قانونٌ يُصادَق عليه في الخفاء… وجهازٌ مصرفي على حافة الهاوية

مقال بحثي تحذيري حول قانون تنظيم العمل المصرفي لسنة 2026، ومآلاته على المودعين والملاك وصناع القرار
مبني على قراءة تحليلية لحديث الأستاذ يسن حسن بشير، الكاتب والمحلل المعروف، في الحلقة 22 من سلسلة “قضايا ساخنة”
عمر سيد احمد
باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل
Email: o.sidahmed09@gmail.com
مقدمة: سابقة خطيرة في تاريخ التشريع المصرفي السوداني
في وقتٍ تعيش فيه البلاد أوضاعاً استثنائية فرضتها الحرب، صدر قانون تنظيم العمل المصرفي لسنة 2026 ليحل محل قانون 2004، لكنه لم يمرّ عبر الطريق المعتاد للتشريع. فقد جرى التصديق عليه في غياب المجلس التشريعي، ودخل حيز النفاذ دون إعلان رسمي واضح أو حوار مؤسسي مع القطاع المصرفي والجمعيات العمومية والمساهمين المعنيين بمصير أموالهم واستثماراتهم. هذا الأسلوب في التشريع – في تكتم، وبمعزل عن الرقابة التشريعية، وبسلطة الأمر الواقع – يشكّل بذاته سابقة خطيرة، بصرف النظر عن مضمون القانون، لأنه يرسّخ نمطاً يمكن أن يتكرر مستقبلاً في تعديل تشريعات مصيرية أخرى دون أي ضمانات رقابية.
هذا المقال يستعرض أبرز محاور النقد التي قدّمها الأستاذ يسن حسن بشير، ويضعها في سياق تحذيري صريح موجّه لثلاث فئات معنية مباشرة بهذا القانون: المودعون، وملاك وحملة أسهم البنوك، وأصحاب القرار
أولاً: بنية القانون – سلطات تقديرية بلا سقف
يرى المحلل أن القانون الجديد لا يكتفي بالتنظيم الرقابي المعتاد، بل يمنح بنك السودان المركزي، ممثلاً في شخص المحافظ، سلطات تقديرية واسعة وغير مقيدة عملياً بضوابط صارمة أو مراجعة مؤسسية مسبقة. أبرز هذه الصلاحيات:
- المراجعة الخاصة (المادة 55): تعيين مراجع قانوني خاص لمراجعة شاملة أو محدودة لأي بنك دون الرجوع إلى جمعيته العمومية أو مجلس إدارته أو إدارته التنفيذية – خروجاً عن منطق قانون 2004 الذي كان يقصر هذا الحق على حالة فشل البنك في تعيين مراجع خارجي.
- عزل مجالس الإدارة (المادة 60): تخويل البنك المركزي عزل أو استبدال رئيس مجلس الإدارة أو أي عضو فيه أو في الإدارة التنفيذية، وفرض قيود على حوافزهم ومكافآتهم.
- تعيين مدير مؤقت (المادة 70): منح المحافظ سلطة فرض مدير مؤقت على المصرف، وهو تدخل مباشر في صميم صلاحية المساهمين في اختيار قياداتهم.
- “جهة الجسر” (المادة 75): مصطلح غامض يتيح تحويل أصول وحقوق والتزامات مصرف خاضع للمعالجة إلى كيان غير محدد الهوية أو الضوابط.
- النص الجامع المطاط (المادة 60): عبارة “أي إجراءات أخرى يراها البنك مناسبة” تفتح الباب أمام تدخل شبه مطلق لا تحكمه معايير واضحة.
يصف المحلل هذه النصوص بأنها “عائمة وغير ممسوكة”، أي أنها صيغت بلغة فضفاضة تتيح تأويلات واسعة يصعب معها محاسبة من يستخدمها أو التنبؤ بحدودها.
ثانياً: الوجه الآخر – لماذا يختلف البنك عن أي شركة أخرى؟
قبل المضي في نقد صياغة القانون، من الضروري – إنصافاً للصورة الكاملة – التوقف عند المبرر الجوهري الذي تقوم عليه فكرة الرقابة المصرفية المشددة أصلاً، والذي لم يُفرد له حديث المحلل مساحة كافية.
البنك ليس كأي شركة عامة. فمجلس إدارة الشركة التجارية العادية مسؤول أمام مساهميه فقط، الذين انتخبوه ويملكون حق محاسبته مباشرة عبر الجمعية العمومية. أما مجلس إدارة البنك فهو أمين على نوعين من الأموال في آنٍ واحد: أموال المساهمين، وأموال المودعين – وهؤلاء الأخيرون طرف ثالث لا صوت له في اختيار المجلس ولا رقابة مباشرة له على قراراته، رغم أن أموالهم غالباً ما تفوق رأس مال البنك بأضعاف مضاعفة.
هذه الفجوة بين من يملك القرار (المساهمون) ومن يتحمل الجزء الأكبر من المخاطر (المودعون) هي ما يُعرف في الأدبيات المصرفية بمشكلة “الوكالة”، وهي الأساس النظري لما يُسمى الرقابة الاحترازية (Prudential Regulation) المعمول بها في كل الأنظمة المصرفية المستقرة تقريباً. فانهيار بنك واحد لا يضرّ ملاكه فقط، بل يمكن أن يجرّ معه مدخرات آلاف الأسر، ويهدد الثقة في الجهاز المصرفي بأكمله عبر ما يُعرف بـ”العدوى المصرفية”، بل وقد يهدد الاستقرار الاقتصادي الكلي للدولة.
من هذا المنطلق، فإن منح البنك المركزي صلاحيات لا تُمنح لأي جهة تنظيمية أخرى – كالتدخل المبكر، ومراجعة الملاءة، وحتى عزل إدارة فاشلة أو متلاعبة – ليس شذوذاً عن الأصل، بل هو جوهر الدور المنوط ببنك مركزي في أي اقتصاد: حماية المودع الذي لا حول له ولا قوة في مواجهة إدارة بنك قد تكون متهورة، أو مقصّرة، أو ببساطة تسير نحو الإفلاس دون أن يعلم.
ثالثاً: لماذا يوصف القانون – رغم ذلك – بأنه “قانون تأميم” لا “تنظيم”؟
مبرر الرقابة الاحترازية إذن مشروع ولا خلاف عليه من حيث المبدأ. لكن السؤال الذي يطرحه المحلل، والذي يستحق فعلاً أن يُبحث بجدية، ليس “هل يحق للبنك المركزي أن يتدخل؟” – فهذا حقه الأصيل – بل: أين الخط الفاصل بين رقابة احترازية منضبطة بمعايير موضوعية، وبين صلاحيات تقديرية مطلقة تتجاوز حماية المودع إلى مصادرة القرار المؤسسي؟
الأنظمة المصرفية الرصينة تضبط هذا الخط عادة بمعايير كمّية وموضوعية قابلة للقياس: نسب كفاية رأس المال، مؤشرات السيولة، حدود التركز الائتماني، اختبارات الإجهاد الدوري – بحيث يعرف كل بنك مسبقاً متى ولماذا قد يتدخل المنظّم، ويملك حق الاعتراض والتظلم. أما حين تُصاغ نصوص التدخل بعبارات مفتوحة مثل “أي إجراءات أخرى يراها البنك مناسبة” (المادة 60)، أو حين تُتيح مادة مثل (75) تحويل أصول بنك إلى “جهة جسر” غير محددة الهوية دون معايير واضحة لمتى ولماذا يحدث ذلك، فإن الإشكال لا يكمن في مبدأ التدخل ذاته، بل في غياب الضوابط الموضوعية التي تميّز الرقابة الاحترازية المشروعة عن الهيمنة الإدارية غير المقيدة.
يستحضر المحلل تجربة تأميم البنوك الأجنبية في أوائل السبعينات إبّان حكم الرئيس الأسبق جعفر نميري، معتبراً إياها أول ضربة وُجّهت للاقتصاد الوطني السوداني، وأنها تسببت في جعل الاقتصاد يترنح منذ ذلك الحين. ويرى أن القانون الجديد يمثل استمراراً لنفس النهج، إذ يصفه بأنه
“قانون تأميم ومصادرة” غير معلن للبنوك التجارية الخاصة والأجنبية، لا مجرد تنظيم للعمل المصرفي كما يوحي عنوانه. فالفارق بين “التنظيم” و”التأميم” هنا ليس شكلياً: التنظيم يضع ضوابط تحكم عمل مؤسسات مستقلة، بينما ما يصفه المحلل هو تفريغ لاستقلالية هذه المؤسسات من مضمونها عبر أدوات قانونية غير مباشرة – العزل، والمراجعة القسرية، والتدخل التنفيذي – تصل في مجملها إلى نزع فعلي للسيطرة عن الملاك والمساهمين.
رابعاً: توقيت كارثي – تشديد القيود في زمن الحرب
من أخطر ما يشير إليه المحلل هو توقيت صدور القانون: فالمنطق الاقتصادي المتعارف عليه في الأزمات والحروب يقتضي تخفيفالقيود عن الجهاز المصرفي لتمكينه من الاستمرار في تمويل الاقتصاد ودعم الاستقرار النقدي، لا تشديدها وتعجيز البنوك. ويستشهد بتجربة المملكة العربية السعودية في أزمة 1991، حين رفعت القيود عن البنوك في وقت الأزمة بدلاً من زيادتها، لتعزيز قدرة الجهاز المصرفي على الصمود ودعم الاقتصاد.
القانون السوداني الحالي يسير في الاتجاه المعاكس تماماً: يضاعف القيود، ويوسّع صلاحيات التدخل، في وقتٍ يحتاج فيه الاقتصاد الوطني إلى أقصى درجات الثقة والاستقرار المؤسسي لجذب ما تبقى من رساميل واستثمارات.
خامساً: من الرقابة المؤسسية إلى “الطابع الأمني”
يستند المحلل إلى واقعة ملموسة لدعم تحليله: قرار البنك المركزي الصادر في 12 يوليو 2026 بحق بعض المصارف بسبب مخالفات متعلقة بالنقد الأجنبي. ويرى أن هذا القرار كشف تحوّلاً جوهرياً في طبيعة عمل البنك المركزي، من مؤسسة رقابية إلى ما يشبه “الشرطي” الذي يمارس صلاحيات أمنية بمعزل عن الأعراف المصرفية:
- تجاوز التسلسل الإداري: الإجراء السليم عند اكتشاف مخالفة هو مخاطبة الإدارة التنفيذية ومجلس إدارة البنك المعني، لا التدخل المباشر بالفصل والإيقاف.
- غياب المهنية في التوقيع: صدور القرار موقّعاً من “إدارة الاتصال المؤسسي” رغم أن أسلوبه – بحسب وصف المحلل – أقرب لأسلوب “إدارة اتصال أمني” يعتمد الترهيب والجزاءات الفورية.
- معاملة البنوك كمتهمين: تحويل البنوك التجارية، بشخصيتها الاعتبارية المستقلة، إلى كيانات تحت تهديد مستمر، بدلاً من التعامل معها كمؤسسات شريكة في تحقيق الاستقرار النقدي.
سادساً: مَن يستفيد؟ – مخاوف الاستحواذ والسمسرة
يطرح المحلل تساؤلاً جوهرياً: هل هذه الصلاحيات الواسعة بريئة فعلاً، أم أنها أداة لخدمة مصالح جهات بعينها؟ ويشير – في حدود تحليله الخاص وتقديره الشخصي – إلى أن نصوصاً مثل “جهة الجسر” (المادة 75) قد تفتح الباب أمام تحويل أصول بنوك خاصة إلى كيانات غير معلومة الهوية، بما يتيح لمجموعات متنفذة السيطرة على مؤسسات مصرفية بعينها تحت غطاء قانوني. ويقارن هذا النمط بما وصفه سابقاً من عمليات “سمسرة” مشابهة شهدتها قرارات استيراد المواد البترولية، حيث تُوجَّه القرارات الاقتصادية لخدمة جهات تحصل على عمولات مقابل تنفيذ صفقات الدمج أو الاستحواذ.
هذه النقطة تحديداً تستحق وقفة تحذيرية إضافية: فحين تُصاغ نصوص قانونية بلغة فضفاضة كهذه، وتُمرَّر دون رقابة تشريعية أو إعلان علني واضح، وفي ظل حرب تتيح غطاءً من الفوضى وضعف المساءلة، يصبح من الصعب استبعاد أن يكون بعض المستفيدين من هذا الغموض أطرافاً لها مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في استمرار حالة عدم الاستقرار – سواء كانت أطرافاً محلية متنفذة، أو جهات مرتبطة بأطراف النزاع نفسه. هذا لا يعني تأكيد وجود مثل هذا الارتباط، لكنه سؤال مشروع تفرضه طريقة سنّ القانون ذاتها: لماذا التكتم؟ ولماذا الآن؟ ولمصلحة مَن؟
سابعاً: من يُهدَّد فعلياً؟ ثلاث فئات في مرمى الخطر
- المودعون
لم يتضمن القانون – بحسب التحليل المعروض – أي معايير واضحة تعزز حماية أموال المودعين أو تضمن استمرارية أداء البنوك بشكل آمن. فحين تصبح البنوك عرضة للتدخل المفاجئ، أو للمراجعة القسرية، أو لتحويل أصولها إلى “جهة جسر” مجهولة الهوية، يصبح مصير الودائع مرهوناً بقرارات إدارية فوقية لا شفافية فيها ولا رقابة قضائية أو تشريعية مسبقة عليها. المودع الذي لا يعرف متى وكيف قد تُعزل إدارة بنكه، أو تُحوَّل أصوله، هو مودع يفقد الثقة الأساسية التي يقوم عليها أي نظام مصرفي.
- الملاك وحملة الأسهم
يؤكد المحلل أن القانون يفترض ضمناً “عدم أهلية” البنوك التجارية لإدارة شؤونها، ويهمّش دور الجمعيات العمومية – وهي الأحرص عملياً على أموالها ومصالحها من أي جهة خارجية – محوّلاً مجالس الإدارة المنتخبة من هيئات صاحبة قرار إلى كيانات مكبّلة تحت تهديد العزل الدائم. النتيجة المتوقعة: توجّه متزايد من البنوك الخاصة والأجنبية نحو طلب “التصفية الاختيارية” هرباً من القيود الخانقة – كما حدث سابقاً مع بنك أبوظبي الإسلامي – وهو ما يعني خسارة مباشرة لرؤوس أموال المساهمين وتراجعاً حاداً في قيمة استثماراتهم.
- صنّاع القرار والاقتصاد الوطني
يحذر المحلل من أن استمرار هذا القانون سيغلق الباب أمام أي استثمارات جديدة في القطاع المصرفي، حتى بعد توقف الحرب، لأن البيئة القانونية نفسها – لا الحرب وحدها – هي ما يطرد المستثمرين. وبذلك يتحمّل صانع القرار مسؤولية مضاعفة: مسؤولية تمرير قانون بهذه الخطورة دون رقابة، ومسؤولية ما سيترتب عليه من تصفية للجهاز المصرفي وانهيار للثقة الاستثمارية في مرحلة تالية للحرب هي الأحوج لإعادة الإعمار وليس لتنفير رأس المال.
تاسعاً: أسئلة يجب طرحها – شهادة محافظ سابق
في سياق توثيقي يعزز ما أثاره المحلل حول غياب المسار المؤسسي الطبيعي لسنّ هذا القانون، أفاد محافظ سابق لبنك السودان المركزي بأن تعديل قانون بهذا الحجم والخطورة لا يجوز أن يتم إلا وفق إجراءات داخلية طويلة ومتأنية، تشمل مناقشات موسّعة، وبحضور إلزامي لأطراف من الجهاز العدلي، وقانونيين مستقلين من خارج بنك السودان نفسه – لا أن يُصاغ ويُصدَّق من داخل المؤسسة المعنية به مباشرة وبمعزل عن أي طرف خارجي رقيب.
هذه الشهادة – الصادرة عن شخص شغل موقع المحافظ سابقاً ويُفترض أنه على دراية مباشرة بالمسار الإجرائي الصحيح – ترفع مستوى الجدية في التساؤلات التالية، التي ينبغي أن تُطرح رسمياً وأن تحصل على إجابات موثقة قبل أي حديث عن استمرار العمل بالقانون:
وهذا ليس رأياً شخصياً معزولاً، بل ممارسة معتمدة عالمياً. فمن المتعارف عليه في البنوك المركزية حول العالم الاستعانة بمستشارين قانونيين خارجيين مستقلين لتقديم رأي قانوني محايد، خصوصاً في تعديل القوانين ذات الأثر الجوهري على القطاع المالي، أو في المسائل التي قد تمسّ استقلالية البنك المركزي نفسه أو حقوق الجهات الخاضعة لرقابته. ولا يُقصد بهذا الرأي الخارجي إحلاله محل الإدارة القانونية الداخلية للبنك، بل تعزيز الحوكمة والشفافية عبر رأي مستقل يقلّل من احتمال تضارب المصالح – إذ إن الجهة نفسها التي ستوسّع صلاحياتها بموجب قانون معين ليست الأنسب لتكون الصائغ الوحيد لنصوصه. وتلجأ مؤسسات دولية كصندوق النقد والبنك الدوليين، عند تقييم الأطر التشريعية والرقابية للدول، إلى خبراء قانونيين مستقلين لهذا السبب تحديداً.
وعليه، فإن غياب هذه الخطوة – إن ثبت – لا يُعدّ مجرد تجاوز إجرائي شكلي، بل ابتعاداً عن معيار حوكمة معترف به دولياً في تشريع بهذا الحجم والأثر.
- مَن صاغ القانون فعلياً؟ هل شارك في صياغته أي جهاز عدلي مستقل (كوزارة العدل أو هيئة تشريعية مختصة)، أم اقتصرت الصياغة على جهات داخل بنك السودان المركزي نفسه – وهو الطرف الذي يستفيد مباشرة من توسيع صلاحياته؟
- أين قانونيّو خارج المؤسسة؟ هل استُعين برأي قانوني مستقل من خارج بنك السودان، كما تقتضيه الممارسة الدولية المعتمدة في تعديل القوانين المصرفية ذات الأثر الجوهري – أم اقتصر الأمر على الإدارة القانونية الداخلية للبنك، وهي طرف له مصلحة مباشرة في توسيع صلاحيات المؤسسة التي ينتمي إليها؟
- أين المداولات الموثقة؟ هل توجد محاضر جلسات، أو مسودات متبادلة، أو تقارير أثر تنظيمي (Regulatory Impact Assessment) تُظهر أن القانون مرّ بمرحلة نقاش داخلي وخارجي طويلة كما يقتضيه العرف المؤسسي، أم أن ما جرى هو صياغة سريعة ومحدودة المشاركين؟
وهنا مفارقة موثقة تستحق التوقف عندها بذاتها: فحين تُراجع صفحة القوانين على الموقع الرسمي لبنك السودان المركزي، يظهر أن القانون لا يزال مُدرجاً باسم “قانون تنظيم العمل المصرفي للعام 2004” دون وجود صفحة أو نص منفصل منشور بعنوان “لسنة 2026”. في المقابل، ينشر البنك نفسه لوائح تنفيذية فرعية صدرت في 2026 – مثل لائحة الترخيص بمزاولة أعمال الوكالة المصرفية – وهذه اللوائح تستند صراحة إلى مواد من ذلك القانون. بعبارة أخرى: تصدر تعليمات وقرارات تنفيذية استناداً إلى تعديل مُعلن للقانون، بينما نص ذلك التعديل نفسه، بصيغته الكاملة والمحدثة، غير متاح للجمهور أو حتى للبنوك المعنية للمراجعة والتحقق منه. هذا التناقض بين تفعيل مواد القانون عملياً وغياب نصها المنشور رسمياً ليس افتراضاً، بل واقعة يمكن لأي شخص التحقق منها بمراجعة الموقع الرسمي بنفسه – وهي تمثل، بمعزل عن أي رأي أو تحليل، أوضح دليل على أزمة الشفافية التي يحذر منها هذا المقال.
- لماذا غاب ممثلو البنوك التجارية والمساهمين؟ هل استُشيرت الجمعيات العمومية للبنوك، أو اتحاد المصارف، أو ممثلو المودعين والمستثمرين، قبل صياغة نصوص تمسّ حقوقهم مباشرة؟
- لماذا لم يُعلن القانون بشكل رسمي وواضح؟ إذا كان القانون قد اتّبع فعلاً مساراً سليماً وشفافاً، فما المبرر لعدم الإعلان عنه بوضوح للرأي العام والقطاع المصرفي فور التصديق عليه، بدلاً من دخوله حيّز النفاذ في صمت؟
إن لم تتوفر إجابات موثقة ومقنعة على هذه الأسئلة، فإن ذلك يعزز فرضية أن القانون صدر بمسار مختصر ومحصور في جهة واحدة هي الجهة نفسها المستفيدة من توسّع صلاحياتها – وهو بالضبط النمط الإجرائي الذي حذّر منه المحافظ السابق باعتباره مخالفاً للأصول المتبعة في أي تعديل تشريعي مصرفي جاد.
عاشراً: نداء تحذيري ختامي متوازن
يختم الأستاذ يسن حسن بشير تحليله بنداء استغاثة موجّه مباشرة إلى القيادة السودانية، محذراً مما وصفه بـ”الطرش السياسي” الذي يصيب المسؤولين بمجرد وصولهم إلى السلطة، وداعياً إلى ضرورة الإصغاء لهذه التحذيرات قبل فوات الأوان. وتوصيته الصريحة هي إلغاء هذا القانون أو تجميده فوراً، والعودة للعمل بقانون 2004 لحين استقرار البلاد.
غير أن الإنصاف يقتضي التأكيد على أن المطلوب ليس إسقاط مبدأ الرقابة المصرفية نفسه – فهذا المبدأ ضروري وثابت لحماية المودعين كما أوضحنا – بل إعادة صياغة النصوص المطاطة بما يضمن أن يبقى التدخل مبنياً على معايير موضوعية وشفافة، لا على سلطة تقديرية مطلقة قد تُستغل، عمداً أو نتيجة ضعف الرقابة المؤسسية، لخدمة أغراض بعيدة عن حماية المودع.
تحذير عاجل لأصحاب المصلحة
- للمودعين: التدخل الرقابي في حد ذاته حمايةٌ لأموالكم وليس تهديداً لها؛ راقبوا تحديداً مدى شفافية القرارات ووضوح أسبابها، لا مبدأ التدخل ذاته.
- للملاك والمساهمين: راجعوا موقفكم القانوني، وتشاوروا مع مستشاريكم بشأن الآثار المحتملة للنصوص المفتوحة في القانون على حوكمة مؤسساتكم وحقوقكم في التظلم.
- لصناع القرار: المطلوب ليس التراجع عن الرقابة المصرفية، بل استبدال الصلاحيات التقديرية المطلقة بمعايير موضوعية قابلة للقياس والمساءلة، عبر حوار مؤسسي وتشريعي علني.
إن استمرار العمل بنصوص فضفاضة دون ضوابط موضوعية واضحة – في ظل غياب الشفافية والرقابة التشريعية، وفي زمن حرب يمنح غطاءً لتضارب المصالح – يحمل خطر تصفية البنوك الخاصة والأجنبية، وتبديد الثقة الاستثمارية لسنوات مقبلة، وربما فتح الباب أمام جهات تسعى، عن قصد أو عن استغلال للظرف الراهن، لتوظيف أدوات الرقابة المشروعة أصلاً لغايات لا علاقة لها بحماية المودع. الحل ليس إضعاف الرقابة، بل ضبطها.
*المقال مبني على تحليل الأستاذ يسن حسن بشير، مع إضافة زاوية تحذيرية توليفية من إعداد هذا المقال





