الحركة الإسلامية من الدعوة إلى التمكين إلى الانهيار..

عادل يعقوب أحمد نور

في صبيحة 30 يونيو 1989، دقت طبول الانقلاب في الخرطوم، ليبدأ فصل جديد في تاريخ السودان. لم يكن مجرد تغيير عسكري آخر في بلد اعتاد الانقلابات، بل لحظة فارقة صعدت فيها حركة إسلامية كانت تعمل في الظل إلى سدة الحكم، مؤسسة أول نظام إسلامي سني في العالم الحديث يصل إلى السلطة عن طريق انقلاب عسكري. بعد ثلاثة عقود من الحكم، انتهى المشروع الذي حمل شعار “المشروع الحضاري” إلى انهيار مدوٍ، تاركًا وراءه دولة منهكة، ومجتمعًا ممزقًا، وحروبًا أهلية لا تزال تدور حتى اليوم. كيف تحولت الحركة من تنظيم دعوي إلى إمبراطورية فاسدة، ثم إلى دولة منهارة؟ الإجابة تكمن في ثلاثة عوامل مترابطة: الاقتصاد الذي تحول إلى أداة تمكين، والمجتمع الذي عانى التهميش والإقصاء، والجيش الذي تحول من مؤسسة وطنية إلى عصابة مسلحة في خدمة التنظيم.

لم يكن اقتصاد نظام الإنقاذ مجرد سوء إدارة، بل تحولًا ممنهجًا لمؤسسات الدولة إلى إمبراطورية تجارية في خدمة الحركة الإسلامية. وفقًا لشهادة رئيس الإدارة المالية السابق بهيئة أركان الجيش، أحكمت الحركة قبضتها على 80% من موارد الدولة عبر واجهات عسكرية، حيث كان القادة العسكريون مجرد غطاء لتنفيذ أجندات التنظيم. تحت غطاء “السيادة الوطنية”، تحولت المؤسسة العسكرية إلى ذراع للتهريب والفساد، حيث استخدمت قاعدة الخرطوم الجوية كممر آمن لتهريب الذهب بعيدًا عن رقابة الدولة والجمارك. هذه الشبكات المالية الموازية لم تكن مجرد فساد تقليدي، بل كانت بنية أقامتها الحركة لضمان “سياسة التمكين”، أي مكافأة الموالين أيديولوجيًا ومعاقبة المعارضين، على حساب المصلحة الوطنية. وقد خلق هذا التفاوت الصارخ بين الضباط المنتمين للحركة الذين تراكمت في أيديهم الثروات المليارية، والجندي العادي الذي عاش في بؤس شديد، شرخًا عميقًا في نسيج الجيش، مما أدى إلى تآكل العقيدة القتالية وتحويل المؤسسة العسكرية إلى هيكل متضخم من الضباط المتاجرين بمناصبهم.

انعكس الفشل الاقتصادي على علاقة النظام بالمجتمع، حيث اتسعت الفجوة بين الدولة والجماهير التي كانت تتوق للنهضة، لكنها وجدت نفسها تعيش على هوامش الحياة بدلًا من المشاركة في صناعة واقع جديد. لم تكن الحركة الإسلامية مجرد حركة سياسية عادية، بل أصبحت “قبيلة لكيان نخبوي مشغول بصراعاته أكثر من انشغاله بقضايا المجتمع السوداني”. وقد تجلى هذا الإقصاء بوضوح في البنية العرقية والجهوية للسلطة، حيث ضم حزب “المؤتمر الوطني” الذي استولى على الدولة عناصره من الشمال السوداني في مواقع القيادة واتخاذ القرار، فيما ظل أبناء الأقاليم الأخرى – خاصة دارفور وكردفان والشرق – مهمشين.

هذه البنية لم تكن استثناءً عن أنماط الحكم السابقة، لكنها رسخت مفهوم “المركز والهامش” بطريقة أكثر إقصائية، حيث مثل أبناء الشمال، الذين لا تتجاوز نسبتهم 4% من سكان السودان، ثلثي مفاصل الحكم والثروة. وقد عكس هذا التهميش بعدًا ثقافيًا عميقًا تمثل في وصمة اجتماعية جعلت “الآخر” – غير العربي أو غير المسلم – يشعر بالدونية وعدم الانتماء، وهو ما جعل الصراع في السودان يأخذ منحىً عرقيًا ودينيًا إلى جانب اقتصاده السياسي.

لم تكن عسكرة الدولة مجرد انقلاب عسكري، بل كانت مشروعًا لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية نفسها. فمنذ انقلاب 1989، تم إحلال الكوادر المؤدلجة في المناصب الحساسة، وتحويل العقيدة العسكرية من حماية السيادة إلى إدارة اقتصاد الظل. هذه التحولات خلقت ما وصفه بعض المراقبين بوجود “جيشين” في السودان: جيش عام يتكون من ضباط صف وجنود يتميزون بالاحتراف والأخلاق، لكنهم يعيشون واقعًا إنسانيًا سيئًا، وجيش مخصخص يمثل مجموعة سياسية عرقية غير محترفة عسكريًا تمارس الفساد وتختطف اسم الجيش.

هذا الجيش المخصخص هو الذي فرض سياسة التفرقة باسم الجيش وأدار الحروب الأهلية، فيما ظل الجيش العام ينسحب من مناطق القتال لإدراكه بخطأ الحرب الأهلية. وقد انعكس هذا الانقسام بوضوح في الحرب الأخيرة، حيث لم تكن مجرد حرب على السلطة، بل صراعًا بين جيش مخصخص ورث عقلية الإقصاء والتمكين، ومليشيات قبلية وجهوية نشأت في أحضان النظام نفسه.

محاولة النظام البائد العودة إلى السلطة بالقوة في الحرب الأخيرة لم تكن سوى تتويجًا لهذا المسار المأساوي. فالاعتماد على الميليشيات الموازية لحماية نفوذ الإسلاميين، والذي بدأ منذ سنوات الإنقاذ الأولى، خلق واقعًا جديدًا من الفوضى المسلحة التي أطاحت بالبلاد في هاوية الصراع.

قصة الحركة الإسلامية في السودان هي قصة مشروع بدأ بالدعوة وانتهى بالإمبراطورية الفاسدة التي أكلت الدولة من الداخل. الاقتصاد تحول إلى أداة تمكين، والمجتمع إلى هامش مهمش، والجيش إلى عصابة مسلحة، قبل أن تنهار كل هذه البنى تحت وطأة تناقضاتها الداخلية، تاركة البلاد في مواجهة واحدة من أعنف حروبها الأهلية.

ومأساة السودان أن حركة كانت تحلم ببناء “دولة حضارة” لم تستطع بناء دولة قانون، ومرتكزاتها كانت الإقصاء والتمكين، الأمر الذي حول مشروعها النهضوي إلى كابوس أثقل كاهل بلد غني بإمكاناته، ليهوي بها في نهاية المطاف في هاوية الصراع والانهيار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى