مائة عدد… وما زال السؤال مفتوحاً
لم نكن نخطط لأن نصل إلى العدد مائة بهذه الطريقة.
عندما صدرت «أفق جديد» للمرة الأولى، لم تكن الحرب قد منحت السودانيين فرصة لالتقاط أنفاسهم. كانت المدن تتسع للنزوح، والبيوت تتحول إلى أماكن مؤقتة، والمؤسسات تتساقط واحدة بعد أخرى، والصحافة نفسها تدخل امتحاناً لم تعرفه من قبل. لم نكن نملك يقيناً بأن الطريق سيكون طويلاً، ولا أن المجلة ستصل إلى العدد المائة، ولا أن كل عدد سيصدر في ظروف أشد قسوة من الذي سبقه.
لكننا وصلنا.
ليس لأن الطريق كان سهلاً، وإنما لأننا كنا نعتقد أن الصحافة في زمن الحرب ليست ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد السلام.
وصلنا إلى المائة ونحن نعرف أن الرقم وحده لا يستحق الاحتفال إذا لم يكن وراءه معنى. مائة عدد تعني مائة مرة حاولنا فيها أن نبحث عن الحقيقة وسط فيضان الروايات، ومائة مرة اضطررنا إلى أن نسأل: ماذا حدث فعلاً؟ من قال؟ من المستفيد من هذه الرواية؟ وما الذي لم يُقل؟
تعني مائة عدد أن «أفق جديد» لم تكن مجرد مشروع نشر، وإنما محاولة للإبقاء على مساحة مفتوحة للكلمة في وقت كانت المساحات تضيق من حول السودانيين.
لقد تعلمنا خلال هذه الرحلة أن الحرب لا تقتل الناس وحدهم. الحرب تقتل المؤسسات، وتقطع سلاسل المعرفة، وتمحو الذاكرة، وتدفع الصحفيين إلى المنافي، وتضع الحقيقة نفسها في مهب الدعاية.
ولذلك كانت مهمتنا أصعب من نقل الأخبار.
الخبر العاجل يمكن أن يصل إلى الهاتف خلال ثوانٍ، لكن الحقيقة تحتاج إلى وقت، وإلى تحقق، وإلى سياق، وإلى شجاعة تسمح للصحفي بأن يقول إن ما يقال ليس بالضرورة ما حدث.
في السودان اليوم، لا تعاني الصحافة من نقص الأخبار. تعاني من فائض الروايات.
كل طرف لديه روايته، وكل جهة تريد أن تجعل روايتها هي الحقيقة الوحيدة، وكل معلومة يمكن أن تتحول إلى ذخيرة في معركة سياسية أو عسكرية. وفي هذا المناخ يصبح الصحفي أمام مسؤولية لا تسمح له بأن يكون مجرد ناقل لما تقوله الأطراف.
نحن نعرف أن «أفق جديد» ليست خارج هذا الواقع. نحن نعمل داخله، ونتحمل أخطاءه وصعوباته، ونراجع أنفسنا كما نراجع ما يصلنا من معلومات. لكننا نعرف أيضاً أن الاعتراف بصعوبة العمل لا يعني التنازل عن معاييره.
منذ العدد الأول حاولنا أن نتمسك بفكرة بسيطة: أن السودان أكبر من روايات المتحاربين.
السودان هو الإنسان الذي نزح من بيته، والأم التي تبحث عن الغذاء والدواء، والطفل الذي توقفت مدرسته، والطبيب الذي يعمل بلا أدوات، والصحفي الذي غادر منزله ولا يزال يحاول أن يكتب، والمزارع الذي ينظر إلى أرضه ولا يعرف إن كان سيتمكن من العودة إليها، والمدينة التي فقدت أهلها، والقرية التي أصبحت خبراً عابراً في شريط الأخبار.
هؤلاء هم السودان الذي نحاول أن نراه.
ولهذا لم نرد لـ«أفق جديد» أن تكون منصة لإعادة إنتاج البيانات السياسية، ولا مساحة لتكرار خطاب أي طرف، ولا صحيفة تبحث عن موقع لها في الاصطفاف. أردناها مساحة للسؤال، والتحليل، والتدقيق، وملاحقة ما تخفيه العناوين الكبيرة من تفاصيل تمس حياة الناس.
لكن الوصول إلى العدد المائة كشف لنا شيئاً آخر.
كشف أن أزمة الصحافة السودانية أعمق من الحرب نفسها.
الحرب عرّت هشاشة المؤسسات، وأظهرت ضعف نماذج التمويل، وأخرجت الصحفيين من مكاتبهم ومدنهم، وقطعت الطريق بين الصحفي ومصادره، ووضعت المؤسسات المستقلة أمام سؤال البقاء: كيف تستطيع أن تعمل في بلد يحتاج إلى الصحافة أكثر من أي وقت مضى، بينما تتراجع كل الموارد التي تجعل الصحافة ممكنة؟
لقد دفعت المؤسسات والصحفيون ثمناً باهظاً.
مقار أُغلقت، وأرشيفات ضاعت، ومعدات دمرت، وصحفيون نزحوا، وآخرون غادروا البلاد، وبعضهم دفع حياته ثمناً لمهنته. وفي الوقت نفسه أصبح الوصول إلى المعلومات أصعب، والتحقق أكثر كلفة، والتضليل أكثر انتشاراً.
ومع ذلك بقيت الصحافة.
ربما تغير شكلها، وربما انتقلت من المكاتب إلى الهواتف، ومن غرف الأخبار إلى غرف صغيرة متناثرة بين الخرطوم والقاهرة ونيروبي وغيرها، لكنها بقيت لأن المجتمع الذي يعيش الحرب لا يستطيع أن يعيش بلا معرفة.
ومن هنا نفهم تجربتنا.
«أفق جديد» لم تبدأ في زمن طبيعي، ولذلك لا تقيس نفسها بمعايير الزمن الطبيعي. نحن لا نحتفل بأننا وصلنا إلى العدد المائة باعتباره انتصاراً على الآخرين، ولا باعتباره دليلاً على أننا قدمنا الصحافة التي نحلم بها كاملة. نحن نعرف حجم ما لم نستطع فعله، وما فاتنا، وما أخطأنا فيه، وما نحتاج إلى تطويره.
لكننا نعرف أيضاً أننا حافظنا على شيء نراه أساسياً: أن تظل هناك مؤسسة سودانية تحاول أن تقول ما تراه صحيحاً، وتترك للقارئ حق الاختلاف معها، من دون أن تبيع استقلالها.
العدد المائة، لذلك، ليس نهاية مرحلة.
هو لحظة للتوقف والنظر إلى الطريق.
ماذا تعلمنا؟
تعلمنا أن الصحافة لا تستطيع أن تمنع الحرب، لكنها تستطيع أن تمنع احتكار روايتها.
وتعلمنا أن الصحفي ليس مطلوباً منه أن يكون بطلاً، وإنما أن يكون مهنياً؛ أن يعرف حدود معلوماته، وأن يتحقق قبل أن ينشر، وأن يعترف عندما لا يعرف، وأن يرفض تحويل الضحايا إلى أدوات في معركة سياسية.
وتعلمنا أن الاستقلال ليس شعاراً يكتب في الصفحة الأولى. الاستقلال علاقة يومية مع المال، والمصدر، والسلطة، والمعلن، والقارئ، وحتى مع الذات.
وتعلمنا أيضاً أن المؤسسة الصغيرة تحتاج إلى شجاعة كبيرة حتى لا تتحول هشاشتها المالية إلى هشاشة تحريرية.
لكن أهم ما تعلمناه أن السودان لا يحتاج إلى صحافة تنجو من الحرب فقط.
يحتاج إلى صحافة تساعده على فهم ما فعلته الحرب به.
فحين تنتهي الحرب، ستبدأ معركة أخرى: معركة الذاكرة.
سيقول كل طرف إنه كان على حق. ستظهر روايات جديدة، وستُدفن روايات أخرى، وستُمحى أسماء، وستتغير خرائط المسؤولية، وسيحاول الجميع كتابة تاريخ السنوات التي نعيشها الآن بالطريقة التي تخدمه.
وهنا ستكون الصحافة أمام امتحانها الأكبر.
ما نكتبه اليوم هو أرشيف الغد.
كل شهادة نوثقها، وكل وثيقة نحفظها، وكل انتهاك نضعه في سياقه، وكل معلومة كاذبة نكشفها، وكل صوت نمنحه مساحة، سيكون جزءاً من الذاكرة التي سيعود إليها السودانيون عندما يريدون أن يعرفوا ماذا حدث لبلدهم.
لهذا فإن العدد المائة لا يجعلنا ننظر إلى الخلف فقط.
يجعلنا ننظر إلى ما ينتظرنا.
نريد أن تكون «أفق جديد» أكثر قدرة على التحقيق، وأكثر عمقاً في التحليل، وأكثر اتساعاً للأصوات السودانية، وأكثر صرامة في التحقق، وأكثر وضوحاً في علاقتها بالتمويل، وأكثر قرباً من الإنسان الذي دفع ثمن هذه الحرب ولم يخترها.
نريد صحافة لا تخاف من السلطة، ولا تتماهى مع المعارضة لمجرد أنها معارضة، ولا تمنح أي طرف حصانة من المساءلة.
نريد صحافة تعرف أن الانحياز للإنسان لا يعني الانحياز إلى طرف من أطراف الحرب.
وفي العدد المائة، لا نريد أن نقول إن «أفق جديد» وصلت.
نريد أن نقول إنها ما زالت في الطريق.
فالبلد لم يصل بعد.
والحرب لم تنته.
والأسئلة التي دفعتنا إلى إصدار العدد الأول ما زالت مفتوحة.
من يملك السودان؟
من يملك قرار الحرب والسلام؟
من يحاسب من ارتكب الجرائم؟
من يعيد للنازحين بيوتهم؟
من يعيد بناء المدن؟
من يعيد الثقة إلى الناس؟
ومن يكتب تاريخ هذه السنوات من دون أن يكتبه المنتصر وحده؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل الصحافة ضرورية.
ولهذا، فإن مائة عدد ليست مائة نقطة نضعها في نهاية الجملة.
إنها فاصلة.
نأخذ عندها نفساً، نراجع ما كتبناه، نتعلم من أخطائنا، ثم نفتح الصفحة التالية.
إلى العدد مائة، وإلى كل من قرأ لنا، واختلف معنا، وصحح لنا، وفتح لنا باباً إلى حقيقة، أو حمل إلينا شهادة من مكان لم نصل إليه: شكراً لأنكم جعلتم لهذه الرحلة معنى.
مائة عدد مضت… وما زال السودان يستحق أن تُروى حكايته كما هي.. ولازالت بعض فصول اصدار مجلة أفق جديد لم تروى كاملة

