيرنام السِّياسي بعيدَيْنِ كلَّ البعد عن واقعِ الحال في السُّودان، وهُما: تغييرُ نظامِ الفوزِ للمرشَّح الأكثر أصواتاً واستبدالُه بنظام التَّمثيل النِّسبي، وإلغاءُ وظيفة “حامل الصَّوت” (“ذا ويب”) أو تقليلُ دورِه، وهو النَّائبُ البرلمانيُّ الَّذي يتمُّ اختيارُه من قِبَلِ رئيسِ الوزراء للقيامِ بضبطِ سلوكِ أعضاءِ البرلمان من الحزبِ الفائز وحَملِهِم على التَّصويتِ لصالح الحكومة القائمة لتنفيذِ برنامج الحزبِ الانتخابيِّ، أو أنَّهم سيفقدون عضويَّتهم لذلك الحزب، إلَّا إذا أمر رئيسُ الحكومةِ بأن يكونَ التَّصويتُ حُرَّاً على أحدِ مشاريع القوانين المطروحة أمام البرلمان.
إلَّا أنَّ البندَينِ المذكورَيْنِ أعلاه هما في واقعِ الأمر أساسُ البلاءِ وراءَ الحُكمِ الشُّموليِّ الطَّويل في البلاد وتعثُّر التَّجربةِ الدِّيمقراطيَّة القصيرةِ فيه. فمن جرَّاءِ البندِ الأوَّل، وهو الانتخابُ المباشر الَّذي يسَّرَه إلغاءُ التَّمثيلِ النِّسبي، قد تعاقب على رئاسةِ اتِّحاداتِ طلَّاب الجامعات والمعاهد العليا في السُّودان انفرادُ التَّيَّاراتِ الإسلاميَّة بالسَّيطرةِ الكاملة عليها وتجاهلُ مطالبِ ما يربو على الأربعين في المئة من الطُّلَّاب، الأمر الَّذي هيَّأهم لممارسة الحُكم على مستوى الدَّولة ككل، فقد كانوا يعتبرونَ تلك الاتِّحاداتِ حكوماتٍ مصغَّرة؛ والأنكأ من ذلك كلِّه، أنَّهم نقلوا سلوك الطَّالب وأسلوبه المضطَّرب في الحياةِ إلى أروقةِ الدَّولةِ المركزيَّة وأطرافِها الإقليميَّةِ القصيَّة. أمَّا البندُ الثَّاني، وهو إلغاءُ وظيفة العضو البرلمانيِّ المسؤول عن سلوك الأعضاء، فإنَّ تثبيتَها، وليس إلغاءها، هو عينُ ما كانت تحتاجُه الفتراتُ الدِّيمقراطيَّةُ المتقطِّعة، الَّتي اتَّسمت بتغيُّب النُّوَّاب عنِ الجلسات وسَلبيَّتهم داخلها وتنقُّلهم حسبما اتُّفِق بين الأحزابِ الرَّئيسيَّة؛ وربَّما تحتاجُ الفترةُ الدِّيمقراطيَّة المرتقبة هي كذلك لِمَن يرعى الانضباطَ داخل البرلمان أو يفرض حسنَ السُّلوك وسط نوَّاب الشَّعب





