الأزمة السودانية… ثقافية في المقام الأول

بقلم: عادل يعقوب أحمد نور

من السهل أن تُقرأ الأزمة السودانية بوصفها أزمة حرب، أو صراعًا على السلطة، أو انهيارًا اقتصاديًا، أو فشلًا في إدارة الدولة. وهذه كلها مظاهر حقيقية ومؤلمة، لكنها قد لا تكون أصل الداء. فقبل أن تصبح الأزمة عسكرية أو سياسية، كانت أزمة ثقافة؛ أزمة في طريقة التفكير، وفي إدارة الاختلاف، وفي مفهوم الدولة والمواطنة.

الثقافة هنا لا تعني الأدب والفنون وحدها، بل منظومة القيم التي تحدد كيف يرى السوداني نفسه، وكيف يرى الآخر، وكيف يفهم السلطة، والحق، والواجب، والانتماء. فعندما تضعف ثقافة الاعتراف بالآخر، ويعلو صوت العصبية على صوت القانون، يصبح العنف وسيلة طبيعية لحسم الخلافات.

لقد ورث السودان تنوعًا هائلًا في الأعراق واللغات والثقافات، وكان يمكن لهذا التنوع أن يكون مصدر قوة وإبداع. لكنه، بسبب غياب مشروع وطني جامع، تحول في كثير من الأحيان إلى مادة للصراع السياسي. ولم يكن الخلل في التنوع نفسه، بل في الثقافة السياسية التي تعاملت معه باعتباره تهديدًا لا فرصة.

كما ساهمت عقود من الاستقطاب الأيديولوجي في إنتاج مجتمع منقسم، حيث أصبح الاختلاف يُفسَّر على أنه خصومة، والنقد خيانة، والتعدد ضعف. ومع مرور الزمن، تسربت هذه الثقافة إلى مؤسسات الدولة، وإلى الإعلام، وحتى إلى العلاقات الاجتماعية، فصار الحوار يتراجع أمام التخوين، والتوافق أمام الإقصاء.

ولم تسلم النخب من هذه الأزمة. فقد انشغلت في كثير من الأحيان بصراعاتها الفكرية والسياسية أكثر من انشغالها ببناء مشروع وطني يتجاوز الانقسامات. وهكذا بقيت الدولة تدور في حلقة مفرغة من الانقلابات والثورات والانتقالات غير المكتملة.

ولا يمكن تجاهل دور التعليم في تعميق الأزمة. فالنظام التعليمي، الذي كان يفترض أن يصنع مواطنًا يؤمن بالتنوع والتفكير النقدي، تراجع حتى أصبح عاجزًا عن ترسيخ قيم المواطنة والتسامح واحترام القانون. كما أن تراجع الفنون والمسرح والكتاب والمراكز الثقافية أضعف المساحات التي كانت تجمع السودانيين حول هوية مشتركة.

ومع اندلاع الحرب، لم تُخلق الكراهية من فراغ، بل خرجت إلى السطح رواسب ثقافية تراكمت لسنوات. لذلك فإن وقف إطلاق النار، على أهميته، لن يكون كافيًا إذا لم يصاحبه مشروع لإعادة بناء الإنسان السوداني، وإحياء ثقافة الحوار، واحترام الاختلاف، وترسيخ مفهوم المواطنة المتساوية.

إن بناء الجسور بين مكونات المجتمع يبدأ من المدرسة، والجامعة، ووسائل الإعلام، ومنابر الثقافة، كما يبدأ من خطاب سياسي جديد يعترف بالأخطاء، ويتخلى عن عقلية الغلبة، ويؤمن بأن السودان لا يمكن أن يحكمه طرف واحد أو ثقافة واحدة أو رؤية واحدة.

إن الأزمة السودانية ليست سياسية أو اقتصادية فقط، لكنها ثقافية في المقام الأول؛ لأن الثقافة هي التي تصوغ السياسة، وتؤثر في الاقتصاد، وتحدد شكل العلاقات الاجتماعية. وإذا أُصلحت الثقافة، أمكن إصلاح كثير من الاختلالات الأخرى. أما إذا بقيت القيم التي أنتجت الأزمة على حالها، فإن أي تسوية سياسية ستظل مؤقتة، وقد تعود البلاد إلى الدائرة نفسها مرة بعد أخرى.

ولهذا، فإن مستقبل السودان لا يتوقف على اتفاق سياسي فحسب، بل على ميلاد ثقافة وطنية جديدة، تجعل من التنوع مصدرًا للوحدة، ومن الحوار سبيلًا لحل الخلاف، ومن المواطنة أساسًا للحقوق والواجبات. عندها فقط يمكن أن تتحول الأزمة من قدرٍ يتكرر إلى درسٍ يؤسس لدولة أكثر عدلًا واستقرارًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى