الملف ..السودان على حافة الهاوية
استطلاع لـ "أفق جديد" يكشف تصدع الدولة .. والانهيار على بعد خطوة

إعداد قسم البيانات والتحليل السياسي
الانهيار .. كلمة مرعبة نعم، غير أن المراقب بعمق لواقع بلادنا يتأكد له بأنها باتت حقيقة ماثلة يحاول الكثير منا تجاهلها، ولكن ربما مواجهة الحقائق، وعدم الخوف من الخوض فيما هو مخيف، ومناقشته يكون بمثابة انتباهة حقيقية للممسكين بزر القرار، ففي أحدث قراءة للرأي العام السوداني، يكشف استطلاع واسع النطاق شمل نخباً سياسية وأكاديمية ومهنية مختلفة عن واقع لا يحتمل التأويل: “الدولة السودانية في مرحلة ما قبل الانهيار، واقتصاد الحرب يتفوق بوضوح على الاقتصاد الرسمي”، فيما يرى 8 من كل 10 مشاركين أن الحرب الحالية أثرت «بشدة قصوى» على تماسك الدولة.
الاستطلاع، الذي نُفذ بأسلوب علمي وشارك فيه غالبية من أكاديميين وباحثين (50.8%)، إلى جانب سياسيين وإعلاميين ومهتمين بالشأن العام، يقدّم صورة قاتمة لكنها واقعية، يستعرضها هذا التقرير بالأرقام والتحليل.
أولاً:
الحرب هي الانهيار
عند سؤال المشاركين عن أخطر مؤشرات انهيار الدولة المتوفرة حالياً في السودان، جاءت النتائج مدوية:

انهيار الأمن (80.3%)
انهيار الاقتصاد (77%)
فقدان الشرعية السياسية (73.8%)
تفكك المؤسسات (65.6%)
النزوح الجماعي (63.9%)
في مؤشر خطير آخر، يرى 83.9% أن الحرب أثرت إلى أقصى درجة (تقييم 5 من 5) على تماسك الدولة، بينما أكد 96.7% أن «وقف الحرب» هو الأولوية العاجلة لمنع انهيار الدولة الكامل، متقدمة بفارق كبير على أي خيار آخر مثل إصلاح الاقتصاد أو إطلاق عملية سياسية.
ثانياً: اقتصاد الحرب يلتهم الدولة
في واحدة من أكثر النتائج دلالة، أجاب 83.6% من العينة بأن «اقتصاد الحرب أصبح أقوى من الاقتصاد الرسمي» (بينهم 47.5% قالوا «نعم بشكل واضح»). ويعكس هذا الرأي حالة من تفكك السيطرة المالية للدولة، وانتشار آليات التمويل الموازي للجماعات المسلحة.
ويتسق هذا مع اعتبار 78.7% أن للانهيار الاقتصادي «تأثيراً وجودياً يهدد بقاء الدولة»، بينما يُصنف الفساد كثاني أكثر العوامل إضعافاً للدولة (77.8%)، بعد الحرب مباشرة (88.9%).
ثالثاً: مؤسسات منهارة أو شبه منهارة
ما تبقى من مؤسسات الدولة يعاني انهياراً صامتاً، وفق التقييمات التالية:
48.4% يرون أن مؤسسات الدولة «شبه منهارة».
41.9% يقولون إنها «منهارة بالكامل».
فقط 8.1% يرونها «تعاني ضعفاً واضحاً» (دون حديث عن استقرار).
وعند تقييم أداء مؤسسات العدالة والفضاء والخدمة المدنية تحديداً:
59.7% قالوا إنها «منهارة بالكامل».
21% «شبه متوقفة».
فقط 1.9% يرون أنها تعمل بكفاءة.
أما عن إمكانية إعادة البناء بعد الحرب، فـ44.3% يرونها ممكنة «ولكن بشروط صعبة»، و36.1% يقولون إن الأمر سيكون «بالغ الصعوبة»، في انكسار لأي حديث عن «نهضة سريعة».
رابعاً: الدولة السودانية اليوم – أين هي؟
عند السؤال المباشر: «السودان اليوم أقرب إلى أي نموذج؟»، جاءت الإجابات:
دولة فاشلة: 71%
دولة هشة: 24.2%
دولة ضعيفة: 4.8%
دولة مستقرة: 0%
هذه النتيجة تُعد بمثابة شهادة رسمية غير مسبوقة من النخب بأن السودان تجاوز مرحلة «الدولة الضعيفة» إلى مرحلة الانهيار الوظيفي الكامل.

خامساً: توقعات مظلمة للمستقبل
إذا استمرت الأوضاع الحالية، كيف يتصور المشاركون شكل السودان خلال خمس سنوات؟
59% يتوقعون «تفككاً أكبر للدولة».
23% يتوقعون «انهياراً شاملاً».
11.5% يرون «استمرار الأزمة الحالية».
فقط 1.6% يتوقعون «تحسناً تدريجياً».
وهذا يعني أن 82% من النخب السودانية لا ترى أي أفق قريب للاستقرار، بل توقعات بتعمق التفكك.
سادساً: الأضرار – القطاعات والنسيج الاجتماعي
ما أكثر القطاعات تضرراً من استمرار الحرب؟
النسيج الاجتماعي: 86.9%
التعليم: 85.2%
الصحة: 82%
الاقتصاد: 78.7%
الخدمات العامة: 75.4%
البنية التحتية: 72.1%
وهذا يعني أن الحرب لا تدمر الحجر فقط، بل تهدد تماسك المجتمع السوداني نفسه، في مؤشر خطير على تحول النزاع إلى حرب أهلية مفتوحة الأفق.
سابعاً: مَن يتحمل المسؤولية؟
عند تحليل العوامل المساهمة في إضعاف الدولة (اختيارات متعددة):
الحرب: 88.9%
الفساد: 77.8%
القبيلة والجهوية: 68.3%
التدخلات الخارجية: 63.5%
الانهيار الاقتصادي: 63.5%
ضعف الإدارة: 58.7%
أما عن أثر تعدد القوى المسلحة، فرأى 62.9% أنه أضعف هيبة الدولة بشكل كبير، و35.5% أنه خلق سلطات موازية، مقابل 1.6% فقط قالوا إنه لم يؤثر كثيراً.
ثامناً: ما المطلوب؟
بينما يرى 88.5% أن «تحقيق العدالة» هو السبيل الأول لاستعادة الثقة بين المواطن والدولة، يليه مكافحة الفساد (78.7%)، ثم إنهاء الحرب (67.2%) – إلا أن السؤال الأهم عن «الدور المطلوب من القوى السياسية والمجتمع المدني» لم يحظَ بإجماع، بل توزعت الإجابات بين قيادة عملية السلام (13.6%)، وحماية المؤسسات المدنية (13.6%)، وتعزيز الوحدة الوطنية (69.5%)، والضغط من أجل التحول الديمقراطي (3.4%).
وهذا التوزيع يعكس حالة ارتباك في أدوار النخب ذاتها.
تاسعاً: العينة والمنهجية – قراءة متخصصة
نُفذ الاستطلاع على عينة واسعة من المشاركين تفاوتت في إجاباتهم على الأسئلة، غالبيتهم من الأكاديميين والباحثين (50.8%)، تلاهم السياسيون والناشطون (11.5%)، والإعلاميون (9.8%)، وموظفو الخدمة المدنية (9.8%). توزعت الأعمار بين 30 و70 عاماً، وأبدى 55.7% استعداداً للنشر بالاسم مع حذف بعض التفاصيل، مما يعكس جدية المشاركين وثقتهم.

ورغم أن العينة تركزت على النخب القادرة على التحليل، يمنحها ذلك قيمة تشخيصية استثنائية، خصوصاً في ظل انقطاع بيانات الرأي العام الموثوقة من السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
خلاصة الاستطلاع
السودان لم يعد دولةً هشةً أو ضعيفةً – بل هو دولة في مرحلة الانهيار الوظيفي، وفقاً لنخبه نفسها. اقتصاد الحرب يتفوق على الدولة، والمؤسسات منهارة أو شبه منهارة، والنسيج الاجتماعي يتمزق، والمواطنون لا يتوقعون تحسناً بل تفككاً أكبر. وقف الحرب هو المفتاح الوحيد المتبقي، لكنه يبدو بعيد المنال في ظل غياب إرادة سياسية داخلية وفاعلية إقليمية حقيقية.
المقدمة: سقوط وهم الدولة
ليس السودان اليوم مجرد بلد يمر بحرب، بل هو نموذج متكامل لانهيار الدولة قبل اكتمال تشكلها. ثلاثون عاماً من تراكم الأزمات، وانقلاب على ثورة، وحرب أشعلت فتيل التفكك، أوصلت السودان إلى نقطة لا يُمكن فيها إصلاح المؤسسات لأنها ببساطة لم تعد موجودة.
استطلاع الرأي الذي بين أيدينا، والذي شمل نخباً سودانية من أكاديميين وسياسيين ومهنيين، لا يقرأ المستقبل، بل يشخّص حقيقة مريرة: الدولة السودانية فاشلة في وعي نخبها قبل أن تكون فاشلة في وثائق الأمم المتحدة. أكثر من 80% من المشاركين يرون أن الحرب دمرت تماسك الدولة، و59% يتوقعون تفككاً أكبر خلال السنوات الخمس المقبلة. هذا ليس رأياً، بل شهادة خبراء عايشوا السودان في أحسن أحواله وأسوأها.
في هذا التقرير، نكشف بالرقم والصورة كيف تحول اقتصاد الحرب إلى ظل موازٍ أقوى من الدولة، وكيف أصبح النسيج الاجتماعي القطاع الأكثر تضرراً، ولماذا لم يعد السؤال «كيف نعيد البناء؟» بل «هل هناك دولة تُبنى من أساسها من جديد؟».
الخاتمة: دولة لم تولد بعد… أو ماتت قبل أن تكتمل
الخلاصة الموجعة التي يفرضها هذا الاستطلاع، أن السودان ليس في مرحلة انتقالية ولا أزمة عابرة. السودان، اليوم، وفق قراءة نخبه، هو حالة من «انهيار ما قبل الانهيار الكامل».
عندما يقول 71% إن السودان «دولة فاشلة»، وصفر% يرون أنه «دولة مستقرة»، فإن ذلك ليس مجرد رقم – بل إعلان موت سياسي صامت. وعندما يرى 83.6% أن اقتصاد الحرب أقوى من الاقتصاد الرسمي، فإن ذلك يعني أن آلة الحرب قد التهمت أسباب الحياة. وعندما يجيب 59% بأن المستقبل هو «تفكك أكبر»، فإن ذلك يعني أن الأمل لم يعد خياراً متاحاً لغالبية النخب.
ما يجعل هذه القراءة أكثر إيلاماً، أنها صادرة عن مَن عاشوا تفاصيل السودان لعقود، وليس عن مراقبين خارجيين. الأكاديمي الذي يرى مؤسسات العدالة منهارة بالكامل، والإعلامي الذي يشهد على تمزق النسيج الاجتماعي، والموظف الحكومي الذي يعترف بأن الخدمة المدنية شبه متوقفة – كلهم يرسمون لوحة واحدة: السودان يواجه موتاً بطيئاً للدولة قبل أن يولد مواطنها الحقيقي.

لكن الخاتمة الأقوى ليست في اليأس، بل في ما يُمكن قراءته بين الأسطر: هناك إجماع على أن وقف الحرب هو الخطوة الوحيدة القابلة للحياة (96.7%)، وهناك وعي بأن العدالة ومكافحة الفساد هما الطريق الوحيد لاستعادة الثقة (88.5%). وهذا يعني أن النخب لم تفقد بعد القدرة على التشخيص، بل فقدت القدرة على الفعل.
فهل تُنقذ السودان نخبه قبل أن تُنهيه حروبه؟ أم أن الأرقام في هذا الاستطلاع ستتحول إلى شاهد قبر على دولة وُجدت لتسقط؟
في الحالتين، لن يعود السودان كما كان. السؤال الوحيد المتبقي: هل ينهار كله، أم يُعاد تشكيله من جديد على أنقاض هذا الانهيار؟






