فلسفة الباب الموارب بين نيويورك وشارع النيل

يوسف الغوث

ثمة شيء ساخر في قصة تأشيرة عبد الفتاح البرهان إلى نيويورك.
فالرجل الذي اعتاد أن يصل إلى المنابر الدولية بوصفه رأس السلطة الفعلية في السودان، وجد نفسه هذه المرة واقفاً أمام باب دبلوماسي لا يفتح بمجرد أن تقول إنك رئيس مجلس السيادة، أو قائد الجيش، أو صاحب التفويض الذي تمنحه البنادق حين تعجز السياسة عن تقديم إجابة…
وبحسب تقارير صحفية، لم تكن المشكلة في جواز السفر ولا في جدول الرحلات، وإنما في شرط سياسي ارتبط بإصدار التأشيرة، وبقبول مقترح هدنة لمدة تسعين يوماً طرحته واشنطن.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية، والسؤال المهم ماذا سيقول البرهان لو وصل؟
وماذا سيقول إذا لم يصل؟
وماذا يفعل بلد يخوض حرباً منذ أكثر من ثلاث سنوات، ثم يصبح حضور رئيس سلطته إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة نفسه جزءاً من مفاوضات وقف الحرب؟
إنها أزمة طريق…
فالبرهان يريد أن يدخل نيويورك ليتحدث باسم الدولة، لكن الحرب التي يقودها الجيش جعلت الدولة نفسها تقف في منتصف الطريق بين الدبلوماسية والميدان، وبين لغة الانتصار العسكري ولغة الهدنة التي يضغط بها الخارج.
وما بين هذا وذاك يظهر مني أركو مناوي… حاضراً حين يغيب صاحب الدعوة…
مناوي موجود في نيويورك، ويدافع عن موقف البرهان ومعسكره السياسي.
وهنا تقدم السياسة السودانية واحداً من أكثر مشاهدها عبثاً،، فالرجل المطلوب منه أن يتحدث باسم السلطة غائب، والرجل الذي يتحدث باسمه حاضر، وكأن السودان أرسل نسخة احتياطية من رئيسه…
فالبرهان خارج الباب، ومناوي يشرح أهمية الباب!
وهنا تصبح المفارقة أكثر صعوبة،،، إنها مهمة معقدة تشبه إلى حد بعيد أن يقف شخص أمام باب مغلق، ثم يقضي وقته في شرح عظمة صاحب المفتاح، بينما صاحب المفتاح نفسه لا يستطيع الدخول.
فما الذي يستطيع مناوي أن يقدمه للأمم المتحدة غير تكرار موقف الرجل الغائب؟
هل سيقدم مشروعاً جديداً لوقف الحرب؟ هل يحمل تصوراً مختلفاً لمستقبل السلطة؟
فإذا كان السؤال الدولي موجهاً إلى البرهان،،عن ماذا ستفعل لإنهاء الحرب؟
فالإجابة لا تصبح أوضح لمجرد أن مناوي يقف في القاعة بدلاً منه… بل ربما تصبح المفارقة أوضح إذا كان الغائب صاحب القرار، والحاضر هو صاحب التفسير.
أما على الجانب الآخر من المشهد، يصل عبد الله حمدوك إلى نيويورك من بوابة مختلفة تماماً، باعتباره رئيس الوزراء المدني السابق، وأحد أبرز رموز الثورة ومسارها المدني، ورئيس تحالف صمود المناهض للحرب.
وهنا تكمن المفارقة التي تجعل المشهد أكثر وضوحاً،، فالبرهان يريد أن يدخل الأمم المتحدة بصفته عنوان الدولة، بينما يدخل حمدوك من بوابة الثورة، حاملاً خطاب الدولة المدنية التي خرجت من رحم الشارع قبل أن تُنتزع منها سلطتها بالقوة.
وهو لا يمتلك جيشاً أو مدفعاً، لكن ما يحمله إلى نيويورك هو الشرعية السياسية التي اكتسبها من موقعه كرئيس وزراء مدني جاء بعد الثورة، ومن الخطاب المدني الذي ما زال يطالب بإنهاء الحرب وإعادة السودان إلى مساره السياسي.
وهنا يصبح الفرق بين المشهدين أكثر شفافية،، فالبرهان يأتي من بوابة السلاح إلى منصة السياسة، بينما يأتي حمدوك من بوابة السياسة التي أُغلقت عليها أبواب السلطة بالسلاح.
ولهذا فإن وجود حمدوك في نيويورك ليس مجرد حضور لشخصية سياسية سودانية عادية، إنه حضور لخطاب الثورة المدنية في مواجهة خطاب الحرب.
ومن هذه الزاوية، يصبح حمدوك في نيويورك أكثر من مجرد مشارك في اجتماعات الجمعية العامة،، فهو صوت سياسي بارز للمعسكر المدني والثوري الذي يحاول أن يطرح أمام المجتمع الدولي سؤال السودان الآخر، وكيف يمكن إعادة الدولة إلى السياسة بعد أن ابتلعتها الحرب؟
وربما كانت قصة التأشيرة أكبر من مجرد ورقة سفر.لكنها كشفت شىئا مهما وهو ان
أن السودان أصبح حاضراً في نيويورك بأكثر من صوت، وأكثر من رواية، وأكثر من مشروع.
والمجتمع الدولي يسأل،،ماذا ستفعلون
لإنهاء الحرب؟
متى تتحول السلطة من إدارة الحرب إلى صناعة السلام؟
إن الرجل الذي خرج من بوابة السلطة العسكرية ليصبح عنواناً للدولة، وجد نفسه الآن أمام بوابة دبلوماسية لا تفتح بالصفة وحدها.
والرجل الذي جاء من تجربة الثورة المدنية وخسر السلطة، يعود إلى نيويورك من باب المدنية.
وغداً، إذا مضت الدعوات المعلنة للمسيرة المؤيدة للبرهان في الخرطوم كما هو متوقع، فستمتلئ الشوارع بالحشود مدفوعة الاجر، وسيقال إن الشارع قال كلمته…..وربما ترفع الرايات وسيحاول البرهان وازلامه القول بانه ما زال يمتلك الحضور والتأييد….ولكن الشارع لن
يستطيع أن يجيب بالهتاف عن كيف ستنتهي الحرب وهذه هي المشكلة التي
ستلاحق السلطة من الخرطوم إلى نيويورك…
فالسياسة لا تنتهي عند الحشد، كما أن الحرب لا تنتهي عند رفع الرايات.
وإذا كان البرهان يريد أن يثبت أنه عنوان الدولة، فإن السؤال الطبيعي سيظل يطارده ،،ما الذي ستفعله الدولة التي
تقودها حتى لا تبقى الحرب هي اللغة الرسمية الوحيدة؟
وماذا فعلت باقتصاد السودان حتى وصل سعر الدولار إلى أكثر من تسعة آلاف جنيه؟
وهل تستطيع أن تشرح للمواطن لماذا تتآكل قيمة العملة وتتضاعف أسعار السلع؟
ففي نيويورك، هناك باب يحتاج إلى تأشيرة.وفي الخرطوم هناك شارع
يحتاج إلى حشود،،وبين الباب والشارع
يبقى السؤال الأكبر،،،والمتمثل في
متى يجد البرهان طريقه إلى باب الغرفة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى