الجنيه ينهار في السودان ومعاناة السودانيين في كمبالا تتفاقم
تحويلات فقدت قيمتها ومحال سودانية أغلقت أبوابها

كمبالا / سمر سليمان
لم تعد الحرب في السودان تقف عند حدود ما يحدث داخل البلاد، مع الانهيار المتواصل في قيمة الجنيه السوداني أمام العملات المحلية في دول الجوار، امتدت آثار الأزمة إلى آلاف السودانيين الذين لجأوا إلى أوغندا، وأصبحوا يكافحون يوميًا لتأمين أبسط احتياجاتهم.
في العاصمة الأوغندية كمبالا، تبدلت تفاصيل الحياة بالنسبة لكثير من السودانيين. أموال كانت تكفي للإيجار والطعام والتعليم والكهرباء والمياه والإنترنت، لم تعد تكفي إلا لجزء محدود من تلك الاحتياجات.
ويعتمد قطاع كبير من السودانيين على تطبيق (بنكك) لاستقبال التحويلات المالية من ذويهم داخل السودان، لكن تراجع قيمة الجنيه جعل تلك التحويلات تفقد جزءًا كبيرًا من قوتها الشرائية.
(القروش بقت ما بتعمل حاجة)
تقول حواء حسن إن أسرتها كانت تعتمد بصورة أساسية على التحويلات التي تصلها من السودان عبر بنكك.
وتروي: «في السابق الـ500 جنيه كانت بتعمل لينا حوالي 1500 شلن، وكنا بنقدر نسدد الإيجار الشهري وندفع الإنترنت والموية والكهرباء والمصاريف والمدارس وكل احتياجاتنا بصورة مريحة».
لكنها تقول إن الوضع تغير بصورة قاسية مع تراجع قيمة الجنيه: الآن نفس المبلغ بعمل حوالي 250 شلن فقط، وحتى ما بجيب ربع الحوجة.
أمام هذا الواقع، بدأت حواء وأسرتها التفكير في مغادرة كمبالا والتوجه إلى كرياندنقو، حيث يوجد مخيم اللاجئين، بحثًا عن خيار أقل كلفة.
وتقول: «قررنا نمشي المعسكر ونبني كرنك ونقعد هناك. ده الحل الوحيد. جهزنا نفسنا للمغادرة من العاصمة بعد أيام».
مطاعم ومحال فقدت زبائنها
لم يقتصر تأثير الأزمة على الأسر والأفراد، بل وصل إلى أصحاب الأعمال السودانيين في كمبالا.
يقول بكري الضوئي، صاحب مقهى، إن أوضاع السودانيين «بقت سيئة جدًا»، مشيرًا إلى أن تراجع القوة الشرائية انعكس على الأنشطة التجارية.
ويضيف: «بقينا ناكل الوجبات اليوغندية لأنها رخيصة، وبتوفر (بخمسة شلن فقط) ممكن تأكلك وجبتين».
ويصف الوجبة التي يقصدها بأنها تتكون غالبًا من دقيق البوشن في العصيدة، مع كمية قليلة من البامية والبصل والجينت (الدكوة).
أما إعداد وجبة بالطريقة السودانية، بحسب قوله، فأصبح مكلفًا للغاية بسبب الحاجة إلى كميات أكبر من البصل والزيت واللحوم وغيرها من المكونات.
(السودانيين خلوا المحل)
يقول محمد سليمان، صاحب مطعم سوداني في كمبالا، إن التغير الاقتصادي انعكس مباشرة على زبائنه.
ويقول: «السودانيين خلوا المحل حقي، بقيت شغال للمصريين والصوماليين والصينيين وقليل من السودانيين».
بالنسبة له، لم تعد المسألة مجرد انخفاض في عدد الزبائن، وإنما أصبحت مرتبطة بقدرة الناس على الإنفاق، بعدما تحولت الأولوية من تناول الطعام خارج المنزل إلى توفير الأساسيات.
من عشرات الطلبات إلى لا طلبات
تروي إجلال سعيد بشارة أن نشاط محلها كان جيدًا قبل تدهور الأوضاع الاقتصادية.
وتقول: «كان المحل شغال كويس خالص. في اليوم الواحد كنا بنطلع من 40 إلى 50 طلب شية إبل».

لكن المشهد تغير الآن، بحسب روايتها، إلى درجة أنها تمر عليها أيام دون تسجيل أي طلب.
وتضيف: «القهوة والشاي عشان أقلل الصرف في المحل، وقفت البنات العاملات وبقيت شغالة براي».
وتتذكر أن السودانيين كانوا يأتون إلى وسط المدينة ومعهم أموال تمكنهم من تناول الطعام والشراب، لكنها تقول إن ذلك تغير بصورة واضحة.
«زمان الناس تجي التاون معاها قروش، تاكل كويس وتشرب كويس، بس الآن الحال اتغير».

الحرب تستنزف المدخرات
أفقدت الحرب ملايين السودانيين مصادر دخلهم، بينما اضطر كثيرون ممن غادروا البلاد إلى الاعتماد على مدخراتهم أو التحويلات المالية من أقاربهم لتغطية تكاليف السكن والغذاء والتعليم والعلاج وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
ومع تراجع قيمة الجنيه السوداني، أصبحت المدخرات والتحويلات أقل قدرة على تغطية المصروفات في دول الجوار، حيث تدفع الاحتياجات اليومية بالعملات المحلية.
كما استنزف عدد من اللاجئين مدخراتهم التي خرجوا بها من السودان، واضطر بعضهم، وفق شهادات متداولة بين السودانيين، إلى التفكير في العودة بعد نفاد الأموال التي كانت بحوزتهم.
(غلبنا عديل)
تقول السيدة م. ع. إنها تقدمت للعودة الطوعية إلى السودان بعدما أصبحت غير قادرة على الاستمرار في أوغندا بالموارد المتاحة لها.
وتقول: «قدمت للعودة الطوعية عشان أرجع للسودان، غلبنا عديل، ما عندي حل إلا أرجع السودان لأنو القروش القاعدة تجينا بقت ما بتعمل ولا شي».
ورغم أن العودة إلى السودان قد تبدو للبعض خيارًا اقتصاديًا، فإنها بالنسبة لكثير من اللاجئين قرار بالغ الصعوبة في ظل استمرار الحرب وعدم استقرار الأوضاع في مناطق عديدة من البلاد.

محمد السيد (أغلقت محلي وأصبحت عاطلًا بلا عمل)
يقول محمد السيد، صاحب محل تجاري أغلق أبوابه، إن متجره كان يعتمد على الاحتياجات السودانية التي تأتي من السودان لتلبية احتياجات السودانيين في أوغندا.
ويضيف: «قفلت المحل، جردتو وسددت الديون وأصبحت عاطلًا بلا عمل. كلو بسبب ما في قوة شرائية».
وتحكي الدكتورة تهاني عن تراجع القدرة على شراء الاحتياجات الأساسية، قائلة إن السودانيين في السابق كنا يشتري أكياسًا من المستلزمات بالمبلغ نفسه، بينما أصبح المبلغ اليوم لا يكفي إلا لشراء حاجة أو حاجتين من الأساسيات.
وتقول إن الوضع أصبح مقلقًا جدًا بسبب انهيار العملة وتراجع القوة الشرائية.
(الجنيه السوداني أزمة تتجاوز حدود السودان)
يرى الدكتور هيثم فتحي، خبير اقتصادي، أن مجموعة من العوامل تضغط على قيمة الجنيه السوداني، من بينها التضخم وطباعة النقود وزيادة الواردات مقابل انخفاض الصادرات، إلى جانب الاضطرابات السياسية والاقتصادية.
ويدعو إلى تبني سياسات مالية ونقدية مناسبة وتعزيز القطاعات الإنتاجية وزيادة الصادرات، بما يساعد على تخفيف الضغط على النقد الأجنبي ودعم قيمة العملة.
(أزمة عملة تتحول إلى أزمة حياة)
بالنسبة للسودانيين في كمبالا، لا تبدو أزمة الجنيه السوداني مجرد أرقام تتغير في أسواق الصرف.
إنها بالنسبة لهم إيجار متأخر، ووجبة جرى الاستغناء عنها، ومحل فقد زبائنه، وعاملات اضطر أصحاب الأعمال إلى تسريحهن، وأسرة تستعد لمغادرة العاصمة بحثًا عن مكان أقل كلفة.
وبين من يفكر في الانتقال إلى المخيمات، ومن يواجه صعوبة في تشغيل مشروعه، ومن اختار العودة إلى السودان، تتكشف صورة أخرى للحرب: أزمة اقتصادية تعبر الحدود وتلاحق السودانيين حتى بعد مغادرتهم بلدهم.
فكلما تراجعت قيمة الجنيه، تراجعت معها قيمة الأموال التي يعتمد عليها اللاجئون في حياتهم اليومية، لتتحول التحويلات التي كانت توفر لهم قدرًا من الاستقرار إلى مبالغ بالكاد تسد جزءًا من الاحتياجات الأساسية.





