(الرغيفة بنص مليون) 

حين تصبح قطعة الخبز بنصف مليون، لا يعود الجوع خبراً في نشرة اقتصادية، ولا يصبح الغلاء رقماً تتناقله الشاشات، بل يتحول إلى إهانة يومية لإنسانٍ يعيش في بلدٍ غني، لكنه لا يملك ثمن أبسط ما يسد به رمقه. هنا، في السودان، لم تعد المأساة أن ترتفع أسعار السلع، أو أن يفقد الجنيه قيمته، أو أن يضيق الحال بالناس حتى آخر حدود الاحتمال؛ المأساة أن يصل الإنسان إلى قطعة الخبز، تلك التي ظلت عبر التاريخ عنواناً للقوت والستر والبقاء، فيجدها أبعد من قدرته، كأن الحرب لم تكتفِ بسرقة بيته وأمنه وأحلامه، بل قررت أن تنتزع منه حتى حقه في لقمة تسند جسده المنهك.

الرغيفة بنص المليون.. هو ذاك وفقا لآخر عملية تجريف أصفار شهدها الجنيه، قطعة خبز بهذا الثمن، في بلدٍ لم يكن أهله ينتظرون من العالم أن يطعمهم، ولم يكونوا يظنون أن يأتي يوم تصبح فيه لقمة العيش معركة تستنزف ما تبقى من أعمارهم لا جيوبهم فقط. أي مفارقة أقسى من أن يقف السوداني أمام بائع الخبز، يحسب ما في يده، ثم يعيد ترتيب احتياجات أسرته، لا لأنه يريد أن يدخر أو يحسن مستوى معيشته، بل لأنه لا يعرف كيف يوزع القليل على حاجات كثيرة؟ وأي قسوة أكبر من أن يصبح الخبز، الذي لا تستقيم الحياة من دونه، سلعةً تفضح عجز الاقتصاد، وانهيار العملة، وغياب السياسات التي تحمي الناس من السقوط في هاوية الجوع؟

أما الدولار، فقد صار حكاية أخرى من حكايات الانهيار. لا سعر يستقر عليه، ولا قيمة للعملة الوطنية تصمد أمام موجات التدهور، ولا دخل يستطيع ملاحقة الأسواق التي تسبق الناس كل صباح بخطوة. كل ارتفاع في سعر الدولار يتحول إلى زيادة في أسعار الطعام والدواء والوقود والمواصلات، وكل زيادة تقتطع جزءاً جديداً من حياة الأسر. وبينما تتراجع قيمة ما يكسبه العامل والموظف، تتسع المسافة بين ما يتقاضاه الناس وما يحتاجون إليه ليعيشوا، حتى صار كثيرون يعملون طوال اليوم ولا يملكون في نهايته ما يكفي لتوفير الضروريات.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه وسط هذه المأساة ليس عن سعر قطعة الخبز وحده، ولا عن الرقم الذي بلغه الدولار، وإنما عن بلدٍ يملك من الموارد ما يكفي لأن يعيش شعبه بكرامة، ثم يجد أبناؤه أنفسهم أمام هذا العجز الموجع. كيف وصلنا إلى هنا؟ وكيف أصبح السودان، بأرضه الزراعية الشاسعة وثروته الحيوانية ومياهه وذهبه وموقعه، عاجزاً عن حماية أبنائه من الجوع؟ وكيف تحولت الثروة التي كان يفترض أن تكون أساساً للتنمية والازدهار إلى جزء من اقتصاد الحرب، بينما تتآكل القدرة الشرائية للناس، وتتوقف المصانع، وتتراجع الزراعة، وتتسع رقعة الفقر؟

وفي مشهدٍ يزيد الصورة إيلاماً، تتردد تقارير عن طائرات تهبط في السودان حاملة أسلحة ومعدات الحرب، ثم تغادر محمّلة بالذهب والثروات. وإذا كانت تفاصيل هذه الرحلات وحمولاتها ومساراتها تحتاج إلى تحقيقات مستقلة وأدلة موثقة، فإن مجرد تداول هذه التقارير يطرح أسئلة لا يجوز تجاهلها: من يملك حق التصرف في ثروات البلاد؟ ومن يراقب عائدات الذهب؟ وإلى أين تذهب الموارد التي كان ينبغي أن تسهم في توفير الخبز والدواء، وإعادة بناء ما دمرته الحرب، وإنقاذ ملايين السودانيين من الجوع والنزوح؟

الطائرات تهبط، بآلة القتل والدمار التي تجد طريقها إلى أرضٍ أنهكتها الحرب، والذهب يغادر، بينما يقف المواطن في الجانب الآخر من المشهد، لا يملك سوى أن يحسب ثمن قطعة الخبز. هنا تبلغ المفارقة ذروتها؛ فالثروة موجودة، لكنها لا تصل إلى أصحابها، والموارد تتدفق، لكن أثرها لا يظهر في حياة الناس، والبلاد التي تستطيع أن تمنح مواطنيها أسباب العيش الكريم أصبحت عاجزة عن توفير أبسط شروط البقاء.

البلدان تبني بمواردنا، ونحن بمواردنا نهدم ما بناه الأجداد.  مأساة وطنٍ لا تنقصه الخيرات، وإنما تنقصه إدارة موارده لمصلحة شعبه، وتغيب عنه الأولويات التي تجعل الإنسان غاية التنمية وسببها. ففي الوقت الذي تستثمر فيه بلدان مواردها في بناء المدن، وتطوير الجامعات، وتشييد المستشفيات، وتوسيع شبكات الطرق، وإنشاء المصانع، نستهلك نحن مواردنا في حربٍ تدمر المدن وتطرد السكان من بيوتهم وتبدد رأس المال وتقطع الطريق أمام أجيال كاملة.

لم يترك لنا الأجداد هذه الأرض كي نختبر قدرتنا على تخريبها، ولم يزرعوا ويبنوا ويشقوا الطرق لتتحول إنجازاتهم إلى ركام. لقد ورثنا منهم وطناً كان يمكن أن يكون من أبرز البلدان المنتجة للغذاء، ومصدراً للثروة والازدهار، ومكاناً يجد فيه الإنسان فرصة للعمل والتعليم والعلاج والحياة. لكننا نبدد هذا الإرث في صراعٍ تتقدم فيه حسابات السلطة على حاجات الناس، وتعلو فيه أصوات البنادق على صوت الجائع، ويصبح فيه الحديث عن الانتصار أكثر حضوراً من الحديث عن إنقاذ المواطنين.

والمؤلم أن الذين يدفعون الثمن الأكبر ليسوا أصحاب القرار في استمرار الحرب، ولا أولئك الذين يستطيعون حماية أموالهم ومصالحهم، وإنما المواطن البسيط الذي لا يملك طائرة ولا بندقية ولا منجماً للذهب. إنه العامل الذي ينتظر راتبه فلا يجد فيه ما يكفي، والأم التي تقسم الطعام بين أطفالها، والأب الذي يخرج بحثاً عن رزق يومه ولا يعرف إن كان سيعود بما يسد حاجة أسرته، والنازح الذي فقد بيته ومصدر دخله، والطفل الذي يتعلم مبكراً أن الجوع ليس إحساساً عابراً، بل واقع يمكن أن يرافقه كل يوم.

لهؤلاء لا تعني الحرب خرائط السيطرة العسكرية، ولا تهمهم بيانات الانتصار التي تتبادلها الأطراف. ما يعنيهم أن يجدوا الخبز، وأن تتوافر المياه والدواء، وأن يعود أطفالهم إلى المدارس، وأن يناموا دون خوف من القصف أو الرصاص، وأن يستعيدوا حقهم في التخطيط للغد. هؤلاء لا يحتاجون إلى من يقنعهم بأن الحرب ضرورة، وإنما يحتاجون إلى من يجيب عن سؤالهم البسيط: لماذا ندفع كل هذه الأثمان، وماذا جنينا من كل هذا الخراب؟

إن وقف الحرب ليس مطلباً إنسانياً منفصلاً عن الاقتصاد، كما أن استعادة الاستقرار ليست مسألة سياسية مؤجلة إلى ما بعد المعارك. لا يمكن أن تنخفض الأسعار بصورة مستدامة في بلدٍ تتعطل فيه عجلة الإنتاج، ولا أن تستعيد العملة قيمتها بينما تتواصل الحرب ويزداد النزيف، ولا أن تتحول الثروات إلى تنمية في ظل غياب الرقابة والمساءلة. لا بد من وقف القتال، وحماية المدنيين، واستعادة المؤسسات، وإعادة تشغيل القطاعات المنتجة، وإخضاع موارد البلاد لرقابة شفافة، حتى تصبح عائدات الذهب والزراعة والثروة الحيوانية حقاً عاماً ينعكس على حياة السودانيين.

وليس المطلوب أن يصبح السودان غنياً، فالسودان غني بالفعل بما يملك من موارد وإمكانات؛ المطلوب أن يصبح شعبه قادراً على الانتفاع بهذه الثروة، وأن تتوقف المفارقة التي تجعل الذهب في أرضه ولا يجد الخبز على مائدته، وتجعل موارده مطمعاً للآخرين بينما يعيش أبناؤه على حافة العوز.

الرغيفة بنص المليون.. هو ذاك. قطعة خبز تختصر انهياراً كاملاً، ودولار يتحدى كل قدرة على الحساب، وطائرات تحمل أسباب الموت وتغادر بالثروة، وبلدان تبني ونحن نهدم. وبين هذه الصور يقف السودان عند مفترق طرق لا يحتمل مزيداً من الانتظار.

حين يصل ثمن قطعة الخبز إلى نصف مليون، يصبح السؤال أكبر من الاقتصاد، وأعمق من الغلاء: كيف يمكن لوطنٍ بهذه الثروة أن يترك أبناءه جائعين؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يواجه به قادة الحرب أنفسهم، وأن يواجههم به الشعب، وأن تظل الصحافة تطرحه ما بقي في البلاد إنسان يبحث عن لقمة العيش، ووطن يستحق أن يُنقذ من هذا الخراب.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى