أجيال السودان وهدار التعليم (20)

عثمان يوسف خليل 

حزم بلا قسوة… وحرية بلا فوضى:

إننا حين نتحدث عن بناء فصل آمن، لا بد أن يظهر سؤال قديم بصيغة جديدة:

هل يحتاج التعليم إلى الحزم… أم إلى اللين؟

لعلنا نتذكر أنه في ذاكرتنا جميعًا، هناك عبارات كانت تُقال بثقة:

“الضرب ينفعهم والعلم ينفعهم”، و”لك اللحم ولنا العظم”.

لم تكن هذه مجرد كلمات، بل ثقافة كاملة، تعطي المعلم سلطة شبه مطلقة، وتضع الطالب في موقع الخوف لا التعلم.

اليوم، ونحن ننظر إلى هذه العبارات، يحق لنا أن نسأل:

أي تعليم يمكن أن يُبنى على الخوف؟

وأي إنسان يمكن أن ينمو تحت التهديد؟

هل كان الحزم يعني القسوة؟

في كثير من التجارب، اختلط الحزم بالقسوة.

فالحزم مطلوب:

لتنظيم الفصل

لضبط السلوك

لخلق بيئة جادة للتعلم

لكن القسوة شيء آخر:

إهانة

تخويف

عقاب بدني أو نفسي

والخلط بين الاثنين هو ما خلق هذا الإرث الثقيل. الخوف لا يصنع تعلمًا… بل صمتًا.

الطالب الذي يخاف:

قد ينضبط ظاهريًا

لكنه لا يشارك

ولا يسأل

ولا يفكر بحرية

قد ينجح في الامتحان، لكنه لا ينمو.

والأخطر، أنه قد ينقل هذه الثقافة معه حين يكبر.

ما هو الحزم الحقيقي؟

الحزم لا يعني الصوت العالي، ولا العقاب، بل يعني الوضوح:

قواعد معلنة داخل الفصل

تطبيق عادل على الجميع

احترام متبادل لا يُكسر

إن المعلم الحازم لا يُخيف… بل يُحترم.

والحرية… هل تعني الفوضى؟

في المقابل، الخوف من القسوة قد يدفع البعض إلى الطرف الآخر: ترك الحبل على الغارب.

وهنا تظهر مشكلة أخرى:

غياب الانضباط

تشتت داخل الفصل

ضعف في التحصيل

الحرية في التعليم لا تعني الفوضى، بل تعني:

مساحة للتعبير

حق السؤال

إمكانية الخطأ

لكن داخل إطار واضح.

التوازن… أين يكمن؟

الفصل الناجح هو الذي يجمع بين الاثنين:

حزم يضع حدودًا واضحة

ومرونة تسمح بالحركة داخل هذه الحدود

بمعنى بسيط:

“تعلّم… لكن باحترام”. “اسأل… لكن دون تجاوز”.

وهذا التوازن لا يأتي بالقوانين فقط، بل بشخصية المعلم نفسه.

دور الأسرة… هل تغيّر؟

العبارات القديمة مثل “لك اللحم ولنا العظم” كانت تعني تفويضًا كاملًا للمدرس، حتى في القسوة.

إننا اليوم، نحتاج إلى شراكة مختلفة:

تحترم الطالب

تدعم المعلم

وترفض الإهانة كوسيلة للتربية

لأن التربية بالخوف قد تُنتج طاعة… لكنها لا تُنتج وعيًا.

في النهاية… ماذا نريد؟

هل نريد طالبًا صامتًا ومنضبطًا خوفًا؟

أم طالبًا واعيًا ومنضبطًا احترامًا؟

الفرق كبير. التعليم الحقيقي لا يُبنى على العصا… ولا ينجح بالفوضى…

بل يقوم على توازن دقيق:

حزم يحمي، وحرية تُنمي.

وفي الحلقة القادمة، يمكن أن نفتح ملفًا مكملًا:

كيف نعيد للمعلم هيبته… دون أن تعود القسوة معه؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى