مقاتلو السودان المنقسمون

بقلم: أريج الحاج
من المرجح أن تتكرر الظروف التي أسهمت في اندلاع الحرب الأهلية في السودان، إذا ظل جيشه متشرذماً ومعتمداً على ميليشيات وقوات شبه مستقلة.
——
بعد ما يقارب ثلاث سنوات ونصف من اندلاع الحرب في السودان، لا تزال الدبلوماسية الأمريكية تركز على هدف عاجل وضروري: التوصل إلى هدنة إنسانية، ووقف القتال، وضمان وصول المساعدات إلى المدنيين. إلا أن وقف إطلاق النار، على الرغم من أهميته القصوى، لن يحل إحدى المشكلات التي أسهمت في إيصال السودان إلى هذه المرحلة.
وحتى إذا تمكنت واشنطن والمجتمع الدولي من التوصل إلى اتفاق بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، فسيظل أمامهما سؤال صعب: ماذا سيحدث للقوات المسلحة الأخرى التي ازدادت قوة خلال الحرب؟
قد يخرج السودان من هذا الصراع، ليس بجيشين متنافسين فحسب، بل بخمس أو ست قوى مسلحة كبيرة، لكل منها قادتها وأسلحتها وعلاقاتها السياسية ومناطق نفوذها. ويكمن الخطر في أن إنهاء الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، من دون معالجة هذا الانتشار الأمني، قد يستبدل مواجهة واحدة بين قوتين رئيسيتين بأزمة أمنية أكثر تشتتاً، وربما أكثر صعوبة في إدارتها.
ثمة نمط مألوف في الصراعات السودانية المعاصرة. فعندما يعجز الجيش عن مواجهة التمردات الداخلية، تلجأ الحكومات المتعاقبة إلى تجنيد قوات من خارج الجيش النظامي، أو تسليحها، أو التعاون معها. وقد وفرت هذه الترتيبات قوة بشرية مؤقتة، لكنها أضعفت مراراً سيطرة الدولة على احتكار استخدام القوة.
ويُعد مثال الجنجويد الأبرز على ذلك. فقد اعتمدت الخرطوم على هذه الميليشيات العربية خلال حرب دارفور، لكنها لم تختفِ عندما تغير دورها المباشر. بل تطورت أجزاء منها لاحقاً إلى قوات الدعم السريع شبه العسكرية، التي اكتسبت اعترافاً قانونياً وأسلحة وموارد ونفوذاً سياسياً متزايداً. وبحلول 15 أبريل/نيسان 2023، دخلت قوة كانت تقاتل إلى جانب الدولة في حرب ضدها.
كان من المفترض أن تكشف هذه التجربة خطورة تمكين القوات المسلحة خارج الإطار العسكري النظامي، لكن الحرب الحالية وسّعت هذا النموذج بدلاً من كبحه.
ولمواجهة قوات الدعم السريع، اعتمد الجيش السوداني على طيف واسع من الحلفاء، بينهم الحركات المسلحة الدارفورية، والقوات المحلية، والمدنيون الذين جرى حشدهم، والجماعات الأيديولوجية، وتشكيلات عسكرية أخرى. ومن أبرز هذه القوى القوة المشتركة، إلى جانب الحركات المسلحة المنضوية فيها، بما في ذلك حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم. كما اكتسبت قوات أخرى، مثل درع السودان وكتيبة البراء بن مالك، حضوراً عسكرياً أكبر خلال الحرب.
هذه الجماعات ليست متطابقة ولا قابلة للتبادل؛ فلكل منها تاريخها وقاعدتها الاجتماعية وأجندتها السياسية وعلاقتها بالجيش. لكن الحرب عززت حضور هذه الجهات المسلحة، ومنحتها مقاتلين وأسلحة ونفوذاً إقليمياً وثقلاً سياسياً أكبر مما كانت تتمتع به قبل أبريل/نيسان 2023.
والدرس الأوسع المستفاد من مسار قوات الدعم السريع، وفق هذا الطرح، ليس فقط أن قوة شبه عسكرية واحدة أصبحت تتمتع بنفوذ مفرط، بل أن السودان لا يمكنه الاستمرار في تمكين شركائه المسلحين لمواجهة التهديدات الأمنية المباشرة، ثم افتراض أنهم سيتخلون عن أسلحتهم ونفوذهم بمجرد انتهاء النزاع.
ومن أبرز الأمثلة على هذا النمط القوة المشتركة، وهي مجموعة من الحركات المسلحة التي دخلت الساحة السياسية والعسكرية من خلال اتفاق جوبا للسلام لعام 2020، الذي جاء بعد سقوط حكومة عمر البشير والثورة السودانية عام 2019. وحصلت هذه الحركات على مواقع مهمة بموجب الاتفاق، إلا أن المسار الأمني للعملية الانتقالية لم يواكب مسارها السياسي. فقد اكتسبت الحركات تمثيلاً سياسياً، بينما ظل العمل الأصعب، المتمثل في دمج قواتها وإعادة هيكلة القطاع الأمني، معلقاً.
كان من المفترض أن يكون هذا الترتيب مؤقتاً، وخطوة نحو دمج تلك القوات في جيش وطني موحد. لكن المشكلة نفسها عادت إلى الواجهة: من يتخلى طوعاً عن نفوذه السياسي والعسكري؟
وبدلاً من التخلص التدريجي من هذه الحركات باعتبارها قوى موازية، وسّعت الحرب الحالية نطاق وجودها السياسي، بل ومنحت بعضها مكانة أكبر داخل مؤسسات الدولة مما كانت تتمتع به عند توقيع الاتفاق.
وعند مناقشة إنشاء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، يبرز سؤال جوهري: من يُسمح له بالانضمام إليها؟
فبعض هذه القوات متورط في انتهاكات خطيرة موثقة، بينما يفتقر البعض الآخر ببساطة إلى الخبرة العسكرية التي تؤهله للاندماج في جيش نظامي. وبين هذين الاعتبارين، يصبح تحديد الفئات التي يمكن قبولها في المؤسسة العسكرية الجديدة، وتلك التي يجب استبعادها أو إخضاعها للمساءلة أولاً، أمراً أساسياً لأي عملية دمج ذات مصداقية.
وإلا، فإن عملية الدمج قد تخاطر بإعادة إنتاج المشكلة نفسها التي يفترض أن تحلها.
بالنسبة إلى واشنطن، تتجاوز المخاطر الناجمة عن استمرار وجود قوات مسلحة متعددة في السودان حدود البلاد نفسها. فالتفكك الأمني يخلق فرصاً لقوى خارجية، بما فيها الجماعات الإرهابية وروسيا وإيران، لبناء علاقات مباشرة مع الجماعات المسلحة المحلية واستغلال ضعف الدولة لتوسيع نفوذها.
كما أن استمرار انتشار الأسلحة يزيد الضغوط على الدول المجاورة، ولا سيما مصر وتشاد، اللتين تستضيفان بالفعل أعداداً كبيرة من اللاجئين السودانيين، ويرفع في الوقت نفسه خطر تهريب الأسلحة عبر الحدود، وما يرتبط بذلك من تهديدات أمنية إقليمية أوسع نطاقاً.
ويمتد الخطر أيضاً إلى البحر الأحمر، حيث يمكن لسودان ضعيف ومتفكك أن يخلق فراغاً أمنياً تستغله جهات مسلحة أو شبكات عابرة للحدود، بما قد يهدد أحد أهم الممرات البحرية في المنطقة.
لذلك، لا ينبغي التعامل مع نزع السلاح والتكامل العسكري باعتبارهما قضيتين يمكن تأجيلهما إلى ما بعد وقف إطلاق النار، بل يجب أن يكونا جزءاً من عملية التفاوض منذ بدايتها.
وينبغي لواشنطن أن تجعل مستقبل التشكيلات المسلحة السودانية أولوية في أي تسوية سياسية، وأن تربط ترتيبات تقاسم السلطة المستقبلية بتقدم واضح وقابل للقياس في مجال نزع السلاح وإنشاء جيش وطني موحد.
وسيتطلب ذلك دعم آليات شفافة لتحديد التشكيلات المسلحة، وتتبع الأسلحة، ورسم خرائط لمناطق انتشار هذه القوات، ومراقبة مدى الالتزام بالخطوات المتفق عليها نحو حلها أو دمجها.
كما ينبغي أن يخضع الاندماج في جيش وطني موحد لتدقيق صارم، حتى لا يفلت القادة المتهمون بارتكاب انتهاكات جسيمة من المساءلة لمجرد انتقالهم إلى هيكل عسكري جديد.
وباختصار، ينبغي ألا يقتصر الهدف الأمريكي على إنهاء الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بل يجب أن يمتد أيضاً إلى منع السودان من الخروج من هذا الصراع بجيوش موازية متعددة تحمل في داخلها بذور حرب أخرى.
———
أريج الحاج
محررة المحتوى العربي في معهد واشنطن، وصحفية ومحللة سياسية تتمتع بخبرة تتجاوز 15 عاماً في الصحافة والشؤون السودانية. وهي منتجة ومقدمة سابقة للبرنامج التلفزيوني الحائز على جوائز «بين النيلين»، الذي تناول قضايا السياسة السودانية وحقوق الإنسان والدبلوماسية الإقليمية.
وقبل انضمامها إلى معهد واشنطن، شغلت الحاج عدداً من المناصب القيادية في شبكة الشرق الأوسط للبث (MBN)، من بينها منتجة أولى للمقابلات ورئيسة للقسم، كما عملت مقدمة ومنتجة مشاركة لبرنامج «بين النيلين»، الذي كان يُبث أسبوعياً على الهواء مباشرة. وحصل البرنامج على جائزة تيلي للتميز البرامجي.





