مفتاح

في زمن الحرب لا تُقتل الحقيقة بالرصاصة وحدها، بل قد تُقتل أيضاً بالكلمة حين تتحول المعلومة إلى سلاح، والصورة إلى أداة للتحريض، والمنصة إلى مساحة لإعادة إنتاج الكراهية وتوسيع دائرة العنف. ومن هنا تنطلق حملة «تنطق المواقع بما ليس في الواقع»، التي تطلقها مجلة أفق جديد ومركز آرتكل للتدريب والإنتاج الإعلامي، بالتعاون مع منتدى الإعلام السوداني، في مواجهة واحدة من أخطر جبهات الحرب التي لا تُرى بالعين، لكنها تمتد إلى كل بيت وشاشة ومنصة.

لقد كشفت الحرب السودانية منذ اندلاعها أن المعركة لم تعد تدور حول الأرض وحدها، وإنما حول الرواية أيضاً؛ فمن يمتلك القدرة على صياغة الرواية يستطيع أن يعيد ترتيب الوقائع، ويمنح المعتدي صورة الضحية، ويحوّل الضحية إلى متهم، ويجعل الكراهية تبدو موقفاً وطنياً، والمعلومة المضللة حقيقة لا تحتاج إلى دليل. وفي هذا المناخ تتسع المسافة بين ما يحدث فعلاً وما تنطق به المواقع والمنصات، فتغدو الشائعة أسرع من التحقق، والصورة المبتورة أقوى من سياقها، والخبر الكاذب أقدر على الوصول من الحقيقة التي تحتاج إلى وقت وجهد ومهنية.

الحملة لا تنطلق من افتراض أن كل ما ينشر كذب، ولا تضع الصحافة والمستخدمين في موضع الاتهام، وإنما تسعى إلى استعادة المعنى الأساسي للإعلام: أن ينقل ما يحدث، لا أن يصنع واقعاً بديلاً عنه. فالمعلومة مسؤولية، والكلمة مسؤولية، والنشر في زمن الحرب ليس فعلاً محايداً حين تكون نتائجه تحريضاً على جماعة أو منطقة أو قبيلة أو لون سياسي، أو حين يسهم في تجريد الضحايا من إنسانيتهم وتهيئة المجال لمزيد من العنف.

ولأن خطاب الكراهية لا يولد منفصلاً عن بيئته، فإن مواجهته تبدأ من تفكيك اللغة التي تمنحه الحياة؛ تلك اللغة التي تختزل الناس في انتماءاتهم، وتعمم الجريمة على جماعة كاملة، وتحوّل الاختلاف السياسي إلى عداوة وجودية، وتستدعي قاموس الإقصاء والانتقام. وكذلك فإن مواجهة المعلومات المضللة لا تتوقف عند نفي الخبر الكاذب، بل تتطلب بناء ثقافة تحقق تجعل القارئ أكثر قدرة على السؤال: من نشر؟ ومتى؟ وما المصدر؟ وما الدليل؟ وهل تتطابق الرواية مع الوقائع المتاحة؟

إن السودان الذي أنهكته الحرب لا يحتمل حرباً أخرى تُدار بالكلمات، ولا يحتاج إلى منصات تزيد النار اشتعالاً، وإنما يحتاج إلى إعلام يعيد للوقائع وزنها، وللإنسان كرامته، وللحقيقة مكانها. وهذا هو المعنى الذي تسعى الحملة إلى الدفاع عنه: أن تكون المواقع مرآة للواقع، لا مصنعاً لواقع آخر؛ وأن تكون الكلمة جسراً إلى الحقيقة، لا رصاصة إضافية في جسد البلاد.

من هنا نبدأ، لأن معركة الحقيقة ليست ترفاً إعلامياً، ولأن مقاومة التضليل وخطاب الكراهية جزء من مقاومة الحرب نفسها. وفي بلدٍ أثقلته الأكاذيب كما أثقلته البنادق، يصبح التحقق فعلاً من أفعال المسؤولية، ويصبح الامتناع عن نشر الكراهية شكلاً من أشكال حماية الحياة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى