عفوك مردود عليك

في القرار الذي أصدره القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بشطب البلاغات الجنائية المقيدة بواسطة أجهزة الدولة بحق قادة القوى المدنية الرافضة للحرب، الراغبين بالمشاركة في الحوار السوداني السوداني، مفارقة سياسية وقانونية لا تخطئها العين؛ إذ يبدأ القرار بشطب البلاغات المرتبطة بالآراء والمواقف السياسية، ثم يمضي إلى منح المشاركين حصانة إجرائية مؤقتة تحول دون ملاحقتهم بسبب مواقفهم المرتبطة بالحوار. وهنا يبرز السؤال الذي لا يحتاج إلى كثير من التأويل: إذا كانت هذه البلاغات قد قُيدت بسبب المواقف السياسية، فما الذي يستدعي الحديث عن حصانة مؤقتة، ومن أي سلطة يُمنح السودانيون حق التعبير عن آرائهم، ثم يُطلب منهم أن يطمئنوا إلى حصانة تحميهم من تبعاتها؟
إن شطب البلاغات، في حد ذاته، اعتراف ضمني بأن استخدام أجهزة الدولة في ملاحقة الخصوم السياسيين أمر يستوجب المراجعة، لكن إلحاقه بحصانة مؤقتة يترك الباب مفتوحًا أمام احتمال عودة الملاحقة بعد انتهاء الحوار. فالحصانة، مهما اتسع نطاقها، لا تصنع حقًا دائمًا، ولا تؤسس لبيئة سياسية حرة، ولا تعالج أصل الأزمة المتمثل في توظيف مؤسسات الدولة وأجهزتها العدلية والأمنية في الصراع السياسي. والأصل أن يكون السودانيون جميعًا متساوين أمام القانون، وألا تتحول آراؤهم ومواقفهم السياسية إلى تهم جنائية، وألا يصبح حق العودة إلى الوطن مشروطًا بإذن من سلطة أو عفو من حاكم.
لكن التناقض الأعمق في القرار يتجاوز مفرداته القانونية إلى طبيعة الخطاب السياسي الذي يحكم التعامل مع القوى السودانية. ففي الوقت الذي تُفتح فيه الأبواب لاستقبال قادة الدعم السريع، الذين تحيط بهم اتهامات وانتهاكات جسيمة تتعلق بالقتل والنهب والاغتصاب وترويع المدنيين، ويُراد لبعضهم أن يظهروا في المشهد السياسي وكأنهم عائدون إلى منصة الأبطال، يجري التعامل مع قادة القوى المدنية الرافضة للحرب كما لو أنهم متهمون ينتظرون العفو، أو مطلوبون يحتاجون إلى ضمانات استثنائية حتى يتمكنوا من دخول بلادهم والمشاركة في حوار بشأن مستقبلها.
وهنا لا يتعلق الأمر بالدعوة إلى حرمان أي طرف من حق المشاركة في عملية سياسية تنهي الحرب، بل يتعلق بالمعيار الذي تُقاس به المواقف، وبالعدالة التي ينبغي ألا تتجزأ. فإذا كان الحوار ضرورة وطنية لا غنى عنها، فلا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لإعادة تأهيل أصحاب السلاح سياسيًا، بينما تُحاصر القوى المدنية بالشكوك والاتهامات، وتُقدَّم مشاركتها بوصفها منحة من السلطة، لا حقًا أصيلًا لمواطنين سودانيين. وإذا كانت هناك جرائم ارتُكبت بحق السودانيين، فإن مكانها التحقيق المستقل والمحاسبة العادلة، لا التسويات التي تمنح حصانة من المساءلة، ولا الأحكام السياسية التي تُدين هذا الطرف وتبرئ ذاك قبل أن يقول القضاء كلمته.
إن القوى المدنية السودانية ليست طارئة على السياسة، ولا وليدة هذه الحرب، ولا مجموعة من الناشطين الذين ينتظرون إشارة من السلطة كي يمارسوا دورهم. إنها امتداد لتاريخ طويل من مقاومة الحكم العسكري والأنظمة الشمولية، من الذين قارعوا نظامي إبراهيم عبود وجعفر نميري، وأسهموا في إسقاطهما، إلى الأجيال التي واجهت نظام الإسلاميين على مدى ثلاثين عامًا، ولم تُثنها السجون والمعتقلات والتعذيب والتضييق عن مواصلة مقاومتها حتى سقط النظام في أبريل 2019.
هذه القوى تعرف الديكتاتوريات جيدًا، وتعرف كيف تتخفى السلطة خلف شعارات القانون والنظام، وكيف تتحول الاتهامات الجنائية إلى أدوات لتصفية الحسابات السياسية، وكيف يُراد للخصم أن يدخل المشهد من بوابة الاعتذار والامتنان، لا من باب الحق والمواطنة. وقد دفعت هذه القوى أثمانًا باهظة في مواجهة الاستبداد، ولم تنتظر يومًا منحة من نظام حتى تطالب بالديمقراطية، ولن تتوقف اليوم عند قرار يمنحها حصانة مؤقتة، كأنها في ضيافة سلطة تملك حق قبولها ورفضها.
إن العودة إلى السودان ليست امتيازًا تمنحه السلطة لمن تشاء، والمشاركة في الحوار ليست منحة من مجلس لا شرعية له، والتعبير عن الرأي ليس جريمة تحتاج إلى شطب بلاغ أو إسقاط تهمة. هذه حقوق لا تستقيم الدولة من دونها، ولا يكون الحوار جادًا إذا ظل المشاركون فيه رهائن لقرارات استثنائية قابلة للتغيير، أو إذا كان بعضهم يدخل البلاد مطمئنًا إلى نفوذ السلاح، فيما يدخل آخرون تحت مظلة حصانة مؤقتة.
والأخطر أن القرار، بدلاً من أن يقطع مع منطق الملاحقة السياسية، قد يكرس فكرة أن السلطة هي التي تحدد من يستحق العفو، ومن يحتاج إلى الحماية، ومن يجوز له أن يتحدث، وتحت أي شروط. وهذه هي المعضلة التي ينبغي أن يواجهها أي حوار وطني يريد للسودان أن يخرج من دائرة الحرب والاستبداد؛ إذ لا يمكن بناء دولة مدنية ديمقراطية بعقلية الوصاية، ولا يمكن إقناع السودانيين بجدية الانتقال السياسي بينما تظل حقوقهم رهناً بإرادة من يمسكون بمفاصل السلطة.
القوى المدنية لا تحتاج إلى حصانة مؤقتة تسبق حوارًا قد ينتهي، بل إلى ضمانات دستورية وقانونية دائمة تحمي حرية الرأي والتنظيم والعمل السياسي، وتمنع الاعتقال التعسفي والملاحقة بسبب المواقف، وتكفل استقلال القضاء وسيادة حكم القانون. وتحتاج، قبل ذلك وبعده، إلى وقف الحرب، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، من دون انتقائية أو استثناءات تفرضها موازين القوة.
فالقوى المدنية التي صمدت ثلاثة عقود أمام نظام شمولي لم تنجح سجونُه ومعتقلاته في إخضاعها، فلن تنتظر عفوًا من أحد، ولن تستمد شرعيتها من قرار يصدره حاكم أو حصانة يحدد أجلها ديكتاتور والغٍ في الدم ومتسربل بالمكر وغارق في الظلم ورافع الكذب والتدليس راية يمشي تحتها. القوى المدنية شرعيتها مستمدة من حق السودانيين في الحرية والسلام والعدالة، ومن تاريخ طويل من مقاومة الاستبداد، ومن إيمانها بأن هذا البلد أكبر من سلطات رجل كل همه أن يبقى في كرسي السلطة، وأن هذه البلاد أبقى من الحروب العبثية، وأحق بمستقبل لا يتحكم فيه السلاح ولا تصادره الوصاية.
السودان لا يحتاج إلى سلطة تعفو عن خصومها السياسيين، بل إلى دولة تكف عن تجريمهم. ولا يحتاج إلى حصانة مؤقتة لممارسة الحقوق، بل إلى وطن لا تصبح فيه الحقوق جريمة، ولا يكون فيه العفو بديلاً عن العدالة، ولا تتحول فيه المشاركة في صنع المستقبل إلى منحة من أصحاب السلطة والسلاح.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى