في اليوم العالمي للاجئين.. السودان جرحٌ مفتوح وقصصٌ تبحث عن وطن

محمد الأمين عبد النبي

في العشرين من يونيو من كل عام، يقف العالم أمام واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً، ألا وهي قضية اللاجئين؛ أولئك الذين انتزعتهم الحروب من بيوتهم، وأجبرتهم على حمل أوطانهم في الذاكرة. وفي هذا اليوم، تبدو المأساة السودانية أكثر حضوراً من أي وقت مضى، بعدما تحولت الحرب إلى أكبر أزمة نزوح ولجوء يشهدها العالم اليوم، تاركةً ملايين السودانيين بين مخيمات النزوح وحدود الدول المجاورة، وأحلام العودة التي تتآكل مع مرور الأيام.

تكشف الأرقام حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023؛ فقد أُجبر ما يقارب 14 مليون سوداني على الفرار من ديارهم، بينهم نحو 9 ملايين نازح داخل البلاد، وأكثر من 4 ملايين لاجئ عبروا الحدود إلى دول الجوار، ليصبح واحدٌ من كل أربعة سودانيين شخصاً اقتلعته الحرب من منزله.

وتستضيف دول الجوار، وفي مقدمتها مصر وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وليبيا وأوغندا وجمهورية أفريقيا الوسطى، مئات الآلاف من الأسر التي تواجه يومياً تحديات الغذاء والمياه والرعاية الصحية والتعليم وفرص العمل، في ظل فجوات كبيرة في التمويل الإنساني واحتياجات تتزايد باستمرار.

لكن هذه الأرقام، على ضخامتها، لا تحكي سوى جزء من الحقيقة؛ فخلف كل رقم طفلٌ فقد مدرسته، وأمٌّ تركت منزلها على عجل، وأبٌ يبحث عن عمل في بلد لا يعرف لغته، وأسرةٌ تفرقت بين الحدود، وشابٌ حمل مستقبله في حقيبة صغيرة لا تتسع إلا للذكريات والأمل.

وقد ذكرتنا قناة (MBC 2) بهذه المأساة الإنسانية في واحدة من أكثر القصص تأثيراً، فقد أعادت، بمناسبة اليوم العالمي للاجئين، عرض فيلم “The Good Lie” الذي جسد وضع اللاجئين السودانيين إبان حرب الجنوب. يروي الفيلم رحلة مجموعة من الأطفال السودانيين الذين أجبرتهم الحرب والصراعات على السير أكثر من سبعمائة كيلومتر عبر الأدغال والحدود نحو كينيا، يواجهون الجوع والعطش والموت في كل خطوة. كانت رحلة النجاة تلك كافية لتكون قصة كاملة، لكنها لم تكن سوى البداية.

فبعد سنوات من الحياة في مخيمات اللجوء، يصل ثلاثة منهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، معتقدين أن المعاناة قد انتهت، لكنهم يكتشفون أن اللجوء ليس نهاية الألم، وإنما هو بداية لتحديات جديدة؛ لغة مختلفة، وثقافة غريبة، ووطن بعيد، ومحاولات يومية للاندماج والعيش بكرامة، بينما تظل قلوبهم معلقة بإخوتهم وأحبابهم الذين ينتظرون فرصة النجاة.

وملايين السودانيين يعيشون التجربة ذاتها اليوم؛ فما نشاهده على الشاشة يتكرر في الواقع كل يوم؛ عائلات تقطع مئات الكيلومترات سيراً على الأقدام، وأطفال يولدون في المخيمات، وأمهات يحملن أبناءهن بحثاً عن مكان آمن، وشباب يتركون أحلامهم خلفهم من أجل البقاء على قيد الحياة. وتحمل لنا وسائل التواصل الاجتماعي يومياً عشرات المقاطع لما يتعرض له اللاجئون السودانيون في مختلف الدول من مطاردة وإهانة يندى لها الجبين.

إن اللاجئ السوداني لا يحتاج إلى الشفقة، بقدر ما يحتاج إلى الاعتراف بإنسانيته وحقه في الحماية والكرامة والاندماج، وإلى تضامن دولي حقيقي يضمن له التعليم والرعاية الصحية وفرص العمل، ويعمل، في الوقت نفسه، على معالجة جذور الأزمة وإنهاء الحرب التي دفعت به إلى المنفى.

وفي اليوم العالمي للاجئين، لا ينبغي أن يكون الحديث عن السودان مجرد استعراض للأرقام والإحصاءات، بل تذكيراً بأن وراء كل خيمة قصة، ووراء كل رحلة نزوح منزلاً تُرك على عجل، ومدينةً تنتظر أبناءها، وطفلاً يحلم بأن يعود إلى مقعده الدراسي، وأماً لا تزال تحتفظ بمفتاح بيتها إيماناً بأن العودة ليست حلماً مستحيلاً.

يبقى الوطن بالنسبة للاجئ السوداني أكثر من مجرد مكان؛ إنه الذاكرة والهوية، والعائلة واللغة والمستقبل. ولذلك، فإن أعظم احتفاء باليوم العالمي للاجئين هو العمل من أجل سلام دائم يوقف نزيف الحرب، ويعيد ملايين السودانيين إلى بيوتهم، ليعيشوا في وطنٍ لا يُجبر أبناءه على البحث عن الأمان بعيداً عنه، بل يمنحهم الحق في الحياة والكرامة والأمل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى