عصابات “ترحال”.. حين تحولت رحلة العودة إلى فخ مسلح

الخرطوم: مصعب الشريف

لم يعد إيقاف عربة “ترحال” – وترحال هنا لا علاقة لها باسم الشركة المعروفة، وإنما بات اصطلاحًا يُطلق على كل عربات الأجرة – في بعض شوارع الخرطوم مجرد وسيلة للوصول إلى المنزل، بل تحول بالنسبة لكثيرين إلى مقامرة قد تنتهي بفقدان المال أو السيارة، وربما الحياة نفسها. فخلال الأسابيع الماضية، تصاعد نشاط عصابات مسلحة اتخذت من عربات الترحال وسيلة لاستدراج الضحايا إلى مناطق معزولة، قبل أن تنقض عليهم بأسلحة الكلاشينكوف والقرنوف والأسلحة البيضاء، في مشهد يعكس تحولًا خطيرًا في طبيعة الجريمة بالعاصمة.

هذه العصابات لم تكتفِ بنهب الهواتف والمقتنيات، بل انتقلت إلى سرقة السيارات بالقوة، وإطلاق النار على الضحايا، وصولًا إلى ارتكاب جرائم قتل، الأمر الذي دفع الشرطة إلى تنفيذ عملية واسعة انتهت بالإطاحة بأفراد الشبكة.

رحلة تنتهي تحت فوهة البندقية

كانت الخطة تتكرر بالطريقة نفسها. يستقل المواطن عربة ترحال تبدو طبيعية، وما إن تبتعد عن الطرق المأهولة حتى يظهر بقية أفراد العصابة، لتبدأ لحظات الرعب. تهديد بالسلاح، وتجريد الضحية من كل ما يملك، ثم الاستيلاء على السيارة وإلقاؤه في منطقة نائية، فيما لم ينجُ بعض الضحايا من الرصاص.

ومن بين أبشع الجرائم التي نُسبت للعصابة، حادثة المقرن التي انتهت بمقتل سائق بعد استدراجه، وهي القضية التي دُوِّن بشأنها الشرطة بلاغًا بالقسم الشمالي بالخرطوم.

الضحية الحادية عشرة قلبت المعادلة

تشير المعلومات إلى أن أول بلاغ ضد عصابات “ترحال” سُجل في أم درمان في السابع من يونيو الماضي، قبل أن تتوالى البلاغات بوتيرة متسارعة. أحد الضحايا تعرض لأذى جسيم، وآخر نُهبت سيارته بعد أن انتحل الجناة صفة قوة نظامية، بينما اضطر أحد أصحاب السيارات إلى التفاوض مع اثنين من المتهمين لاستعادة مركبته بعد سرقتها.

لكن القضية التي دفعت الشرطة إلى تكثيف تحركاتها كانت بلاغ السيدة التي حمل الرقم (11). فقد تعرضت لإطلاق نار أصاب قدمها أثناء مقاومتها للعصابة التي حاولت الاعتداء عليها وسرقتها، لتتحول الواقعة إلى نقطة تحول في مسار التحريات.

لم يسلم حتى أفراد القوات النظامية

اتسعت دائرة استهداف العصابة لتشمل الجميع. فقد دوّن رقيب بالشرطة بلاغًا بعد تعرضه للسرقة، كما عُثر على سيارة تخص ضابط برتبة عقيد في الجيش بعد سرقتها، وكانت بطاقة الضابط ضمن المضبوطات التي وُجدت بحوزة أحد أفراد العصابة عند القبض عليهم.

كمين أنهى أشهر الرعب

في عملية وُصفت بأنها من أكبر العمليات الأمنية خلال الفترة الأخيرة، نسقت شرطة جبل أولياء مع شرطة أم درمان وأمبدة، ونفذت كمينًا محكمًا انتهى بالقبض على جميع أفراد التشكيل الإجرامي أثناء تنقلهم بعربات منهوبة.

وضبطت الشرطة بحوزة المتهمين ثماني قطع سلاح، بينها بنادق كلاشينكوف وقرنوف، إلى جانب أسلحة بيضاء ومنهوبات مختلفة، فيما أقر المتهمون ـ بحسب الشرطة ـ باعترافات قضائية بارتكاب جرائم النهب والسلب والسرقة تحت تهديد السلاح.

الشرطة تتعهد

وقال مدير شرطة محلية جبل أولياء، اللواء شرطة د. خالد محمد نور، إن الشرطة تمكنت من تفكيك أخطر تشكيلات النهب التي عُرفت باسم “ترحال”، موضحًا أن أفرادها كانوا يجوبون الأحياء بالدراجات النارية والعربات المسلحة، وينفذون عملياتهم بصورة منظمة لبث الرعب وسط المواطنين.

وأكد أن نجاح العملية جاء نتيجة تنسيق أمني محكم بين محليات جبل أولياء وأم درمان وأمبدة، داعيًا المواطنين إلى توخي الحذر والإبلاغ الفوري عبر الرقم (999)، مشيرًا إلى استمرار الطواف الأمني بواسطة فرق الشرطة المجتمعية المتحركة لملاحقة أي نشاط إجرامي.

“الدرونات”… مصطلح جديد تحت مجهر الشرطة

وخلال المؤتمر الصحفي، رد اللواء خالد على سؤال لـ”أفق جديد” بشأن استخدام بعض المتفلتين لما يُعرف بـ”الدرونات” في تعاملهم مع أفراد الشرطة، موضحًا أن الأمر لا يعدو كونه سلوكًا محصورًا في نطاق ضيق بين بعض العناصر المنفلتة، مؤكدًا أن أي فرد يثبت تورطه في مثل هذه الممارسات يواجه إجراءات صارمة قد تصل إلى الفصل، مع تقديم كل من يشارك في الجريمة أو يتستر عليها إلى العدالة.

وبينما تنفست مناطق واسعة في الخرطوم الصعداء بعد سقوط عصابات “ترحال”، يبقى هذا الملف مؤشرًا على التحول الخطير الذي شهدته الجريمة خلال سنوات الحرب، حيث لم تعد العصابات تعتمد على السلب العابر، بل أصبحت تعمل بتنظيم وتسليح وخطط استدراج معقدة، الأمر الذي يفرض استمرار الجهد الأمني، بالتوازي مع استعادة مؤسسات الدولة وسيادة القانون في العاصمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى