٢٥ أكتوبر.. الثورة مستمرة
لم يكن انقلاباً على حكومة، بل محاولة لاغتيال مستقبل بلد بأكمله.
في الخامس والعشرين من أكتوبر عام ٢٠٢١، لم يكن السودان على موعد مع انقلاب عسكري فحسب، بل مع لحظة كاشفة انزاح فيها الستار عن مشروع كامل ظل يعمل، منذ اللحظة الأولى لولادة الحكومة الانتقالية، على إجهاض الثورة، وتقويض مؤسسات الدولة، وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. يومها، اتفق الجنرالان عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو على الانقضاض على حكومة الثورة، بعدما فشلت محاولاتهما المتواصلة في إضعافها من الداخل، وتعطيل مسيرتها، وتحريض الشارع عليها، وتشويه صورتها أمام السودانيين والعالم.
خمس سنوات مضت، وما زالت البلاد تدفع أثمان ذلك اليوم المشؤوم. خمس سنوات تكفي لتكشف أن ما جرى لم يكن خطأً عابراً في حسابات الانتقال، ولا خلافاً إدارياً بين شركاء في سلطة انتقالية، ولا استجابة لضرورات فرضتها الأوضاع الاقتصادية والسياسية، كما حاول الانقلابيون ومؤيدوهم أن يسوقوا للرأي العام. كان الأمر، في جوهره، صراعاً على مستقبل السودان: هل تمضي البلاد نحو دولة مدنية ديمقراطية، تستمد شرعيتها من إرادة شعبها، أم تعود إلى قبضة العسكر وشبكات المصالح التي ثار السودانيون عليها في ديسمبر؟
منذ أن أدى الدكتور عبد الله حمدوك القسم رئيساً للوزراء، كانت هناك قوى تنظر إلى الحكومة الجديدة باعتبارها تهديداً وجودياً لمصالحها، لا لأنها امتلكت عصاً سحرية لحل أزمات السودان المتراكمة، ولا لأنها حققت في شهور ما عجزت عنه الدولة لعقود، بل لأنها فتحت نافذة أمل في إمكانية بناء دولة مختلفة، واستعادة علاقة السودان بالعالم، وتفكيك منظومة الاستبداد والفساد، ووضع البلاد على طريق التحول الديمقراطي.
كانت الحكومة، رغم ضعفها والتعقيدات التي أحاطت بها، تحظى بقبول قطاعات واسعة من الشارع، وباهتمام دولي منح السودان فرصة نادرة للخروج من عزلته، واستعادة موقعه، والانخراط في مسار اقتصادي وسياسي جديد. كان العالم يراقب تجربة انتقالية استثنائية، وكان السودانيون، الذين دفعوا أثماناً باهظة من دمائهم وحرياتهم، يريدون أن يروا ثمار ثورتهم تتحول إلى مؤسسات وقوانين وحقوق وحياة أفضل.
لكن هذا المشهد لم يكن مقبولاً لدى أصحاب المشروع المضاد للثورة. كيف يمكن السماح لحكومة مدنية بأن تنجح؟ وكيف يمكن أن تستعيد الدولة عافيتها بعيداً عن الهيمنة العسكرية؟ وكيف يمكن أن تنتقل السلطة، في نهاية المطاف، إلى المدنيين، بينما ظلت قطاعات من المؤسسة العسكرية وشبكات النظام السابق تنظر إلى الانتقال باعتباره خطراً ينبغي احتواؤه قبل أن يستكمل شروط نجاحه؟
هنا بدأت حرب الاستنزاف السياسية.
تارةً بإغلاق الطرق وتعطيل الحياة العامة، وتارةً بتسريب قرارات الحكومة بصورة مبتورة، أو اجتزاء تصريحات مسؤوليها من سياقها، أو تضخيم إخفاقاتها، أو تحويل كل خطوة تخطوها إلى مادة للسخرية والتشكيك. لم يكن المطلوب تصحيح أخطاء الحكومة أو محاسبتها، وهي أخطاء كانت موجودة بالفعل، بل جعلها تبدو عاجزة عن إدارة البلاد، وإقناع الناس بأن الثورة لم تجلب سوى الفوضى والضيق، وأن الديمقراطية لا تصلح للسودان، وأن العسكر وحدهم قادرون على فرض الاستقرار.
كانوا يريدون صناعة واقع سياسي خانق، تتآكل فيه ثقة المواطنين بالحكومة، وتتراجع فيه قدرة الدولة على اتخاذ القرار، وتصبح فيه الأزمات اليومية أدوات للابتزاز السياسي. وكلما حاولت الحكومة أن تفتح نافذة للحل، أُغلقت أمامها أبواب أخرى. وكلما اقتربت من معالجة ملف يمس مصالح القوى المستفيدة من النظام القديم، ارتفعت أصوات التشكيك، وتكاثرت العراقيل، واشتدت الحملات.
لم تكن كل تلك الأزمات من صنع جهة واحدة، ولم تكن الحكومة فوق النقد أو معفاة من المسؤولية عن أخطائها. لكن الحقيقة التي لا يجوز طمسها هي أن حكومة انتقالية محاصرة بمراكز قوى متعارضة، ومقيدة بشراكة عسكرية غير متكافئة، لا يمكن تقييم تجربتها بمعزل عن الذين امتلكوا أدوات التعطيل، ثم استخدموا نتائج التعطيل دليلاً على فشلها.
كان المطلوب أن تفشل الحكومة، ثم أن يُقدَّم فشلها المزعوم باعتباره مبرراً لإسقاطها.
وعندما لم تحقق حملات الإضعاف أهدافها كاملة، وعندما ظل احتمال استكمال الانتقال قائماً، وعندما بدأت تتشكل، رغم كل شيء، ملامح سلطة مدنية تسعى إلى تثبيت أركان الدولة، انتقل المتآمرون من محاولات الإرباك إلى حسم المعركة بالقوة. اجتمع الجنرالان، واستجمعا ما استطاعا من قوى ومصالح متضررة من مسار الثورة، وانقضّا على الحكومة في الساعات الأولى من صباح الخامس والعشرين من أكتوبر.
كان الانقلاب ضربة مباشرة للوثيقة الدستورية، وللشراكة الانتقالية، وللآمال التي حملها ملايين السودانيين حين خرجوا إلى الشوارع مطالبين بالحرية والسلام والعدالة. اعتُقل رئيس الوزراء، ووُضع المسؤولون المدنيون تحت الضغط، وأُعلنت إجراءات استثنائية قُدّمت بوصفها طريقاً لإنقاذ البلاد، بينما كانت في حقيقتها إغلاقاً للباب الذي فتحته الثورة أمام السودانيين لاستعادة حقهم في اختيار من يحكمهم.
ظن الانقلابيون أن الأمر انتهى. ظنوا أن اعتقال رئيس الوزراء، وتعطيل المؤسسات، وفرض الأمر الواقع، كفيل بإعادة الشارع إلى البيوت، وإعادة السياسة إلى الغرف المغلقة، وإعادة السودان إلى الزمن الذي يقرر فيه الجنرالات مصير البلاد، ثم يطلبون من المواطنين التصفيق للنتائج.
لكنهم أخطأوا في قراءة السودان، وأساءوا تقدير ذاكرة شعبه.
ذلك الشارع الذي اعتقدوا أنه تعب من الثورة، أو انصرف عنها، أو فقد ثقته بقدرته على التغيير، عاد إلى الميادين أكثر غضباً وصلابة. لم يكن الانقلاب نهاية الثورة، بل كان، على نحو لم يتوقعه أصحابه، سبباً في تجديدها، وإعادة تعريف معركتها، وكشف حقيقة الصراع الذي حاولت الدعاية السياسية تغليفه بشعارات الإنقاذ والاستقرار.
خرج السودانيون في المواكب، وارتفعت الهتافات من جديد، وواجه الشباب الرصاص والغاز والاعتقالات، ووقفوا أمام آلة القمع بأجساد عارية إلا من الإيمان بحقهم في وطن لا يحكمه الخوف. لم تكن تلك المواكب مجرد احتجاج على اعتقال حمدوك أو حل الحكومة، بل كانت رفضاً صريحاً لعودة الوصاية العسكرية، وتأكيداً أن الثورة لم تكن تفويضاً مؤقتاً يمنحه الشعب لمن يشاء من الجنرالات، ثم يسحبه الجنرالات متى شاؤوا.
وكلما تصاعد القمع، اتسعت رقعة الغضب. وكلما سقط شهيد، خرجت من دمه حجة جديدة على أن السلطة التي تزعم حماية البلاد لا تتردد في استهداف أبنائها حين يطالبون بحقهم في حكم مدني. وكلما ظن أصحاب الانقلاب أنهم نجحوا في كسر إرادة الشارع، عاد الشارع ليقول إن الدم الذي سُفك لن يمنح الانقلاب شرعية، وإن الرصاص قد يفرق موكباً، لكنه لا يستطيع أن يمحو قضية من ضمير شعب.
لم تكن المقاومة المدنية بعد الانقلاب تفصيلاً عابراً في المشهد السياسي. لقد أثبتت أن شرعية السلطة لا تُصنع بالبيانات العسكرية، ولا تُستمد من السيطرة على مؤسسات الدولة، ولا تتحقق بمجرد إجبار المسؤولين على مغادرة مكاتبهم. الشرعية تنبع من إرادة الناس، ومن قدرتهم على المشاركة الحرة في تقرير مصيرهم، ومن وجود مؤسسات تحاسب الحاكم وتحمي الحقوق وتمنع احتكار السلطة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر: لقد أراد أصحابه إنهاء الثورة، فإذا بهم يعيدون تثبيت معناها في الوعي العام. أرادوا إقناع السودانيين بأن الديمقراطية ترف لا تحتمله البلاد، فإذا بهم يكشفون أن غياب الديمقراطية هو أحد أبواب الانهيار. أرادوا إضعاف القوى المدنية، فإذا بالقمع يمنح قطاعات واسعة من المجتمع سبباً إضافياً للتمسك بحقها في الحكم المدني. وأرادوا إغلاق الطريق أمام المستقبل، فإذا بهم يفتحون جرحاً عميقاً في جسد الدولة، جرحاً لم تتوقف البلاد عن النزف منه حتى اليوم.
لكن التاريخ لا يُقرأ بالنوايا وحدها، ولا تكفي شجاعة الجماهير لتفسير كل ما تلا الانقلاب. فقد كشفت السنوات الخمس أيضاً عن عجز القوى المدنية عن بناء جبهة موحدة قادرة على حماية الانتقال، وعن هشاشة الترتيبات التي قامت عليها الشراكة، وعن عمق الأزمة التي تركها النظام السابق في مؤسسات الدولة، وعن خطورة الاعتقاد بأن التغيير السياسي يمكن أن يكتمل من دون إصلاح حقيقي للمؤسسة العسكرية والأمنية، وإخضاعها لسلطة مدنية دستورية.
ثم جاءت الحرب في الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣، لتضع السودان أمام الكارثة الأكبر، وتكشف أن الصراع على السلطة، حين يُترك رهينة للسلاح ومراكز القوة المسلحة، لا ينتهي بانقلاب ولا يُحسم بإعلان سياسي. لقد انفجرت التناقضات التي لم تُعالج، وتحولت المنافسة بين الجنرالين اللذين أطاحا معاً بالحكومة المدنية إلى حرب مدمرة، دفع المدنيون ثمنها من أرواحهم ومنازلهم وأرزاقهم وحقهم في الحياة.
لا يجوز اختزال الحرب في انقلاب أكتوبر وحده، فمسؤولية الحرب وأسبابها المباشرة وتطوراتها تحتاج إلى قراءة مستقلة. لكن من المستحيل أيضاً فهم الطريق الذي قاد إلى الخامس عشر من أبريل من دون التوقف عند الخامس والعشرين من أكتوبر، حين ضُرب المسار المدني، وأُضعفت المؤسسات الانتقالية، وأُعيد مركز الثقل السياسي إلى القوة المسلحة، وأُغلقت واحدة من أهم النوافذ المتاحة لبناء نظام يحكم فيه القانون الجميع، بمن فيهم أصحاب السلاح.
لقد أثبتت السنوات اللاحقة أن الانقلاب لم يحقق استقراراً، ولم ينقذ الاقتصاد، ولم ينهِ الصراع على السلطة، ولم يحمِ الدولة من التفكك. على العكس، انتهى السودان إلى حرب مفتوحة، وملايين النازحين واللاجئين، وانهيار واسع للخدمات، وتدمير للمنازل والبنية التحتية، واتساع رقعة الجوع، وتهديد مستقبل أجيال كاملة. وبينما كانت البلاد تحتاج إلى توحيد مؤسساتها تحت سلطة شرعية، أصبحت مؤسساتها وأراضيها نفسها مسرحاً للصراع المسلح.
تلك هي الحصيلة التي ينبغي أن تُقرأ في ذكرى الانقلاب، لا باعتبارها مناسبة لاستعادة الشعارات فحسب، بل فرصة لمراجعة الطريق الذي أوصل البلاد إلى هذا المنحدر. فمن يعتقد أن الأزمة يمكن أن تنتهي بانتصار عسكري لطرف على آخر، من دون معالجة جذور احتكار السلطة، ومن دون بناء جيش مهني موحد خاضع للسلطة المدنية، ومن دون إعادة تأسيس الدولة على المواطنة وسيادة القانون، إنما يؤجل الانفجار ولا يمنع تكراره.
إن استعادة الثورة لا تعني العودة إلى ما قبل الخامس والعشرين من أكتوبر وكأن شيئاً لم يحدث. فالبلاد تغيرت، والمجتمع دفع أثماناً هائلة، وتجربة الانتقال نفسها كشفت نقاط ضعف لا يجوز تجاهلها. المطلوب هو استعادة جوهر الثورة، وتطوير أدواتها، وبناء مشروع مدني ديمقراطي قادر على مواجهة شبكات المصالح، ومقاومة خطاب الكراهية، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وحماية حقوق الضحايا، ومنع الإفلات من العقاب.
ولا يمكن أن يتحقق ذلك بإقصاء الناس أو مصادرة حقهم في الاختلاف، ولا بتحويل القوى المدنية إلى جزر متناحرة، ولا بالتعامل مع السلام باعتباره تسوية بين أصحاب السلاح وحدهم. السلام الذي يستحقه السودانيون هو الذي يوقف القتل، ويفتح طرق الإغاثة، ويعيد النازحين واللاجئين إلى ديارهم طوعاً وأماناً، ويضمن المحاسبة، ويؤسس لانتقال مدني ديمقراطي لا تستطيع فوهة بندقية أن تعطل مساره مرة أخرى.
في الذكرى الخامسة، ليس السؤال عما إذا كان الانقلاب قد نجح في إسقاط الحكومة؛ فهذا ما حدث بالفعل. السؤال الأهم هو: هل نجح في إسقاط الثورة من وجدان السودانيين؟ والإجابة، كما كتبتها المواكب، وكما أثبتتها تضحيات الشباب، وكما كشفتها السنوات التالية، هي أن الثورة لم تمت يوم سقطت الحكومة، وإن كانت قد تعرضت لضربات قاسية، وانقسامات مؤلمة، وانتكاسات كبرى.
الثورة ليست حكومة بعينها، ولا شخصاً في منصب، ولا وثيقة دستورية وحدها. الثورة هي حق السودانيين في ألا يكونوا رعايا في وطنهم، وفي ألا يُفرض عليهم حاكم بقوة السلاح، وفي أن يعيشوا أحراراً متساوين أمام القانون، وفي أن يقرروا مستقبلهم عبر مؤسسات مدنية ديمقراطية.
لقد أراد الجنرالان أن يدفنا هذا الحلم في الخامس والعشرين من أكتوبر. وبعد خمس سنوات، وبينما لا تزال البلاد تنزف تحت وطأة الحرب، فإن أعظم ما يمكن أن نتعلمه من تلك الذكرى هو أن الانقلاب على إرادة الشعوب قد ينجح في تعطيل مسارها، وقد يفرض عليها أثماناً باهظة، لكنه لا يستطيع أن يمنح الاستبداد حقاً دائماً في الحكم.
سيبقى الخامس والعشرون من أكتوبر يوماً أسود في تاريخ السودان، لا لأنه أسقط حكومة انتقالية وحسب، بل لأنه أضاع فرصة كان يمكن أن تسلك فيها البلاد طريقاً مختلفاً، قبل أن تتراكم الكلفة وتصل إلى هذا الخراب.
وسيظل درس ذلك اليوم حاضراً: حين يتفق أصحاب السلاح على مصادرة السياسة، يدفع الوطن كله الثمن. وحين تُغلق أبواب التغيير السلمي، تصبح الأزمات أكثر تعقيداً، وتصبح استعادة الدولة أشق وأطول طريقاً.
ومع ذلك، لم تكن آخر كلمات الثورة قد كُتبت. فما زال في السودان من يرفض الحرب، ويتمسك بالحياة، ويطالب بالحرية والسلام والعدالة، ويؤمن بأن البلاد أكبر من الجنرالين، وأكبر من البنادق، وأكبر من كل مشروع يريد إخضاعها لإرادة فرد أو جماعة.
بعد خمس سنوات، لم يعد الخامس والعشرون من أكتوبر مجرد ذكرى انقلاب. إنه شاهد على ما خسره السودان حين أُجهض انتقاله، وعلى ما يمكن أن يخسره أكثر إذا لم يستعد حقه في بناء دولة مدنية ديمقراطية. فالجنرالات يستطيعون إسقاط الحكومات، لكنهم لا يملكون حق إسقاط الشعوب من التاريخ.