مائة عدد من «أفق جديد» ..المعرفة في مواجهة الحرب والحقيقة في مواجهة الضجيج
حيث يصدر العدد المائة من مجلة «أفق جديد» فإن الرقم في حد ذاته لا ينبغي أن يكون هو موضوع الاحتفاء. ففي الظروف الطبيعية قد يكون الوصول إلى مائة عدد محطة في عمر أي مطبوعة صحفية، أما في السودان الذي يعيش واحدة من أقسى حروبه فإن استمرار مجلة في الصدور وفي طرح الأسئلة وفي البحث عن المعلومة والمعرفة يكتسب معنى آخر.
لقد ولدت «أفق جديد» في زمن لم تكن فيه الحرب واحدة، فكانت أخرى تدور حول الحقيقة، من يملكها؟ من يصوغ الرواية؟ من يحدد للناس ما حدث، ولماذا حدث ومن المسؤول عنه؟
ومن هنا ربما يمكن قراءة تجربة المائة عدد، لم يكن التحدي أمام أفق جديد أن تنقل الأخبار في اللحظة ذاتها عبر الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي، كان التحدي الأكبر هو أن تحاول الانتقال بالقارئ من الخبر إلى المعرفة، ومن الواقعة إلى تفسيرها، ومن الرعاية إلى السؤال ومن الاصطفاف إلى التفكير.
وهذا في تقديري هو الميدان الذي ينبغي أن تقاس فيه تجربة المجلة.
– الحرب على الحقيقة: منذ الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣، لم يعرف السودان حرب السلاح وحدها وإنما عرف كذلك الروايات. كل طرف يمتلك روايته، ومنابره والمفردات التي يصف بها نفسه وخصمه. وبين الروايات المتصارعة أصبح المواطن السوداني أمام سيل هائل من المعلومات يصعب أحياناً التمييز فيه بين الخبر والدعاية، وبين الحقيقة والرغبة في أن تكون الأشياء كما نريدها.
وفي مثل هذه البيئة تصبح الصحافة الرصينة أكثر ضرورة، وفي الوقت ذاته أكثر صعوبة فالحقيقة في زمن الحرب لا تكون دائماً في الرواية الأعلى صوتاً، ولا في الرواية الأكثر تداولاً ولا حتى في الرواية التي توافق ميولنا السياسية. الحقيقة تحتاج إلى البحث والتدقيق والمقارنة والسؤال. والأهم من ذلك كله تحتاج إلى الشجاعة في مواجهة الذات.
فالصحافة التي تكشف أكاذيب خصومها وتصمت عن أخطاء من تتعاطف معهم لا تنتصر للحقيقة إنها فقط تنتقل من دعاية إلى دعاية أخرى.
– من الحقيقة إلى المعرفة:-
– لكن الحقيقة وحدها لا تكفي، قد نعرف أن قرية دمرت أو مدينة حوصرت أو مستشفى توقف أو زراعة لم تتم أو ملايين السودانيين أصبحوا نازحين ولاجئين، هذه حقائق مهمة، ولكن وظيفة مجلة مثل «أفق جديد» ينبغي أن تتجاوز تسجيلها إلى محاولة الإجابة عن السؤال الأصعب. ماذا تعني هذه الحقائق؟ ماذا فعلت الحرب بالدولة السودانية؟ ماذا فعلت بالاقتصاد، بالتعليم الصحة والثقافة؟
وماذا فعلت فهو الأخطر بطريقة تفكير السودانيين في بعضهم بعضاً؟
هنا يبدأ فعل المعرفة، لقد حاولت «أفق جديد» خلال أعدادها المتعاقبة ألا تجعل الحرب موضوعاً عسكرياً فقط، لذا نجدها قد منحت صفحاتها للاقتصاد والسياسة والمجتمع والثقافة والبيئة والنزوح والمرأة والمزرعة والصحة والرياضة وللنقاش حول الدولة والسلام والعقد الاجتماعي ومستقبل السودان.
أعتقد كان وراء تصور بسيط لكنه جوهري أن الحرب ليست فقط ما يحدث من خطوط المواجهة. فالحرب عملية عميقة تعيد تشكيل المجتمع والدولة والاقتصاد والوعي.
– ضد اختزال السودان في طرفين:-
كان أحد أخطر آثار الحرب أنها حاولت اختزال السودان كله في معسكرين، جيش ودعم سريع. ثم أصبح مطلوباً من المواطن بغض النظر من مهنته وميوله، بل وحتى من الضحية أن يحدد موقعه داخل هذه الثنائية.
لكن السودان أكبر من طرفي الحرب، وهناك ملايين المواطنين الذين فقدوا بيوتهم، وهناك المزارعون والعمال والنساء والطلاب والأطفال واللاجئون والنازحون وهناك أجيال كاملة أصبحت حياتها معلقة على سؤال الحرب والسلام، ومن مسؤولية الصحافة أن تعيد هؤلاء إلى قلب الرواية.
فالصحافة التي تجعل الجنرالات أبطال القصة الدائمين وتجعل المواطنين مجرد أرقام للضحايا تسهم ربما دون أن تقصد في إعادة إنتاج منطق الحرب ذاته. لقد حاولت «أفق جديد» من خلال رصد إصداراتها أن تقول إن هناك صوتاً ثالثاً، صوت المجتمع، وأن السودان ليس فقط أولئك الذين يدفعون ثمن أطرافها.
– المعرفة مقاومة، في زمن الحرب يصبح الحفاظ على الذاكرة فعلاً من أفعال المقاومة، فالحروب لا تدمر المباني فقط، إنها تدمر الوقائع والذاكرة أيضاً. تختفي الوثائق وتتغير الروايات، ويعيد المنتصرون والمهزومون والمؤسسات والجماعات السياسية كتابة ما حدث بما يناسب مصالحهم، ولهذا فإن المائة عدد من «أفق جديد» ليست مجرد مائة إصدار صحفي، إنها بدرجة ما أرشيف للحظة استثنائية تخص السودان.
لا شك أنه سوف يأتي يوم تتوقف فيه هذه الحرب وعندها سيحتاج السودانيون إلى أن يسألوا ماذا حدث لنا؟ ماذا كان الناس يقولون؟ وما البدائل التي كانت مطروحة؟
وعندها ستكون الصحف والمجلات والتقارير والمقالات التي كتبت أثناء الحرب جزءاً من ذاكرة البلاد.
لكن المائة عدد ليست شهادة براءة، ومع ذلك سيكون خطأ كبيراً أن يتحول العدد المائة إلى مناسبة لمدح الذات فقط.
فالاحتفاء الحقيقي بالتجربة ينبغي أن يبدأ بالنقد هل كنا دائماً منصفين؟ هل تحققنا بما يكفي من المعلومات؟ هل وصلت «أفق جديد» إلى السوداني البعيد عن دوائر النخب السياسية والثقافية؟ وهل أنتجت معرفة جديدة أم اكتفت أحياناً بإعادة تدوير النقاش السوداني القديم؟
هذه الأسئلة ليست انتقاصاً من تجربة «أفق جديد» بل هي شرطاً لاستمرارها فالمؤسسة التي لا تسائل نفسها تفقد مع مرور الوقت قدرتها على مساءلة الآخرين.
إذا كانت الأعداد المائة الأولى قد صدرت تحت ظلال الحرب، فإن التحدي الحقيقي للأعداد المائة القادمة ينبغي أن يكون المساهمة في التفكير في السودان الذي سيأتي بعد الحرب، وخاصة أن معظم السودانيين لجأوا إلى بلدان مختلفة ووقفوا على تجاربها.
ذلك يتطلب الانتقال تدريجياً من سؤال من ينتصر في الحرب؟ إلى سؤال أهم وأعمق كيف ينتصر السودان على الحرب؟
وبالطبع ينتج هذا السؤال أسئلة أخرى عديدة منها ما يخص بناء الدولة، بناء الاقتصاد، بناء الخدمات، معالجة جراح المجتمع الذي فرقته الحرب وخطابات الكراهية، بناء جيش وطني واحد ودولة تحتكر السلاح.
جميعها أسئلة تحتاج لإعمال الذهن، ويأتي قبلها السؤال المركزي كيف نؤسس عقداً اجتماعياً يجعل المواطنة لا القبلية ولا الجهة ولا السلاح أساس الحقوق والواجبات؟
هذه ليست أسئلة سياسية فقط، إنها مشروع معرفة كامل.
وهنا ربما يكون الدور القادم لـ«أفق جديد» ألا تكون مجرد مجلة تراقب السودان وإنما منصة تساعد السودانيين على التفكير فيه.