التطرف العنيف في السودان؟!

السر السيد
أواصل، وبتصرف، نشر ما جاء في مخطوطتي (الشباب والتطرف العنيف في السودان 1990-2018: خلية الدندر نموذجًا)، التي فرغتُ من إنجازها في العام 2018.
أشرتُ في مقالي السابق، (التطرف العنيف وتجربة المعالجات الفكرية)، إلى أن استدعاء هذه المقالات يجيء لتُقرأ في سياق الحملة التي تنشط الآن من أجل تصنيف الحركة الإسلامية السودانية تنظيمًا إرهابيًا عالميًا، أو لقراءة الحملة على خلفيتها. وفي هذا المقال، والمقالات التي قد تأتي بعده، سأواصل التعرض لما يمكن وصفه بالمسار الفكري في مواجهة التطرف العنيف في السودان، ذلك المسار الذي اجترحه نظام الإنقاذ، أو الإسلاميون إذا أحببت.
وبالنظر إلى طرق مكافحة التطرف العنيف دوليًا، نجد أنها تتحرك في ثلاثة مسارات هي: مسار التشريعات والقوانين، والمسار الأمني/الاستخباراتي، والمسار الفكري، مع تنسيق إقليمي ودولي في كثير من الأحيان. وبالنظر إلى حالة السودان، سنجد أن مطلع العام 1996 كان بمثابة البداية لتفعيل تلك المسارات خدمةً للحملة الأمريكية ضد ما أسمته بـ(الإرهاب). ففي هذا العام طلبت السلطات السودانية من الشيخ أسامة بن لادن وآخرين مغادرة البلاد، ثم جاءت الفترة الممتدة من 2000 إلى 2013، والتي شهدت نموًا مطردًا لظاهرة التطرف العنيف على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، ليزيد السودان من تعاونه مع جهات إقليمية ودولية، على الرغم من أنه مُصنَّف من قبل الولايات المتحدة منذ العام 1993 دولةً راعيةً للإرهاب. ثم جاءت الفترة الممتدة من 2005 وحتى الآن (2018)، حيث تم في العام 2005 تأسيس (وحدة مكافحة الإرهاب) بين الجانبين الأمريكي والسوداني في العاصمة الخرطوم، وهي الفترة التي شكّلت تحولًا في مسيرة جهود السودان في مكافحة الإرهاب، وعلى مختلف المسارات، ليتنامى دوره إقليميًا ودوليًا.

عن المسار الفكري
مع اشتداد ظاهرة التطرف الديني العنيف وتناميها في السودان، خاصةً بعد ظهور خلية السلمة في العام 2007، بدأت تظهر — وبشكل متواتر، وكأن الأمر قد خُطِّط له — الكثير من المساهمات الفكرية التي تناقش هذه الظاهرة في شكل مقالات، ودراسات، وبحوث، وأوراق عمل، على مستوى الصحف اليومية، والمجلات العامة، والمجلات المحكمة التي تصدرها بعض الجامعات السودانية، وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة. كما صدرت العديد من الكتب والكراسات عن بعض الجهات ذات الصفة الاعتبارية، كـ”هيئة علماء السودان” و”مجمع الفقه الإسلامي”، هذا إضافةً إلى إنتاج بعض البرامج الإذاعية والتلفزيونية والخطب المسجدية.
ولعل مما ساعد على بلورة هذا الجهد، الذي كاد أن يتخذ شكل “الحملة”، إضافةً إلى تنامي الظاهرة نفسها، وجود الكثير من المراكز الفكرية والدعوية والمجموعات والمنظمات الشبابية ذات المنطلقات الإسلامية، والتي ربما شكّل لها تنامي هذه الظاهرة تحديًا ومهددًا خاصًا، سيما أن التطرف العنيف يطرح أسئلة تجد صداها المزعج في “المنظومة الفكرية” التي ترتكز عليها هذه المراكز والمجموعات الشبابية. وكيف لا، وبعض هؤلاء المتطرفين، وحتى الأمس القريب، كانوا ضمن هذه “المنظومة الفكرية”.
ومن هذه الأسئلة المزعجة — على سبيل المثال لا الحصر — سؤال علاقة الدين بالدولة، وسؤال إسلامية الدستور السوداني من عدمها. قصدتُ أن أقول إن التطرف العنيف لا يشكل مهددًا وتحديًا أمنيًا وسياسيًا فقط، ولكنه كذلك يشكل مهددًا فكريًا، وفي حالة السودان يشكل تحديًا ومهددًا لكل خبرة التسامح والتعايش الديني؛ تلك الخبرة التي أبدعها التصوف السوداني بصبر ومحبة.
ولمواجهة هذا المهدد الفكري، تصاعدت الجهود الفكرية المتنوعة، الفردية والمؤسسية، وبتنسيق خفي أو معلن مع جهات رسمية وأهلية، يأتي في مقدمتها جهاز الأمن والمخابرات، سيما أنه هو من اجترح المسار الفكري كما أشرنا. فظهرت العديد من المراكز والهيئات التي تفرد حيزًا مقدرًا للجهد الفكري في مكافحة التطرف العنيف، كـ”المركز العالمي للدراسات الدعوية والتدريب”، و”مركز النهضة والتواصل”، و”مركز أبحاث الرعاية والتحصين الفكري”، الذي أُنشئ بموجب المرسوم الدستوري رقم 45 لسنة 2015، والذي نص على تأسيس المجلس الأعلى للرعاية والتحصين الفكري. كما تم تدشين “الهيئة الوطنية لمكافحة الإرهاب” في الخرطوم، شراكةً مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في مارس 2017، كما جاء في صفحة راديو دبنقا بالشبكة العنكبوتية بتاريخ 10 مارس 2017.

الجهود الفكرية ملاحظات عامة
ومباشرةً أقول: إن هذه الجهود الفكرية المتنوعة لا تأخذ قيمتها فقط من القضايا التي تناقشها، ولا ممن تستهدفهم، ولا من الدعاة والمفكرين والباحثين الذين يكتبونها، على تميز أيٍّ منهم في مجاله، وإنما تأخذها كذلك من الجهات الناشرة، كهيئة علماء السودان، ومجمع الفقه الإسلامي، والمركز العالمي للدراسات الدعوية والتدريب، وجامعة أم درمان الإسلامية، وعمادة البحث العلمي والتأليف والنشر بجامعة القرآن الكريم.
إلا أن ما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن هذه المساهمات الفكرية لا تعبر بالضرورة عن رؤية فكرية واحدة، ولا عن تيار إسلامي واحد، فمن كتبوها ينتمون إلى تيارات ومرجعيات مختلفة، ومع ذلك جميعها اتفقت على أن ما تقوم به جماعات التطرف والتطرف العنيف باسم الإسلام، من تكفير وترويع وتقتيل، لا يستند إلى علم أو معرفة يُعتد بها، وأنه عمل لا يقبله الإسلام حتى وإن حسنت النوايا.
في المقال القادم، سأعمل على تشريح بعض هذه المساهمات الفكرية السودانية في مواجهة التطرف العنيف..





