الإعلام والسلام والسِّلم الاجتماعي .. نحو ثقافة إنسانية تُعزِّز التعايش والتسامح (2)

طه هارون حامد
يُعدّ السلام والسِّلم الاجتماعي من أعظم القيم الإنسانية التي تسعى المجتمعات إلى ترسيخها، لأنهما يمثلان الأساس الحقيقي للاستقرار والتنمية والتقدم الحضاري. وفي عالمنا المعاصر، لم يعد تحقيق السلام مسؤولية الحكومات والمؤسسات السياسية وحدها، بل أصبح الإعلام شريكًا أساسيًا في صناعة الوعي الإنساني، وبناء ثقافة التفاهم، وترسيخ قيم التسامح والتعايش بين الشعوب. فالإعلام اليوم يمتلك قوة التأثير في العقول والقلوب، ويستطيع أن يكون جسرًا للسلام كما يمكن أن يتحول إلى أداة للصراع والانقسام إذا أُسيء استخدامه.
إن السلام بمفهومه الشامل لا يقتصر على غياب الحروب المدمرة التي تبدأ بالملاسنة وتستمر في المخاشنة إلى أن تقضي على الأخضر واليابس، والنزاعات المسلحة فقط، بل يشمل أيضًا سلام الإنسان مع ذاته، ومع أسرته، ومجتمعه، وثقافته، وبيئته، ودينه، ومع الإنسانية جمعاء. فالسِّلم الاجتماعي هو حالة من الانسجام والتوازن تقوم على الاحترام المتبادل، والعدالة، وقبول الاختلاف، والحفاظ على كرامة الإنسان وحقوقه دون تمييز.
وفي هذا الإطار، يلعب الإعلام دورًا محوريًا في نشر ثقافة السلام من خلال تعزيز الخطاب الإيجابي، ومحاربة الكراهية والتطرف، وتسليط الضوء على النماذج الإنسانية التي تُجسد قيم الرحمة والتعاون والتسامح. فالكلمة المسؤولة قادرة على إخماد نار الفتنة، بينما قد تؤدي الكلمة غير المسؤولة إلى تأجيج الصراعات وزرع الانقسام بين أفراد المجتمع.
لقد ارتبط السلام عبر التاريخ بالثقافة والتراث الإنساني ارتباطًا وثيقًا، فالحضارات القديمة جميعها دعت إلى التعايش واحترام الخلق والإنسان. في المقدمة، كما أن التراث العربي والإسلامي زاخر بالنماذج التي تؤكد أهمية التسامح والرحمة والتعاون بين الناس. فقد قامت المجتمعات العربية عبر العصور على قيم الكرم، وحسن الجوار، وإغاثة الملهوف، واحترام الضيف، وهي قيم إنسانية تُعزز السِّلم الاجتماعي وتمنع التفكك المجتمعي.
أما الدين، فقد جاء في جوهره رسالة سلام ورحمة للعالمين. وسيدنا محمد أُرسل رحمةً للعالمين، فالأديان السماوية جميعها تدعو إلى المحبة والتسامح ونبذ العنف والكراهية. والإسلام على وجه الخصوص جعل السلام قيمة أساسية في حياة الإنسان، ويتجلى ذلك حتى في التحية اليومية بين الناس: “السلام عليكم”، وهي رسالة تحمل معاني الأمن والطمأنينة والرحمة. كما دعا الإسلام إلى الحوار بالحكمة والموعظة الحسنة، وإلى احترام الإنسان مهما كان دينه أو عرقه أو لغته، لأن كرامة الإنسان من كرامة الإنسانية كلها.
وفي زمن العولمة والانفتاح الرقمي، ازدادت مسؤولية الإعلام بشكل كبير، خاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت تؤثر في تشكيل الرأي العام وتوجيه السلوك المجتمعي. وهنا تظهر الحاجة إلى إعلام مهني وواعٍ يُعزز ثقافة الحوار بدلًا من خطاب الكراهية، وينشر الوعي بدلًا من الشائعات، ويقرب بين الشعوب بدلًا من تأجيج الخلافات.
فالإعلام المهني الحقيقي لا يقتصر دوره على نقل الأخبار، بل يتجاوز ذلك إلى بناء الإنسان الواعي القادر على احترام التنوع الثقافي والديني والفكري. كما أن الإعلام المسؤول يسهم في حماية النسيج الاجتماعي من التفكك، من خلال نشر قيم المواطنة، والانتماء، والتعاون، والعمل المشترك من أجل مستقبل أفضل.
ومن أهم مقومات السِّلم جبر الضرر، ورد الظلم الاجتماعي، تعزيز العدالة الاجتماعية، ومحاربة الفقر والتمييز والتهميش، لأن المجتمعات التي يسودها الظلم تكون أكثر عرضة للعنف والصراعات. ولذلك فإن الإعلام الواعي يجب أن يسلط الضوء على قضايا الإنسان الحقيقية، وأن يدافع عن قيم العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية.
كما أن الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية والدينية تشترك جميعها مع الإعلام في بناء ثقافة السلام. فالتربية على احترام الآخر، وقبول الاختلاف، والتعاون، والحوار، تُعد من أهم الوسائل التي تُنشئ أجيالًا قادرة على الحفاظ على السِّلم الاجتماعي وحماية مجتمعاتها من التطرف والانقسام.
إن العالم اليوم بحاجة ماسّة إلى خطاب إعلامي توعوي إنساني يُعبر عن القيم الأصيلة الموروثة، ويسعى في تطويرها، ويغرس الرحمة والمحبة والتسامح، ويُرسخ مفهوم أن اختلاف البشر في الثقافات والأديان والأفكار هو مصدر غنى حضاري وليس سببًا للصراع. فالحضارات لا تتقدم بالحروب والكراهية، بل بالتعاون والتفاهم وبناء جسور الثقة بين الشعوب.
يبقى السلام رسالة إنسانية سامية، والإعلام أداة مؤثرة في ترسيخ هذه الرسالة أو إضعافها. لذلك فإن مسؤولية الإعلامي والمثقف والمفكر كبيرة في نشر ثقافة السِّلم الاجتماعي، وتعزيز قيم التسامح والإنسانية، وصناعة وعي مجتمعي يُؤمن بأن الإنسان أخو الإنسان مهما اختلفت الأوطان والثقافات والأديان. فحين ينتصر السلام في الفكر والكلمة والسلوك، ينتصر الإنسان وتزدهر الحضارة، ويصبح العالم أكثر أمنًا وعدلًا واستقرارًا.





