حكاية من بيئتي .. كوم (ود التوم)

محمد احمد الفيلابي
يا حليلو كوم ود التوم..
يا حليلو ود التوم ذاتو..
كان من عادتهما حين يعودان للقرية أن ينفذا زيارات لأي من المواقع التي شهدت طفولتهما. فما بين الجزيرة الموسمية، والمزارع الممتدة بين النهر والكروة (الحوض الفيضي)، والذي تفصله عن القرية تلك الغابة الكثيفة، قضيا سنوات مارسا فيها صنوفًا من شقاوة الأطفال، ومغامرات الصبيان. وكان لـ(كوم ود التوم) الذي لم يجداه هذه المرة نصيب وافر من الحكايات.
الكوم الذي ظل محروسًا بنظرات (ود التوم) حيثما كان في حقله، فعيونه ترقب المكان، وتحصي الزيارات البريئة وسواها. تلك التي تكون عاقبتها (عرضحال) يتسلمه كبير الأسرة، ليكون العقاب الذي لا بد منه في حضوره، والذي غالبًا ما يصبح (الجلد مع وقف التنفيذ).
تعوّد الآباء من (ود التوم) تلك الزيارات قبل توغل الأماسي، والتي تبدأ بالشكوى من (شقاوة العيال)، وتمتد إلى المحكمة والعفو، ولا تنتهي بالدروس المندسة في حكاياته الممتعة، خاصة تلك التي يحفظها عن أبيه، والتي يشهد عليها الكوم المكون من سبع نخلات تشرئب هاماتها إلى السماء متفرقة، فيما تتشابك وتلتقي عند الجذور.
وقد اشتهر (كوم ود التوم) بطعمه المغاير، وإنتاجيته الكبيرة، علاوة على طرحه قبل أسابيع عديدة من باقي النخيل بالمنطقة. ويقولون إن أباه قد أتى بشتلاته من ديار الدناقلة، حين عمل كـ(رواسي) لسنوات طويلة قبل أن يستقر به الحال ويعمر ساقية أجداده.
(ود التوم) حالة فريدة بين رجال القرية، بل قرى الجوار، يتهمونه بأنه (مخاوي)، أي أنه متزوج من (جنية)، يظنون أنها هي التي ترصد الزيارات السرية لـ(كوم النخلات)، وهي التي تجبره على تقديم شكواه، بيد أن (حنيته) تغلب حين يوقف العقاب، فهو لا يحتمل أن يرى إنسانًا يتأذى، لكنه في ذات الوقت لا يحتمل أن يقوم الصبية بقذف الحجارة على نخلاته.
حتى إن البعض بات يعتقد أن (جنيته) تسكنها، وأنها تتأذى من حجارتهم، لكنها لا تستطيع المساس بهم لأن زوجها لا يريد لها أن تظهر، ولا أن يصدق الناس حكاية زواجهما.
ويرددون في غيابه:
“جنيتو تطلب وحنيتو تغلب”
لم يكن أهل القرية يجزمون بشيء، لكنهم أيضًا لا ينفون الأمر، فحكاية زواج الإنس من الجن كانت دائمًا حاضرة في المجالس، وإن كان الأمر (همسًا)، لكأنهم أنفسهم لا يريدون أن يصدقوا الحكاية. إلا أن البعض ينسج ما يسعى لأن يصدقه قبل الآخرين.
إذ يُروى أن (ود التوم) في شبابه، كان يبيت في الحقول أكثر مما يبيت في بيته. ويؤكد من تبقيه مشاغله بين الحقول بعض الليالي أنهم يسمعونه يغني مع حفيف سعف نخلاته. ويجزمون أنه يرى في الليالي المقمرة ما لا يراه غيره.
وفي إحدى تلك الليالي، عاد إلى القرية صامتًا، لا يتحدث إلا قليلًا، ولا يرفع صوته على أحد. ومنذ ذلك اليوم، بدأت حكاية الجنية التي لا تظهر إلا له، والتي ترفض أن يتزوج من سواها، وأنها تغار عليه من كل شيء، وهي التي تُبلّغه بكل زيارة سرية لنخلاته، وكل حجر يُقذف عليها، وكل خطوة تُداس على ظلها.
لكنه هو نفسه لم يكن ليخيف أحدًا، بل كان حنينًا إذا اشتكى، اشتكى بقدر، وإذا غضب، غضب بقدر، ثم يبتسم تلك الابتسامة التي تُطفئ النار في القلوب. حتى طلبه عقاب الصبية كان أقرب إلى تذكيرهم بعدم التعدي على حقوق الآخرين، أكثر منه طلبًا للعقاب، كأنه يرضي بذلك جهة ما، ثم يرضي قلبه الطيب بإيقاف التنفيذ.
ومع مرور السنين، صار الناس يخلطون بين الحقيقة والخيال. ويتساءلون فيما بينهم..
هل هو فعلًا (مخاوي)؟ أم أن طيبته الزائدة جعلت الناس يبحثون له عن تفسير خارق؟ أم أن الكوم نفسه، بما فيه من نخيل عتيق، وتمر لا يشبه تمر النواحي، هو الذي صنع الأسطورة، وجعلها تعشعش في رؤوس الناس؟
في ذلك العام جاء الفيضان عارمًا، ومعه ظهرت أوبئة وأمراض غريبة رحل على أثرها عدد من الأطفال ضعاف البنية، وكبار السن، من بينهم (ود التوم). وبعد أيام قليلة من وفاته، وعقب انحسار مياه ذلك الفيضان الذي لم تشهد القرية مثله منذ عقود، استيقظ الناس على خبر آخر لا يقلّ وجعًا، فقد وجدوا أن كوم النخلات قد توسّد الأرض.
لم يصدق أحد في البداية. الكوم الذي ظل واقفًا في وجه الريح، وفي وجه الصبية، وفي وجه الزمن نفسه، كيف يسقط دفعة واحدة، كأن روحًا واحدة كانت تسنده، فلما غابت، غاب معها؟
ربط الناس بين الأمرين كما يفعل أهل القرى دائمًا حين تتجاوز المصائب حد الاحتمال.
مات ود التوم… فماتت نخلاته، ولعل جنيته قد غضبت ولم ترد للسر أن ينكشف، فقامت بإسقاط النخلات.
لا.. إنه الفيضان الذي آثر أن يأخذ ما تبقى من العهود القديمة.
هذه المرة وبشهادة الكثيرين كان الفيضان من العنف بالقدر الذي أسقط الكثير من أشجار النخيل، وأشجار السنط والسدر في النواحي، وأن الأمر لا علاقة له بالجن ولا بالسرّ، بل بالطبيعة حين تثور، وتغضب.
وهل تغضب الطبيعة؟
مع ذلك… ظلّ الناس يشعرون بأن سقوط الكوم لم يكن عاديًا. والحقيقة أن سقوط نخيل (ود التوم) لم يكن حدثًا طبيعيًا يمكن أن يمر دون التوقف عنده.
النخلة – بطبيعتها – من أكثر الأشجار قدرة على الصمود. إنها تحتمل العطش، وتقاوم الريح، وتعيش في تربة لا تصمد فيها أشجار أخرى. لذلك، حين تسقط نخلة، فالأمر لا يحدث إلا إذا اختلّ شيء كبير.
وقد وثق للأمر (حميد)، الذي لم يكن ليفوت شأنًا مثل هذا..
نصعد على مر الجراحزي نخلة صاح عوافي… لو عنف الرياح الصاقعة.. أهوال الفصول.. البودي.. آفات الذبول
قِدرن على ساقه الهطيط تقع… وآب تموت
روحًا المدردحة ما بتفوت
جسدًا المعمر بالخلود
قلبًا المقمّر بالكفاح
زي السلام.. تلقاها خشّت في البيوت
وبي كل صراح
….
وتلك حكاية أخرى قد نعود لها يومًا حول العلاقة الوثيقة بين النخلة والإنسان، وتلك الحرف اليدوية والصناعات التقليدية التي نشأت حولها، فكل جزء من النخلة كان يُستغل بالكامل دون إهدار. إذ ارتبطت النخلة بالحياة الاقتصادية والدينية والاجتماعية للناس منذ آلاف السنين، فكانت مصدرًا للغذاء الأساسي، ومادة للبناء، وللوقود.
أما موت الأشجار المفاجئ فله حكاية أخرى لا تقل قسوة من سقوط (كوم ود التوم)، فالأشجار مثل البشر تمامًا، قد تبدو في الصباح واقفة بكامل عافيتها، ثم تنهار فجأة في يوم قائظ أو بعد ليلة رطبة خانقة.
ويصف علماء النبات هذا بـ(الذبول الهيدروليكي)، حين تعجز الجذور عن سحب الماء الكافي بسبب موجات الحر الطويلة أو تملّح التربة، أو تغيّر نمط الأمطار بسبب التغيرات المناخية. فحين يحدث انقطاع مفاجئ في تدفق الماء داخل الجذع، تتوقف الخلايا عن العمل، وتنهار الشجرة كما ينهار قلب الإنسان.
مع تغيّر المناخ، اختلت أشياء كثيرة، إذ تغيّر نمط الأمطار، وصار المطر يأتي دفعة واحدة ثم يغيب شهورًا، فتتشقق الأرض. ويختل نظام التربة. كما ارتفعت درجات الحرارة بنسبة تتجاوز قدرة النخلة على تبريد نفسها.
ثم هناك هذه الهبوب غير المألوفة، رياح تأتي من اتجاهات لم يعتدها النخيل، خاصة وأن أشجارًا أخرى كانت تخفف من حدة الرياح قد أزيلت في الآونة الأخيرة. ويشير البعض إلى حمى انتشار صناعة الطوب، الأمر الذي يتطلب الكثير من خشب الحريق.
ألم يتراجع كذلك منسوب المياه الجوفية؟
ألا يتسبب هذا في موت النخلة من الأسفل؟
ألا تشيخ الأشجار مثلما يشيخ الإنسان؟
ألم يتغير المكان؟
والنخلة كما الإنسان تموت من الشيخوخة، مثلما تموت من تغيّر الظروف التي كانت تمنحها الحياة. ولذلك، حين مات (ود التوم)، لم تمت معه الأسطورة فقط، بل ماتت البيئة القديمة التي كان يحرسها بعينه وقلبه. وكأن الكوم كان آخر ما تبقى من زمنٍ يعرف مواعيد المطر، ويحفظ اتجاه الريح، ويفهم لغة الأرض.





