تحولت إلى مساكن للأشباح  .. بارا والخوي والدبيبات.. مدن تبحث عن أهلها

محمد عبد الباقي

في مشهد يجسد أسوأ وجوه الحرب، تحولت أبرز مدن إقليم كردفان، بارا والخوي والدبيبات إلى مُدن أشباح بعد أفرغت الحرب تمامًا من سكانها.

هذه الحواضر التي كانت تضج بالحياة، وتمثل شرايين حيوية للتجارة والرعي والزراعة أجبر سكانها مؤخرًا على رحلة نزوح جماعية نادرة وتحولت لمُدن أطلال ينعق فيها الخراب والدمار وتفوح منها رائحة الدعم والموت المجاني ويخيم عليها شبح الجرائم المتعددة.

لم يكن النزوح الجماعي خيارًا اتخذه سكان أي من هذه المُدن بمحض إرادتهم، بل جاء نتيجة لانتهاكات قاسية فرضتها الحرب الدائرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام بين الجيش والدعم السريع، وما صاحبها من تدهور في الأوضاع الأمنية، الأمر الذي دفعهم إلى الفرار بحثًا عن الأمان، وأجبر آلاف الأُسر على ترك ديارها وتاريخها خلف ظهرها.

يجسد واقع هذه المدن الثلاث الخاوية من سكانها جانب غير مرئي وغير معلن في أجهزة إعلام الطرفين لكن في الحقيقة يتجاوز جريمة ارتكابهما لأبشع الانتهاكات وجرائم القتل والاختفاء القسري، وتدمير مصادر العمل، وقطع سلاسل الغذاء، وحرمان المواطنين من العمل، وتقليص المساحات المزروعة، وتفشي المجاعة والأمراض، وتدمير الغابات والقضاء على الثروة الحيوانية إلى إنهاء مسيرة عمران امتدت لسنوات طويلة رافقت تطور هذه المدن الثلاث.

وبالنسبة لمدينة الخوي فقد غادرها سكانها بعد تبادل سيطرة الطرفين عليها لأكثر من مرة، فالمدينة التاريخية بولاية غرب كردفان والتي تبعد نحو 100 كيلومتر شرق مدينة النهود، ونحو 200 كيلومتر عن عاصمة الولاية الفولة شهدت انتهاكات قاسية قبل أن يسيطر عليها الدعم السريع للمرة الأخيرة في مايو 2025.

وتعد الخوي من أهم مناطق تربية الثروة الحيوانية في السودان حيث يقع بها أكبر أسواق الماشية في غرب السودان، وتشتهر بجودة وتصدير الضأن الحمري، إلى جانب الأبقار والماعز والإبل.

يقول سليمان حمد، أحد سكان الخوي الذين نزحوا إلى أم درمان، لـ”أفق جديد”: “عاشت المدينة التاريخية أوضاعًا قاسية بعد خلوها بالكامل من السكان، وقد جرى نهب كل ممتلكات المواطنين، بما فيها المنازل التي اقتلعت حتى أبوابها ونوافذها، ودُمرت الأشجار والمباني الحكومية والمستشفيات والمدارس”.

وكان أكثر ما تضرر في الخوي مباني المؤسسات العامة، ومنها المدارس والمستشفيات والمباني الحكومية الأخرى، فقد طال التدمير نحو عشر مدارس ثانوية في مدينة الخوي، بجانب أكثر من ثلاثين مدرسة أساس في داخل المدينة وريفها، والمستشفى الحكومي العام وبقية المؤسسات الحكومية ومقرات الشركات التي كانت تنشط في تجارة الثروة الحيوانية والمحاصيل الزراعية.

يضيف سليمان: “الأضرار التي لحقت بالمدينة، التي لها تاريخ ضارب في القدم ومرت بمراحل تطور مختلفة، لا يمكن معالجتها باليسر حتى لو توقفت الحرب، وسوف تحتاج إلى جهود كبيرة ومبالغ طائلة من أجل إعادة إعمارها”.

وقد طالت الحرب كذلك مدينة الدبيبات التابعة لولاية جنوب كردفان والتي شهدت حالة نزوح جماعي في شهر مايو 2025، وفي يونيو من العام نفسه وصلت حركة النزوح إلى أعلى مستوياتها، إذ نزح حتى سكان القرى المجاورة بعد ارتفاع حدة الانتهاكات التي أعقبت استرداد الدعم السريع للمدينة من الجيش.

وتتميز الدبيبات، التي ارتبط تاريخ تأسيسها وتطورها كمدينة بمد خط السكة الحديدية بين عامي 1911 و1912، عندما وصل خط قطار غرب السودان إلى المنطقة، بأنها من أهم مناطق الإنتاج الزراعي والحيواني بإقليم كردفان، حيث توجد بها غابات شاسعة لإنتاج الصمغ العربي ومشاريع زراعية واسعة، بينما يوجد بها سوق الحاجز العريق الذي يعد أحد أهم أسواق الإبل في السودان.

وكان الدعم السريع قد سيطر على الدبيبات في وقت مبكر مع بداية الحرب، قبل أن يستردها الجيش في مايو 2025، وبعد أقل من أسبوعين تمكن الدعم السريع من السيطرة عليها للمرة الثانية والأخيرة، وهو ما دفع سكانها إلى رحلة نزوح جماعية، تاركين خلفهم المدينة التي عاشوا فيها لأكثر من 100 عام.

يقول علي عبدالمولى من سكان الدبيبات ولاجئ في أوغندا، لـ”أفق جديد”: “لا يمكن استيعاب حقيقة إفراغ الدبيبات من سكانها بهذا الشكل كخبر عادي يمر على الإنسان ولا يتأثر به، فالمدينة التي تجاوز عمرها المائة عام هي جزء من الوجدان السوداني العام، وجزء من حياة آلاف المواطنين الذين ولدوا وترعرعوا في هذه المدينة العريقة، فقرار تركهم لها خلفهم والسير في طريق النزوح كان خيارًا قاسيًا، كالمفاضلة بين الموت والحياة، لكن دائمًا تنتصر الرغبة في الحياة، ولهذا قرر السكان النزوح وترك تاريخهم الطويل خلفهم”.

يضيف علي: “لحقت بالمدينة وريفها أضرار بالغة، أخطرها عمليات النهب الواسعة التي طالت منازل المواطنين وتدمير المباني العامة وتخريب الممتلكات، مما أدى لتوقف الإنتاج الزراعي والحيواني في أهم المناطق الإنتاجية بالسودان، وتحولت آلاف المساحات التي كانت تمثل مشاريع زراعية واسعة إلى أراضٍ بور، وخسر السكان آلاف الرؤوس من قطعان الماشية التي تم نهبها أو تركها أصحابها خلفهم بمحض إرادتهم في زحمة حالة النزوح الأولى، تحت وابل من الرصاص والانتهاكات القاسية التي لحقت بهم”.

 

ويختم علي بالإشارة إلى فداحة الواقعة، ويقول: “تدمير المدن العريقة وتخريب ممتلكات السكان وتشريدهم بمثل هذه الطريقة يعد من الخسائر التي لا يمكن تعويضها في القريب خاصة في ظل استمرار الحرب، فالخسائر ليست مادية فحسب، وإنما هنالك تاريخ طويل جرى مسحه من الوجود بتحويل المدينة إلى أطلال، والمؤسف أن حتى القرى الواقعة في ريف الدبيبات هجرها سكانها، فأصبحت المصيبة عامة على السكان في الريف والمدينة “.

كذلك تحولت مدينة بارا العريقة بشمال كردفان إلى مسرح عمليات تبادل السيطرة عليها بين الطرفين أكثر من مرة، إلى أن استردها الجيش آخر مرة في مارس الماضي.

كان الدعم السريع قد سيطر على بارا في أبريل 2023، فحولها إلى قاعدة إمداد مهمة لقواته التي كانت تسيطر على أجزاء واسعة من الخرطوم والجزيرة وكردفان وسنار والقضارف ونهر النيل، لكن الجيش استردها في سبتمبر 2025، ومن ثم سيطر عليها الدعم السريع للمرة الثانية في أكتوبر 2025، إلى أن استردها الجيش في مارس 2026.

ورغم توقف العمليات العسكرية في بارا، لم يعد إليها سكانها الذين غادر آخر من تبقى منهم في رحلة نزوح بعد سيطرة الدعم السريع عليها في أكتوبر من العام الماضي.

يقول صالح الذي نشير إليه باسمه الأول فقط بناءً على طلبه، وهو نازح داخليًا في إحدى المدن لـ”أفق جديد”: “سكان بارا بدأوا في رحلة النزوح بعد استردادها من قبل الدعم السريع في أكتوبر 2025، وعندما سيطر عليها الجيش للمرة الثانية كانت خالية تمامًا من السكان”.

تابع صالح: “تعرضت بارا لخسائر فادحة، وتم تدمير المدينة بصورة غير مسبوقة في تاريخها، وقد طال الدمار ممتلكات المواطنين والممتلكات العامة والمناطق السياحية والزراعية في بارا، وشمل التدمير جنائن بارا الشهيرة وأسواقها ومدارسها ومستشفياتها”.

وأخبر صالح بأن كثيرًا من تاريخ المدينة التي تعرضت لعمليات سرقة ونهب واسعة قد ضاع، وقد طالت عمليات السرقة والتخريب كل مركز المدينة وحتى أسقف المنازل تم اقتلاعها من قبل اللصوص.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى