البحث عن الأحلام تحت رواكيب متهالكة.. “كرياندونغو”.. تعليم بسياط الغربة والحرمان

سمر سليمان

في معسكر كرياندونغو للاجئين في أوغندا، لا تبدأ الحكاية بجرس المدرسة، بل بصراع يومي من أجل الوصول إلى فصل دراسي لا يقي حر الشمس ولا يحجب زخات المطر. هناك يحاول مئات التلاميذ السودانيين أن ينتزعوا حقهم في التعليم بعدما انتزعت الحرب منهم الوطن، والمقاعد الدراسية، والأيام الآمنة.

عندما اندلعت الحرب في السودان، حملت آلاف الأسر ما استطاعت حمله وغادرت بحثًا عن الأمان. وكانت أوغندا إحدى الوجهات التي قصدها اللاجئون أملًا في حياة أكثر استقرارًا، وتعليم يحفظ مستقبل أبنائهم، ورعاية صحية تضمن لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة، لكن الواقع الذي وجدوه كان أكثر قسوة مما توقعوا.

في معسكر كرياندونغو تقف مدرسة الإسناد بمنطقة مقامقا شاهدة على هذا الواقع، فالفصول ليست سوى رواكيب متهالكة، ممزقة بالكامل، لا توفر حماية من أشعة الشمس الحارقة ولا من الأمطار الغزيرة التي تهطل مرات عدة في اليوم. ورغم ذلك يواصل التلاميذ الحضور بإصرار لافت، وكأنهم يخوضون معركة أخرى، معركة لاسترداد السنوات التي سرقتها الحرب.

وما يزيد من مرارة المشهد أن كثيرًا من هؤلاء التلاميذ كانوا يدرسون في مدارس سودانية عريقة قبل أن تجبرهم الحرب على ترك كل شيء خلفهم، غير أن هذا التحول القاسي لم يقتل طموحهم، بل انعكس في نتائجهم الدراسية، إذ حقق طلاب المرحلة المتوسطة نسبة نجاح بلغت 93%، في مؤشر يعكس حجم الإصرار على التفوق رغم شح الإمكانات، ويبقى التحدي الأكبر أمامهم هو امتحانات الشهادة الثانوية.

ويقول الأستاذ محمود الجيلي، مدير مدرسة الإسناد بالمعسكر، إن فكرة إنشاء المدرسة جاءت بمبادرة من أولياء الأمور الذين رأوا ضرورة وجود مدرسة سودانية تراعي ظروف أبنائهم، خاصة مع صعوبة الوصول إلى المدارس الأوغندية، وضعف الإمكانات المادية، إضافة إلى حاجز اللغة وغياب مادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية من المناهج المحلية.

ويضيف أن المدرسة تعمل وسط تحديات هائلة، فالمعلمون يقدمون رسالتهم من دون رواتب، بينما تفتقر المدرسة إلى أبسط مقومات البيئة التعليمية. ويشير إلى أن الرواكيب أصبحت متهالكة، والحشائش الكثيفة المحيطة بها تعج بالحشرات والثعابين، في وقت توقفت فيه معظم المنظمات عن تقديم الدعم. ويقول: بعض الطلاب يتناولون وجبة واحدة في اليوم، وأحيانًا لا يجدون ما يأكلونه، لكنهم يأتون إلى المدرسة لأنهم يؤمنون بأن التعليم هو الطريق الوحيد لمستقبل أفضل.

أما الطالبة مزن مصطفى، فتروي جانبًا من معاناة التلاميذ، قائلة: نمر بظروف قاسية جدًا، أحيانًا يهطل المطر ونحن داخل الرواكيب المتهالكة، وقد يتكرر ذلك ثلاث مرات في اليوم. تصبح الحركة وسط الطين والوحل صعبة، وعندما نصل إلى المدرسة نخرج الكنب من المخزن حتى نتمكن من الدراسة، وفي النهاية نرجعه إلى المخزن مرة أخرى خوفًا من السرقة. بالرغم من الجوع والتعب نصبر لأننا نريد أن ننجح ونعود إلى السودان مع دفعتنا.

وتؤكد المعلمة وصال محمدين أن النجاح الذي حققته المدرسة شجع مزيدًا من الأسر على تسجيل أبنائها، ما يعني أن عدد الطلاب مرشح للزيادة خلال الفترة المقبلة. وتوضح أن المدرسة قد تضطر للعمل بنظام الفترتين الصباحية والمسائية، لكنها لا تملك الفصول الكافية لاستيعاب هذا العدد.

وتقول: نتمنى أن نحصل على فصول إضافية وبيئة تعليمية متكاملة. حتى مكتب المعلمين والمعلمات ليس سوى ظل شجرة، لكننا مستمرون لأن أبناءنا يستحقون فرصة للتعلم….

في كرياندونغو لا تقاس قيمة المدرسة بجدرانها، بل بالإرادة التي تحتضنها. فهؤلاء الأطفال لا يطلبون أكثر من سقف يحميهم، وكتاب يفتح لهم نافذة نحو المستقبل، وفرصة عادلة لاستكمال تعليمهم.

وبين رواكيب تتسرب منها الأمطار، وأحلام لا تزال تقاوم، يواصل تلاميذ السودان كتابة درس جديد عنوانه أن الحرب قد تهدم المدارس، لكنها لا تستطيع أن تهزم إرادة التعلم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى