هل يستطيع الشباب السوداني كسر احتكار النخبة للمستقبل؟

بقلم: د. صلاح أحمد الحبو
في اللحظات المفصلية من تاريخ الأمم، لا تكمن الأزمة الحقيقية في شح الموارد أو ضعف المؤسسات، بل في عجز الخيال السياسي عن إنتاج أسئلة جديدة. والسودان اليوم يقف أمام هذا المأزق تحديدًا؛ إذ تبدو النخب السياسية والفكرية، رغم اختلاف مرجعياتها، وكأنها تدور في مدار واحد، تعيد تدوير المفاهيم نفسها، وتستحضر الأدوات ذاتها التي أسهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إنتاج الأزمة الوطنية الراهنة.
لقد دخل السودان مرحلة تاريخية لم يعد فيها تجديد الوجوه كافيًا، بل أصبح في حاجة إلى تجديد طرق التفكير نفسها. فالأزمات الممتدة لا تُحل بالعقول التي ساهمت في إنتاجها، ولا يمكن بناء سودان جديد بالأدوات الذهنية القديمة.
ومن هنا يبرز سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه عميق في دلالاته: هل من سبيل إلى تأسيس منصة وطنية جامعة للشباب السوداني، في شكل برلمان شبابي حر، يصبح فضاءً لإنتاج الأفكار لا لإعادة إنتاج الاستقطابات
إن المقصود بالبرلمان الشبابي ليس إنشاء كيان سياسي جديد أو منافس لمؤسسات الدولة، بل تأسيس مختبر وطني للأفكار؛ مساحة حرة تلتقي فيها الطاقات الشابة من مختلف الأقاليم والخلفيات الفكرية والاجتماعية، لتفكر في السودان خارج القيود التي فرضتها الانقسامات الحزبية والأيديولوجية.
فالسودان يعاني، في جوهر أزمته، من احتكار إنتاج الرؤية الوطنية. لقد ظلت النخب التقليدية لعقود طويلة تتعامل مع الشأن العام باعتباره مجالًا مغلقًا، تُصاغ أسئلته داخل دوائر ضيقة، وتُقترح حلوله داخل الإطار الفكري نفسه، حتى تحولت السياسة إلى عملية متكررة لإعادة إنتاج الأزمات.
وفي المقابل، يمتلك الجيل الجديد من الشباب ميزات لم تتوافر للأجيال السابقة؛ فهو أكثر اتصالًا بالعالم، وأكثر قدرة على استخدام التكنولوجيا، وأقل انحباسًا داخل الثنائيات الأيديولوجية التقليدية. كما أنه يحمل خبرات تشكلت في سياقات الحرب والنزوح والهجرة والاقتصاد الرقمي، وهي خبرات تمنحه قدرة أكبر على تخيل حلول غير تقليدية.
إن السودان في حاجة إلى استعادة السيادة التخيلية؛ أي القدرة الجماعية على تخيل مستقبل مختلف عن ذلك الذي رسمته النخب القديمة. كما أنه يحتاج إلى تفعيل الدبلوماسية المجتمعية للشباب؛ بحيث يتحول الشباب من مجرد متلقين للسياسات إلى فاعلين في صناعة الأفكار والجسور الوطنية.
ويمكن أن يقوم البرلمان الشبابي الحر على عدد من المبادئ المؤسسة:
- تمثيل معرفي يقوم على الكفاءة والتنوع لا على المحاصصة الحزبية.
- الاعتماد على المنصات الرقمية لتجاوز قيود الجغرافيا والانقسام.
- إنتاج أوراق سياسات ومبادرات عملية في مجالات السلام والتنمية وإعادة الإعمار.
- ربط الداخل السوداني بخبرات الشباب في المهجر.
- ترسيخ ثقافة الحوار والاختلاف المنتج بدلًا من منطق الغلبة والإقصاء.
لكن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة لا تكمن في بنيتها التنظيمية، وإنما في وظيفتها التاريخية؛ إذ يمكن أن تصبح مساحة لتفكيك احتكار النخبة للخيال السياسي، وإعادة تعريف السياسة نفسها بوصفها ممارسة جماعية لإنتاج المستقبل.
لقد أثبتت تجارب الأمم الخارجة من النزاعات أن التحولات الكبرى تبدأ غالبًا من أطراف المجتمع لا من مركز السلطة، وأن الأفكار الجديدة تولد عادة خارج المؤسسات التي استنفدت قدرتها على التجديد.
إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى برلمان سياسي جديد، بل إلى برلمان للأفكار؛ منصة حرة تتنافس فيها الرؤى بدلًا من الولاءات، وتنتصر فيها قوة الفكرة على فكرة القوة.
فالتحدي الأكبر الذي يواجه الشباب السوداني ليس الوصول إلى السلطة، وإنما امتلاك الجرأة الفكرية لإعادة تعريف الأسئلة الوطنية نفسها: كيف نعيد بناء الدولة؟ كيف نصوغ هوية جامعة؟ وكيف نحول التنوع من مصدر للصراع إلى مصدر للقوة؟
إن الأمم لا يغيرها جيل يكرر إجابات أسلافه، بل جيل يملك شجاعة طرح أسئلة جديدة، ويؤمن بأن المستقبل لا يُورث من النخب، وإنما يُصنع بالخيال والإرادة والمعرفة.
وربما يكون هذا هو الأفق الجديد الذي ينتظر السودان: أن ينتقل من جمهورية النخب إلى جمهورية الأفكار، ومن صراع المواقع إلى تنافس الرؤى، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.





