إمتحانات الشهادة السودانية..ضريبة الضجيج التي يدفعها التلميذ السوداني وحده..

بقلم :  أحمد عثمان محمد المبارك 

تعد ظاهرة الاستنفار الأسري التي تصاحب إمتحانات الشهادة السودانية من أعقد الظواهر الاجتماعية التي تبرز خصوصية المجتمع السوداني، وهي خصوصية تمزج بين التفاني الأسري المفرط وبين الضغط النفسي الذي يكاد يطبق على أنفاس التلاميذ. فعندما يقترب موعد الامتحانات، يتحول البيت السوداني إلى ثكنة عسكرية، وتتوقف الحياة الاجتماعية تماماً، وتلغى الزيارات، ويحبس الجميع أنفاسهم خلف جدران الصمت المطبق، في مشهد لا تجد له نظيراً في معظم دول العالم التي زرناها بها أو عشنا فيها، حيث تمر الامتحانات هناك كحدث أكاديمي روتيني لا يلتفت إليه أحد سوى التلميذ نفسه.

إن جذور هذا الاهتمام المبالغ فيه تكمن في قناعة راسخة لدى الوالدين بأن التعليم هو المصعد الاجتماعي الوحيد والآمن في ظل واقع اقتصادي متقلب، حيث تحولت الشهادة في الوجدان الشعبي من مجرد ورقة تقييم إلى صك عبور نحو حياة كريمة، أو بالأحرى المعركة المصيرية التي تحدد قيمة الفرد الاجتماعية ومستقبل الأسرة بالكامل. هذا التكريس للشهادة كبوابة وحيدة للنجاح يعكس غياباً تاماً للمسارات البديلة؛ فالمجتمع لا يزال ينظر للتعليم الفني والمهارات اليدوية بنظرة قاصرة، مما يجعل كليات القمة (طب/هندسة) هي الهدف الأوحد الذي يُساق إليه الأبناء تحت وطأة الوجاهة الاجتماعية وفخر الآباء أمام الأقران.

ولا يمكن قراءة هذه الظاهرة بمعزل عن الإرث الثقيل الذي خلفه نظام الإنقاذ طيلة عقوده الثلاثة؛ فقد اتسم ذلك العهد بمفارقة صارخة، حيث سخرت الآلة الإعلامية للدولة كل إمكانياتها لصناعة بروباغندا النتائج والاحتفالات الصاخبة، في الوقت الذي كان فيه النظام يمارس تخريباً ممنهجاً لبنية التعليم الحقيقي. فبينما كانت المدارس الحكومية تنهار والمناهج تُفرغ من محتواها العلمي الرصين، كان الزخم الإعلامي يُستخدم كواجهة براقة للتغطية على تدمير مجانية التعليم وتحويله إلى سلعة. لقد رسخ هذا النهج مفهوم التعليم كأداة للتحشيد السياسي، فصار الامتحان غاية في حد ذاته، وتحولت وزارة التربية في مواسم النتائج إلى منصة تبيع الوهم للأسر المنهكة، واضعةً التلاميذ في مواجهة نصر زائف لنظام متهالك.

ويصل هذا العبث إلى ذروته في مشهد إعلان النتائج الذي يتحول إلى تظاهرة قومية يطل فيها وزير التربية محاطاً بكبار قادة الدولة عبر البث المباشر، مما يرسخ في وعي التلميذ أن نجاحه ليس شأناً شخصياً بل استحقاق وطني يُحتفى به تحت الأضواء. وبينما تترقب الأسر خلف الشاشات في حالة من التوتر الجماعي، يُدفع بالتلاميذ الذين لم يحققوا درجات عالية إلى زوايا النسيان والخذلان العلني، حيث يصبح التعثر الدراسي في نظر المجتمع فضيحة مُذاعة، مما يورث غصة نفسية عميقة قد لا تمحوها السنوات.

علاوة على ذلك، فإن هذا الزخم يضع الناجحين أنفسهم في فخ المسؤولية القاتلة، فعندما ينتقل الطالب من صخب الاحتفالات إلى مقاعد الجامعة، يجد نفسه أسيراً لصورة المتفوق التي صنعها له الإعلام والمجتمع. وإذا ما اصطدم بواقع أكاديمي مختلف أو تساوى مع زملائه في التحصيل، فإنه يشعر بانهيار الأسطورة التي صُنعت له، مما يدخله في صراع داخلي مرير. 

إننا بحاجة ماسة إلى وعي مجتمعي يفكك هذه البدعة السودانية، لنستوعب أن النجاح في الحياة ليس محصوراً في لحظة تلفزيونية أو مقعد جامعي واحد، وأن تحويل الامتحانات إلى حدث هادئ وطبيعي هو السبيل الوحيد لحماية صحة أبنائنا النفسية وضمان خروج جيل سوي، يقبل على العلم بشغف لا بخوف، ويواجه المستقبل بمهاراته لا بضجيج أسرته.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى