بين قاعات التفاوض وميادين القتال: هل تملك «الخماسية» مفاتيح التسوية في السودان؟

محمد أحمد شبشة
في الوقت الذي ما تزال فيه جبهات القتال في السودان تشهد تحولات ميدانية متسارعة، تستعد العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لاستضافة اجتماعات اللجنة الخماسية المعنية بالأزمة السودانية، بمشاركة الأطراف التي شاركت في مؤتمر برلين بشأن السودان. وبينما تبدو الخطوة في ظاهرها محاولة جديدة لتحريك المياه الراكدة في مسار التسوية السياسية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كانت هذه الاجتماعات تمثل بداية مسار جديد فعلاً، أم مجرد محاولة لإعادة تجميع مبادرات قديمة تحت مظلة واحدة، في وقت تستمر فيه معادلات القوة الحقيقية في التشكل بعيداً عن طاولات التفاوض.
تضم اللجنة الخماسية الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي ومنظمة «إيغاد» وجامعة الدول العربية، وهو ما يمنحها ثقلاً سياسياً ورمزياً لافتاً. غير أن أهمية الاجتماع لا تكمن في الجهات الراعية له بقدر ما تكمن في السياق الذي ينعقد فيه. فمنذ اندلاع الحرب تعددت المنابر والمبادرات الدولية والإقليمية الساعية لإنهاء النزاع، من جدة إلى القاهرة وباريس وبرلين، مروراً بمبادرات الاتحاد الإفريقي و«إيغاد»، لكن أياً منها لم ينجح في إحداث اختراق حاسم يوقف الحرب أو يؤسس لعملية سياسية مستقرة.
من هذه الزاوية يمكن النظر إلى اجتماع أديس أبابا بوصفه محاولة لمعالجة إحدى أبرز مشكلات الملف السوداني خلال العامين الماضيين، وهي تشتت الجهود الدولية وتنافس المبادرات المختلفة على لعب دور الوسيط الرئيسي. فالمجتمع الدولي بات يدرك أن تعدد المنابر لم ينتج زخماً إضافياً بقدر ما أنتج قدراً من التداخل والارتباك، الأمر الذي دفع نحو البحث عن إطار تنسيقي أكثر اتساعاً يجمع بين المؤسسات الدولية والإقليمية المؤثرة.
لكن التحدي الحقيقي لا يتعلق بتنسيق الوسطاء بقدر ما يتعلق بطبيعة الأطراف المشاركة نفسها. فالخبر يشير إلى أن الاجتماعات ستضم الأطراف السودانية التي شاركت في مؤتمر برلين، وهو تفصيل يبدو إجرائياً للوهلة الأولى، لكنه يحمل دلالات سياسية مهمة. فمؤتمر برلين لم يكن مؤتمراً جامعاً لكل القوى السودانية، بل ضم طيفاً من القوى المدنية والشخصيات السياسية التي ينظر إليها المجتمع الدولي باعتبارها شريكاً محتملاً في أي عملية انتقال سياسي مستقبلية.
وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل تسعى هذه الاجتماعات إلى بناء توافق مدني واسع يمهد لتسوية مستقبلية، أم أنها تعيد إنتاج إشكالية قديمة تتمثل في غياب بعض الفاعلين الأساسيين عن طاولة النقاش؟ فالحروب لا تُحسم في الغالب عبر تفاهمات القوى المدنية وحدها، كما أن أي عملية سياسية لا تأخذ في الاعتبار موازين القوى الفعلية على الأرض تظل مهددة بفقدان قدرتها على التأثير.
ولعل ما يلفت الانتباه أيضاً هو الإشارة إلى أن الاجتماعات تأتي في إطار التحضير لمفاوضات أوسع تستصحب المبادرات الجادة المطروحة، بما في ذلك مبادرة الرباعية. وهذه العبارة تفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كان المجتمع الدولي بصدد صياغة مقاربة جديدة للأزمة السودانية، أم أنه يحاول إعادة تدوير تصورات سابقة تعطلت بفعل الحرب وتغير الوقائع السياسية والعسكرية.
فالسودان الذي دخل الحرب في أبريل 2023 ليس هو السودان الذي يُناقش مستقبله اليوم. فالمشهد العسكري تبدل أكثر من مرة، والخرائط السياسية أعيد رسمها جزئياً، كما أن حالة الاستقطاب التي أفرزتها الحرب خلقت واقعاً مختلفاً عن ذلك الذي قامت عليه المبادرات السياسية السابقة. لذلك فإن أي محاولة لإحياء تصورات ما قبل الحرب ستواجه اختباراً صعباً يتعلق بمدى قدرتها على استيعاب المتغيرات التي فرضتها الحرب نفسها.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن انعقاد الاجتماع في أديس أبابا يحمل رسالة سياسية بحد ذاته. فاختيار مقر الاتحاد الإفريقي يعكس رغبة في إعادة تأكيد الدور الإفريقي في إدارة الأزمة السودانية، بعد فترة بدا فيها أن المبادرات القادمة من خارج القارة تحظى بالحضور الأكبر. كما أنه يعكس إدراكاً متزايداً بأن أي تسوية مستدامة ستحتاج إلى توازن بين الأدوار الدولية والإقليمية، لا إلى هيمنة طرف واحد على العملية السياسية.
وفي هذا السياق تتقاطع اجتماعات الخماسية مع التحركات التي يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، الذي يواصل لقاءاته واتصالاته مع مختلف الأطراف سعياً إلى خفض التصعيد وتعزيز حماية المدنيين. غير أن نجاح هذه الجهود سيظل مرهوناً بقدرتها على تجاوز المعضلة الأساسية التي واجهت جميع المبادرات السابقة: كيف يمكن تحويل التفاهمات الدبلوماسية إلى وقائع سياسية ملزمة للأطراف المتحاربة؟
لهذا قد يكون من المبكر النظر إلى اجتماعات أديس أبابا باعتبارها نقطة تحول حاسمة في مسار الأزمة السودانية. لكنها في الوقت نفسه تعكس إدراكاً متزايداً لدى المجتمع الدولي والإقليمي بأن استمرار الحرب دون أفق سياسي واضح يهدد بتحويل السودان إلى أزمة مزمنة تتجاوز حدود البلاد وتلقي بظلالها على الإقليم بأكمله.
ويبقى السؤال المفتوح: هل تنجح الخماسية في بناء مسار سياسي جديد قادر على التكيف مع واقع الحرب وتحولاتها، أم أن السودان سيشهد جولة جديدة من الاجتماعات والبيانات الدبلوماسية بينما تستمر موازين المستقبل في التشكل على وقع المدافع في ميادين القتال؟





