الكرمك.. عقود من الحروب والنزوح وذاكرة حبلى بالمعارك العسكرية

عبدالهادي الحاج
على امتداد سفوح جبلٍ يحمل اسمها، تتكئ مدينة الكرمك في ولاية النيل الأزرق على طبيعة آسرة، حيث الخضرة الدائمة والجبال التي ترسم ملامحها في الأفق؛ موقعها الحدودي الرابط بين السودان وإثيوبيا وجنوب السودان، إلى جانب مواردها الزراعية والمعدنية، يؤهلانها لأن تكون واحدة من أغنى مدن البلاد ووجهة للسياحة المحلية والأجنبية، غير أن هذا الجمال ظل لعقود حبيس تاريخ طويل من الصراعات والسلام الهش.
رغم ما تملكه الكرمك من مقومات، فإن اسمها لا يتردد في ذاكرة السودانيين إلا مقرونًا بالأزمات، فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، تحولت المدينة إلى ساحة معارك متكررة خلال الحرب الأهلية السودانية الثانية، في العام 1987، دخلتها قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة سلفا كير ميارديت، بمشاركة قوات القائد عبد العزيز الحلو، قبل أن تستعيدها القوات المسلحة السودانية في عام 1988 خلال عملية عُرفت بـ«وثبة الأسود» في عهد حكومة رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي.
لكن الهدوء لم يدم طويلًا، إذ عادت المواجهات مجددًا، لتقع المدينة تحت سيطرة الجيش الشعبي لتحرير السودان مرة أخرى في عام 1997 بقيادة مجاك أكود، قبل أن يستعيدها الجيش السوداني مرة أخرى.
ومع توقيع اتفاقية نيفاشا للسلام في عام 2005، عاشت الكرمك فترة قصيرة من الاستقرار، سرعان ما انتهت مع تجدد القتال عقب تمرد قوات الحركة الشعبية – شمال بقيادة مالك عقار، في العام 2011، لتعود المدينة مرة أخرى إلى قبضة الجيش الحكومي خلال عهد حاكم ولاية النيل الأزرق اللواء المتقاعد الهادي بشرى.
وفي سياق الحرب الحالية تمكنت قوات الدعم السريع وقوات الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة جوزيف توكا، من فرض سيطرتها على الكرمك في مارس الماضي، ليعلن الجيش مرة أخرى استعادة المدينة مطلع هذا الشهر.
مطامع تاريخية
لم تكن هذه الصراعات العسكرية وليدة العقود الأخيرة فقط، إذ يكشف تاريخ الكرمك عن موقع ظل مطمعًا للقوى المختلفة عبر الزمن، ففي يناير من عام 1932، شهدت المدينة اجتماعًا رسميًا بين مسؤولين بريطانيين من السودان ونظرائهم من (الحبشة) إثيوبيا، لبحث النزاعات الناتجة عن هجمات تجار الرقيق الإثيوبيين على القرى الحدودية.
كما تعود جذور الصراع إلى حقبة الاستعمار، حين احتلتها القوات الإيطالية ضمن عمليات شرق أفريقيا الإيطالية خلال المرحلة الأولى من حملة شرق أفريقيا في الحرب العالمية الثانية.
بخلاف هذه الأحداث، ارتبط اسم الكرمك أيضًا بحادثة تاريخية بارزة، حين حاول إمام طائفة الأنصار الهادي المهدي مغادرة السودان عبرها، عقب ما عُرفت بأحداث الجزيرة أبا في العام 1970، حينما انتفض الأنصار ضد حكومة الرئيس جعفر نميري، لكن إمامهم قُتل برصاصة، ودُفن في المدينة قبل أن يُنقل جثمانه لاحقًا إلى أم درمان.
موجات نزوح متكررة
على مدار أكثر من أربعين عامًا، دفعت هذه النزاعات المتكررة سكان الكرمك إلى النزوح مرارًا نحو مناطق أكثر أمانًا، لا سيما مدينة الدمازين، في انتظار استقرار ظل مؤجلًا؛ وبين كل جولة قتال وأخرى، كانت المدينة تعود إلى دائرة النسيان.
الخير علي، وهو أحد أبناء مدينة الكرمك يروي لـ «أفق جديد» تجربته مع النزوح خلال الحرب التي شهدتها المدينة في العام 2011 بقوله: «كنت شاهدًا على تلك الأحداث حيث ظلت المنطقة مسرحًا للمواجهات العسكرية حتى استعادة السيطرة عليها بواسطة الجيش، ومن المؤلم حقًا، أن القوة التي استعادت المدينة من قوات الحركة الشعبية حينها كانت هي قوات الدعم السريع، وهي ذاتها التي انتهى بها المطاف لاحقًا، إلى الهجوم عليها».
ويضيف بأنه «خلال هجوم الحركة الشعبية لتحرير السودان في العام 1997، اضطر كثير من أهالي الكرمك إلى النزوح، ولم يتمكن عدد كبير منهم من العودة إلى ديارهم حتى اليوم، أما غالبية سكان المدينة الحاليين فهم من النازحين القادمين من القرى المجاورة، مثل بشير نوقو، وأبو النزير، وديم منصور».
ويذهب علي، إلى أن «أولى موجات النزوح الكبرى مؤخرًا حدثت عندما هاجمت قوات القائد جوزيف توكا منطقة خور البودي أواخر العام 2025، الأمر الذي دفع سكان الكرمك إلى اللجوء داخل الأراضي الإثيوبية، حيث أُقيم لهم مخيم في منطقة خور الذهب».
ويتابع: «بعد فترة عاد الأهالي إلى مدينتهم، أملًا في استئناف حياتهم الطبيعية، غير أن الأحداث تجددت مرة أخرى، لتقع المأساة المتكررة، ويضطر السكان إلى النزوح نحو مدينة الدمازين». وفقًا لمنظمة الهجرة الدولية نزح أكثر من 30 ألف شخص من محلية الكرمك فقط خلال الفترة من يناير وحتى مايو من العام الحالي 2026، أغلبهم يتواجدون بمراكز الإيواء في عاصمة الإقليم الدمازين، وذلك ضمن موجة نزوح شملت كافة مناطق المحلية.
فيما أكد الناطق الرسمي باسم حكومة إقليم النيل الأزرق، سيف النصر من الله، لـ «أفق جديد» أن السلطات المحلية في الكرمك، بالتنسيق مع حكومة الإقليم ومفوضية العون الإنساني، كانت قد نفذت عملية إجلاء للمدنيين من المدينة قبل الهجوم الذي شنته قوات الدعم السريع في مارس الماضي، وذلك بعد ورود معلومات استخباراتية عن وجود حشود تستعد لمهاجمة المنطقة.
وأوضح من الله، أن المدينة كانت خالية من السكان المدنيين عند وقوع الهجوم، الأمر الذي حال دون وقوع خسائر بشرية في صفوفهم، وأضاف: «خلال المرحلة المقبلة ستبدأ عمليات إزالة مخلفات الحرب، بما في ذلك المتفجرات والألغام والذخائر غير المنفجرة، حتى تصبح المدينة آمنة ومهيأة لاستقبال العائدين».
وقال إن «النازحين المقيمين في مراكز الإيواء يبدون رغبة كبيرة في العودة إلى ديارهم في أقرب وقت، إلا أن الحكومة ترى ضرورة استكمال عمليات تأمين المدينة أولًا، نظرًا لطبيعة العمليات العسكرية التي شهدتها المنطقة».
وأشار من الله، إلى أن «قوات الدعم السريع تسببت، عقب سيطرتها على الكرمك، في تدمير واسع للبنية التحتية والمرافق المدنية، واصفًا ما حدث بأنه “مؤسف للغاية”». وقال «إن الأضرار طالت المركز الصحي، والمستشفى، والاستراحة الحكومية، ومباني المحافظة، والمدارس، إلى جانب ممتلكات المواطنين، حيث جرى نزع الأسقف المعدنية والأبواب والنوافذ من المنازل والمدارس والسوق، مما ألحق دمارًا كبيرًا بالأعيان المدنية والبنية التحتية».
وأضاف أن «هذه الانتهاكات تمثل أبرز القضايا التي تستوجب تسليط الضوء عليها، نظرًا لحجم الدمار الذي لحق بالمؤسسات المدنية ومقومات الحياة في المدينة».
وفيما يتعلق بالأوضاع الراهنة، أكد أن «الجيش فرض سيطرة كاملة على مدينة الكرمك، ويعمل حاليًا على حصر المعدات والعتاد العسكري الذي خلفته قوات الدعم السريع، مشيرًا إلى أن الأوضاع تتجه تدريجيًا نحو الاستقرار والتحسن».
الصحفي المتخصص في النزاعات المسلحة جاتيقو أموجا دلمان، قال لـ «أفق جديد»: إن «مدينة الكرمك تمثل موقعًا استراتيجيًا بالنسبة للحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال»، وتعد، بحسب وصفه، “العاصمة التاريخية لإقليم الفونج الجديد”، كما تحظى برمزية كبيرة لدى مقاتلي الحركة، الأمر الذي جعلها، عبر العقود، محورًا رئيسيًا للعمليات العسكرية ونقطة ارتكاز لتحركاتها.
وأضاف أن «المدينة دخلتها قوات الجيش الشعبي لأول مرة عام 1987 بقيادة القائد سلفا كير ميارديت، الذي كان يشغل آنذاك منصب نائب رئيس أركان الجيش الشعبي للاستخبارات، وشارك في العملية كل من عبد العزيز آدم الحلو، وجوزيف تكة، وبيتر كوما، وعدد من قادة الحركة».
وأوضح أن «المدينة ظلت تحت سيطرة الجيش الشعبي لفترة قبل أن يستعيدها الجيش السوداني، ثم عادت الحركة الشعبية للسيطرة عليها مجددًا عام 1997 بقيادة مجاك أقوت، وبمشاركة جوزيف تكة، واستيفن أمد، وجندي سليمان، وآخرين، قبل أن يستعيدها الجيش السوداني مرة أخرى عام 2012، وظلت تحت سيطرته حتى اندلاع الحرب الحالية».
نقطة انطلاق استراتيجية
تحيط بمدينة الكرمك سلسلة من الجبال الممتدة؛ فمن الشمال والشمال الشرقي تقع جبال منطقة الشيمي والبرون، ومن الغرب يمتد جبل لودو، ومن الجنوب تقع منطقة جبل جرط، التي تضم جرط شرق وجرط غرب، بينما يشكل الخور الواقع شرق المدينة الحد الفاصل بينها وبين الحدود الإثيوبية.
وفي هذا الصدد يقول الخبير العسكري الفريق جلال تاور لـ «أفق جديد»: إن «المدينة تتمتع بأهمية استراتيجية بالغة، نظرًا لموقعها على الحدود السودانية الإثيوبية وقربها من الحدود مع دولة جنوب السودان»، مشيرًا إلى أنها ظلت، عبر سنوات طويلة، تمثل نقطة انطلاق للتحركات العسكرية المناهضة للحكومات المتعاقبة في الخرطوم، منذ تمرد الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق.
وأوضح أن «الموقع الجغرافي للمدينة يجعلها منطقة ذات أهمية عسكرية وأمنية كبيرة، إذ يسهل العبور منها وإليها عبر الحدود الإثيوبية، خاصة أن الفاصل بين الكرمك السودانية والكرمك الإثيوبية لا يتجاوز جسرًا أو معبرًا حدوديًا، بل إن السكان يتمكنون خلال موسم الجفاف من التنقل سيرًا على الأقدام بين الجانبين».
ويؤكد تاور أن «الطبيعة الجغرافية الوعرة وقلة الكثافة السكانية في المنطقة جعلتاها ممرًا مناسبًا لحركة الأفراد والآليات، وهو ما يمنحها أهمية خاصة في حسابات الأمن القومي السوداني، باعتبارها إحدى البوابات الشرقية التي يمكن أن تنطلق منها أي تحركات عسكرية معادية».
ويشير إلى أن معظم القوى المسلحة المناوئة للسلطات في الخرطوم اتخذت تاريخيًا من هذا المحور نقطة لتحركاتها، بخلاف مناطق حدودية أخرى مثل القلابات.
وفي السياق أشار دلمان إلى أن القوات المتحالفة ضمن “تحالف تأسيس”، والتي تضم، بحسب قوله، مقاتلين من الحركة الشعبية – شمال وقوات الدعم السريع بقيادة جوزيف تكة وحمودة البيشي، تمكنت من السيطرة على المدينة خلال العام الحالي، مضيفًا أن «قوات التحالف لا تزال موجودة في المنطقة رغم الهجمات والمحاولات المتكررة التي ينفذها الجيش السوداني لاستعادتها».
واعتبر دلمان أن «الكرمك تمثل للحركة الشعبية منطقة ذات أهمية استراتيجية وتاريخية، ولذلك ستواصل القتال للحفاظ على وجودها فيها»، وفي المقابل، قال إن «الجيش السوداني ينظر إلى المدينة باعتبارها موقعًا عسكريًا متقدمًا»، وزعم أن الحكومات المتعاقبة في الخرطوم، وكذلك السلطة الحالية، استخدمتها نقطة انطلاق في سياساتها تجاه إثيوبيا»، مدعيًا أن «القوات التي تقاتل في محور الكرمك تحظى بدعم من القاهرة، وأن الهدف من استعادة المدينة يرتبط بمصالح مصر»، على حد تعبيره.
كما قال دلمان إن «التطورات العسكرية الأخيرة ألقت بظلالها على الوضع الإنساني في الكرمك»، مدعيًا أن «الجيش السوداني استخدم طائرات مسيّرة استهدفت مرافق مدنية، بينها محطات مياه ومدارس ومراكز صحية وأسواق»، واعتبر أن «ذلك يأتي في إطار ما وصفه بسياسة “الأرض المحروقة”، التي قال إنها استُخدمت سابقًا في جنوب السودان وجبال النوبة ودارفور، بهدف تهجير السكان وتحويل المنطقة إلى ثكنة عسكرية».
اختبار لقدرة الدولة
تقف الكرمك اليوم عند مفترق طرق بين ماضٍ وحاضر مثقل بالصراعات ومستقبل ينتظر إعادة تعريف دورها؛ فبينما يتطلع النازحون إلى استقرار دائم يعيد إليها حياتها الطبيعية، تتجاوز الكرمك كونها مجرد مدينة حدودية؛ لتتحول إلى اختبار مستمر لقدرة الدولة على تحويل مناطق الهامش من بؤر نزاع إلى فضاءات استقرار ونمو.
وفي هذا الصدد خلصت دراسة ميدانية صادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة في العام 2021، إلى أن بناء السلام المستدام في الكرمك لا يمكن أن يقتصر على الترتيبات الأمنية، بل يحتاج إلى إعادة تأهيل المدارس والمرافق الصحية ومصادر المياه، وتمكين النساء اقتصاديًا، وضمان مشاركتهن في إدارة الموارد وحل النزاعات، وحمايتهن من العنف.
كما أوصت الدراسة بتنظيم التعدين والحد من التلوث، وتطبيق المسؤولية الاجتماعية للشركات، ورسم خرائط للموارد الطبيعية، وتنفيذ اتفاقات السلام بصورة تراعي حقوق المجتمعات المحلية والنساء.





