على خلفية تحريك ملف الجنائية والكيماوي..العدالة الدولية بين المبادئ والمصالح

الهادي الشواف

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية سعى المجتمع الدولي إلى بناء منظومة عدلية وأخلاقية تمنع تكرار الفظائع التي شهدها القرن العشرون، فجاء ميثاق الأمم المتحدة ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتطورت اتفاقيات جنيف وصولًا إلى إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، باعتبارها إحدى أبرز مؤسسات العدالة الدولية الهادفة إلى إنهاء الإفلات من العقاب وحماية الكرامة الإنسانية من جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

بين الحين والآخر تعود إلى الواجهة ملفات المحكمة الجنائية الدولية واتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية وغيرها من القضايا التي تُصنف ضمن أخطر الجرائم الدولية، وغالبًا ما تترافق هذه التحركات مع أزمات سياسية أو تحولات ميدانية أو صراعات إقليمية، الأمر الذي يثير سؤالًا مشروعًا.. هل يتحرك المجتمع الدولي بدافع الحرص على تحقيق العدالة وحماية حقوق الإنسان وفقًا للمعايير القانونية المجردة، أم أن العدالة الدولية باتت تتأثر بتوازنات القوة، وتحريك هذه الملفات أصبح جزءًا من أدوات إدارة الصراعات وتحقيق المصالح الجيوسياسية للدول الكبرى؟

هذا السؤال لا ينطلق من رفض فكرة العدالة الدولية ولا من إنكار وقوع الجرائم أو التقليل من معاناة الضحايا، إنما ينطلق من ملاحظة أن العدالة الدولية نفسها أصبحت محل جدل واسع بسبب ما يبدو من انتقائية في تطبيقها، وتفاوت في سرعة تحريك الملفات، واختلاف في درجات الاهتمام الدولي تبعًا لموقع الدولة المعنية ومكانتها في النظام الدولي، وأن منظومة العدالة نفسها أصبحت جزءًا من بنية النظام الدولي الذي أصبح لا تحكمه المبادئ القانونية بقدر ما تحكمه اعتبارات المصالح والقوة.

لقد أشار الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو إلى أن السلطة لا تعمل فقط عبر أدوات القهر المباشر، وإنما عبر إنتاج الخطابات والمعايير التي تحدد ما يُعد حقيقة وما يُعد شرعية، وإذا أُسقط هذا التصور على العلاقات الدولية فإن الخطاب الحقوقي نفسه قد يتحول في بعض السياقات إلى أداة ضمن أدوات إدارة النفوذ الدولي، بحيث تصبح بعض الانتهاكات محل اهتمام عالمي واسع، بينما تمر انتهاكات أخرى بالصمت أو المعالجة المحدودة رغم تشابه طبيعتها القانونية والإنسانية.

أما عالم السياسة الأمريكي هانز مورجنتاو، الأب المؤسس للمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، فيرى أن “العدالة الدولية” والقانون الدولي يفتقران إلى الفعالية المطلقة، وأن السياسة الدولية تدور في فلك صراع دائم على القوة تحكمه “المصلحة الوطنية” للدولة مهما رفعت من شعارات أخلاقية، ومن هذا المنظور لا يكون مستغربًا أن تتأثر آليات العدالة الدولية بحسابات القوة، خاصة عندما ترتبط قراراتها بمؤسسات سياسية كبرى مثل مجلس الأمن، حيث تمتلك خمس دول فقط حق النقض (الفيتو)، وهو امتياز يمنح السياسة قدرة استثنائية على التأثير في مسار القانون.

فمن الناحية النظرية قامت المحكمة الجنائية الدولية على مبدأ نبيل يتمثل في مكافحة الإفلات من العقاب ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية بصرف النظر عن مواقعهم السياسية أو العسكرية، كما جاءت الاتفاقيات الدولية الخاصة بحظر الأسلحة الكيميائية لتعكس إجماعًا إنسانيًا على رفض استخدام وسائل القتل التي تتجاوز حدود الحرب التقليدية وتمس الضمير الإنساني بأسره.

غير أن التطبيق العملي كشف عن واقع أكثر تعقيدًا، فمنذ إنشاء المحكمة الجنائية الدولية تعرضت لانتقادات متكررة بسبب تركيزها على ملفات بعينها، بينما ظلت انتهاكات جسيمة في مناطق أخرى بعيدة عن دائرة الملاحقة رغم توافر الأدلة والتقارير الدولية، وأصبح من الصعب تجاهل حقيقة أن ميزان العدالة الدولية يتأثر في كثير من الأحيان بموازين القوة والنفوذ داخل النظام الدولي.

ولعل أكبر التحديات التي تواجه المحكمة الجنائية الدولية لا يتمثل في نصوص نظام روما الأساسي، إنما في البيئة السياسية التي تعمل داخلها، فالمحكمة لا تمتلك قوة تنفيذية مستقلة، كما أن اختصاصها في بعض الحالات يعتمد على إحالة مجلس الأمن، وهو مجلس يخضع بطبيعته للتوازنات الجيوسياسية أكثر من خضوعه لمعايير العدالة المجردة.

ومن هنا برز مفهوم “العدالة الانتقائية”، وهو مفهوم لا يعني بالضرورة أن الاتهامات أو التحقيقات غير صحيحة، إنما يشير إلى وجود تفاوت في سرعة التحرك وفي حجم الاهتمام وفي الإرادة السياسية لتطبيق القانون الدولي على مختلف الأطراف.

وفي السياق السوداني يتجدد هذا الجدل كلما عادت إلى الواجهة ملفات المحكمة الجنائية الدولية أو الاتهامات المتعلقة باستخدام أسلحة محرمة دوليًا بما فيها الأسلحة الكيميائية، ولا شك أن أي ادعاء باستخدام مثل هذه الأسلحة يمثل مسألة في غاية الخطورة، ويستوجب تحقيقًا مستقلًا ومحايدًا يستند إلى الأدلة العلمية والقانونية بعيدًا عن التوظيف الإعلامي أو السياسي، فالضحايا يستحقون الحقيقة كاملة، كما أنهم ينتظرون محاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق الإجراءات القانونية الواجبة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو.. لماذا تتحرك بعض الملفات بسرعة بينما تظل ملفات أخرى معلقة لسنوات؟ ولماذا يحظى بعض الضحايا بتضامن عالمي واسع بينما يظل آخرون خارج دائرة الاهتمام الدولي؟ وهل يرتبط ذلك بحجم المأساة أم بموقع الدولة في خريطة المصالح الدولية؟

إن المتأمل في عدد من النزاعات الدولية يلحظ تفاوتًا واضحًا في آليات الاستجابة الدولية، سواء من حيث سرعة تشكيل لجان التحقيق أو حجم العقوبات أو مستوى التغطية السياسية والإعلامية، وقد دفع ذلك عددًا من الباحثين إلى الحديث عن ازدواجية المعايير باعتبارها أحد أبرز أوجه الأزمة التي تواجه النظام الدولي المعاصر.

ومن هنا فإن الدفاع الحقيقي عن حقوق الإنسان لا ينبغي أن يكون انتقائيًا، ولا يجوز أن يرتبط بهوية الضحية أو موقع الدولة أو طبيعة التحالفات الدولية، فالإنسان الذي يتعرض للقتل أو التعذيب أو التهجير القسري يستحق العدالة، سواء كان في السودان أو فلسطين أو أوكرانيا أو ميانمار أو فنزويلا أو أي بقعة أخرى من العالم، والعدالة التي تتغير بتغير المصالح السياسية تفقد جزءًا كبيرًا من مشروعيتها الأخلاقية.

كما أن استخدام ملفات الجرائم الدولية بطريقة انتقائية أو وسيلة للضغط السياسي قد يحقق مكاسب دبلوماسية آنية، لكنه يترك آثارًا عميقة على إضعاف ثقة الشعوب في المؤسسات الدولية، ويمتد إلى إضعاف فكرة حقوق الإنسان نفسها، فعندما يشعر الضحايا بأن قضاياهم تُستدعى عند الحاجة السياسية وتُهمل عندما تتغير الأولويات، يصبح من الصعب إقناع الشعوب بأن العدالة الدولية تقف على مسافة واحدة من الجميع، وبالتالي تتراجع الثقة في فكرة العدالة نفسها، ويصبح القانون الدولي في نظر كثيرين مجرد أداة ضمن أدوات الصراع بين القوى الكبرى.

ولا يعني ذلك أن المؤسسات الدولية بلا قيمة أو أن القانون الدولي مجرد أداة سياسية خالصة، فالعديد من التحقيقات والإجراءات الدولية أسهمت بالفعل في كشف الحقيقة وردع بعض مرتكبي الجرائم وإرساء مبادئ مهمة في القانون الجنائي الدولي، غير أن هذه الإنجازات تظل مهددة ما لم تستكمل بإصلاحات تعزز استقلال مؤسسات العدالة وتحد من التأثير السياسي على قراراتها.

ولعل الإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة النظر في العلاقة بين العدالة الدولية وبنية النظام الدولي ذاته، وخاصة فيما يتعلق بدور مجلس الأمن وآليات الإحالة وضمان عدم خضوع المساءلة لاعتبارات التحالفات الدولية أو موازين النفوذ، فالعدالة لا تستقيم إذا كان تطبيقها يتغير بتغير المصالح، كما أن حقوق الإنسان تفقد كثيرًا من قوتها الأخلاقية عندما تتحول إلى أداة ضغط دبلوماسي أو وسيلة لإدارة الصراعات.

إن السودان مثل غيره من الدول التي شهدت نزاعات دامية يحتاج إلى عدالة حقيقية تنصف الضحايا وتضمن عدم الإفلات من العقاب، وتكشف الوقائع وتحاسب المسؤولين وفق القانون لا وفق موازين السياسة، وأن تكون العدالة حقًا عامًا لا امتيازًا تمنحه موازين القوة، وأن يتحول القانون الدولي من أداة يمكن توظيفها لخدمة المصالح إلى مرجعية مستقلة تنصف الإنسان أينما كان وبغض النظر عن هوية المجرم أو موقعه في خريطة النفوذ الدولي.

وفي نهاية المطاف ستظل العدالة الدولية مشروعًا إنسانيًا يستحق الدفاع عنه، لكن الدفاع الحقيقي عنه لا يكون بتجاهل أوجه القصور، وإنما بالنقد المسؤول والسعي إلى إصلاحها، فالمؤسسات الدولية تكتسب مشروعيتها من قدرتها على تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، ومن استقلالها عن ضغوط السياسة، ومن وفائها لمبدأ المساواة بين الضحايا لا بين الدول.

وعندما يصبح القانون الدولي منحازًا لمبادئه، وقادرًا على مخاطبة جميع الجرائم بالمعايير نفسها دون ازدواجية أو انتقائية أو تمييز بين قوي وضعيف أو حليف وخصم، وقادرًا على تحصين نفسه من التوظيف السياسي والدبلوماسي، عندها فقط يمكن القول إن العدالة الدولية قد اقتربت من رسالتها الأصلية المتمثلة في حماية حقوق الإنسان لا حماية المصالح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى